القضية الفلسطينية عند الإيرانيين بين العقيدة والسياسة

26.05.2020

تصب القضية الفلسطينية في عمق المرتكز الإيديولوجي الذي يعتبر المقوم المحوري للنظام السياسي الإيراني بما يملك من جسد مؤسساتي وآخر معنوي يشمل الشق العقائدي والروحي والمعبّر عنه بالإيديولوجي، من غير أن يفهم أن المرتكز الأيديولوجي هو الوحيد، فإلى جانبه يوجد المرتكز الدستوري والمرتكز السياسي، وأيّا يكن يبقى الدستور الإيراني هو المستوحى من التجارب السياسية الإيرانية، وما تمليه بنية المجتمع الإيراني لا سيما العقائدية؛ هو الموجّه الأساسي والمحدّد لجميع المرتكزات.

ولو فكرنا في الفوائد التي تجنيها إيران من دعم هذه القضية، لكان هذا البحث رحلة خطيرة في الأعماق غير مأمونة النتائج، ولا نقسمها إلى أسباب رئيسية وثانوية ولا إلى مباشرة وغير مباشرة بل إلى أسباب ظاهرة وأخرى باطنة، فمن الصحيح أن الشعب الإيراني وقياداته شعب عقائدي وهو يتبنى قضايا المسلمين ولكن بالمقابل دعم المقاومة الفلسطينية هي ورقة رابحة بيد الإيراني ضد الكيان الصهيوني وقناة غير مباشرة لتهديد أمن الكيان الصهيوني ولعرقلة توسعه في المنطقة، كما أن تكرار التأكيد على الدعم الإيراني للفلسطيني في قضيته يساعد في تخلص حماس وغيرها من صفة التذبذب والتقلب فقد رأيناهم يناصرون الجماعات الإرهابية ضد الشعب السوري خلال سنوات الأزمة على الرغم من أن سورية تدعم القضية الفلسطينية وهي حليف موثوق للإيراني والإيراني كذلك.

وفي سبيل الغوص في الدلالات، فلا بد من التدقيق  بخطاب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية  التاريخي بمناسبة يوم القدس العالمي يوم الجمعة الماضي 28 رمضان 1441 ، أكد قائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله السيد علي الخامنئي:

1. تجلّى ربط السياسة بالدين علناً، في محاولة للحشد والتجييش الإيجابي ضد التوسّع والاستيطان ضد الهمجية الصهيونية القائمة على القوة والخساسة وضرب عرض الحائط بالقوانين الدولية، وهذا يقوم في جوهره على توظيف الدين لتحقيق مكاسب سياسية، وهذا لا يتعدّى كونه أسلوب سياسي، (إنّ النضال من أجل فلسطين جهاد في سبيل الله وفريضة إسلامية لازمة).

2. تعدّى الخطاب مسألة تدويل القضية الفلسطينية إلى مسألة أنسنتها، لجعلها قضية عالمية تحظى بالاهتمام من قبل المنظمات الدولية، تجلّى هذا في قوله: (ان هذا النضال هو مسألة انسانية اكيدة وان حصر القضية بالاطار الفلسطيني هو خطأ فادح).

3.  جاءت كلماته كـ جريمة – واغتصاب- في وصف الاحتلال الصهيوني لفلسطين، في تأكيد على النظرة الإيرانية لهذه المسألة وفي محاولة لتجريمها قانونياً، وتأليب الرأي العام العالمي عليها، حيث صرّح سماحة الامام القائد قائلاً: (انّه في العصر الحاضر لا توجد في الجرائم البشرية جريمة تضاهي حجم اغتصاب فلسطين وتشريد أهلها).

4. من الصحيح أن الخامنئي أظهر التسليم بالأمر الواقع إلا أنّه لم يفعل ذلك ليقول انهم عاجزين بل للحث على العمل بخطوات وإجراءات واقعية والبعد عن قنوات المراوغة التي أبرزها المفاوضات، سيما مع الدول التي دعمت الكيان الصهيوني منذ نشأته، وفي هذا المجال اوضح قائد الثورة (ان المحادثات مع الولايات المتحدة والدول الغربية هي تجربة مرة وخاسرة في القضية الفلسطينية ذلك ان الهدف من زرع الكيان الصهيوني هو ايجاد قاعدة دائمة للغرب في غرب آسيا).

5. وسط تأكيده على ضرورة وجود ودعم المقاومة من جهة، وعلى محورية الدور التي تقوم به في لعب دور المهدد لوجود الكيان الصهيوني، فقد اشاد سماحة قائد الثورة بدور المقاومة وتنامي نفوذها مؤكدا على (ان المقاومة اربكت الكيان الصهيوني ارباكا شديدا حتى اصبحت العوائق امامه اصعب فأصعب) .

6. وإنّ إظهار قوة المقاومة في خلق حالة رعب يقابله تصاعد الدور التخريب والتأمري الذي تقوم به إسرائيل ضد فلسطين وشعبها، والدول التي تؤمن بالدفاع عن قضيتها ، وفي محاولة من السيد الخامنئي لشحذ الهمم وضبط الأنفس والحث على الاستمرار في العمل المقاومي ضد الكيان وداعميه لا سيما من قبل الدول التي تتبنى الاتجاه المناهض للإسرائيل والدول الداعمة لها، قال الخامنئي: (ان تطورات الاوضاع في ساحة الصراع اظهرت بان جبهة المقاومة تزداد قوة وان جبهة الاستكبار آخذة بالضعف).

7. أرسى الإمام الخامنئي طريقة التعامل مع المحتل الغاصب والطامع وكشف السبيل لذلك المتمثّل بالمقاومة كحركات مسلحة تتبنّى الزخم الايديولوجي الرافض للصهيوني الأمريكي محدداً القوة الصلبة كوسيلة ناجعة لمواجهة القوة الصلبة المعادية، فقال سماحته على (إنّ العدو الصهيوني لا يمكن الحديث معه الا من خلال القوة وان المقاومة التي جسدتها حركتا حماس والجهاد الاسلامي الى جانب حزب الله، قد اتمت الحجة علينا).

8.  وفي إشارة إلى النزعة التوسعية والاستيطانية والعدوانية على محيطها شبّه الخامنئي "اسرائيل" بالجائحة المتنقلة من دولة إلى أخرى فقال سماحته: (بانّها الجائحة التي لن تبقى وسيتم القضاء عليها).

9.  مؤكداً (ان هدف الجهاد هو تحرير الارض الفلسطينية من البحر الى النهر وعودة الفلسطينيين الى ارضهم)، ولا ننسى في هذا الصدد الخطوات العملية التي اتخذتها إيران من قبيل إنشاء فيلق القدس الذي قاده لفترة طويلة الشهيد قاسم سليماني.
   وللعلم فقد أُنشئ فيلق القدس خلال السنوات الأولى من تلك الحرب، تنفيذاً لما جاء في الدستور الإيراني، وتفتح المادتان 3 و152 من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية شهيّة الحكام للتدخل في شؤون الدول الأخرى، إذ تنص المادة 152 على أن "إيران تدعم النضال المحق للمستضعفين ضد المستكبرين في كل أنحاء العالم".