ما هي أسرار صمود إيران أمام العقوبات الأمريكية؟

07.05.2020

كتب صالح القزويني مقالةً عن أسباب الصمود الإيراني في وجه العقوبات الأمريكية، ووجدت فيها ما يثير الموافقة معه ومنها ما يثير الإفاضة أكثر وأكثر، ففي البداية أتفق مع صالح قزويني في تحديد الغاية من العقوبات الأمريكية ضد الشعب الإيراني. 

 وأتفق معه في كون العقوبات زادت وتيرتها مع قدوم ترامب وإدارته التي – كما وصفها قزويني- مارست الضغوط تلو الضغوط على إيران منذ مجيء ترامب للسلطة وإلى هذا اليوم، مضيفاً أنّها عيّنت شخصاً في وزارة الخارجية لهذا الغرض فقد كانت مهمة برايان هوك الوحيدة هي متابعة كل ثغرة يمكن أن توظفها ايران لتجاوز الحظر عليها فيسارع إلى سدها، وقد وجه العديد من التهديدات لدول العالم حذرهم فيها من عواقب التعامل مع ايران، ولم يكتف بذلك وحسب بل كانت لديه زيارات منظمة للدول المجاورة لإيران للوقوف بنفسه على مدى التزامها بتعليماته، ولتوجيه تحذيرات مباشرة لها بعدم انتهاك الحظر الذي تفرضه بلاده على ايران. 

  وأتفق معه بأن الإدارة الأمريكية أثّرت على حلفائها والأدلة التي قدمها بديهية جداً ومعروفة للقاصي والداني ألا وهي:

أولاً: دول وشركات توقفت عن التعاون مع إيران بمجرد إعلان ترامب أنه يريد الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض حظر جديد على إيران، بل وحتى الدول الكبيرة لم تتجرأ في الإعلان عن استمرار التعاون مع إيران وغاية ما أعلنته بأنها لا تزال متمسكة بالاتفاق النووي ولكن على الواقع كانت ولا تزال متمسكة بالسياسة التي ينتهجها ترامب ضد إيران.

ثانياً: بسبب الضغوط الأمريكية لم تلتزم الدول الاوروبية بواجباتها المنصوصة في الاتفاق النووي الموقع مع إيران، ورضخت لمطالب الإدارة الأمريكية بمسايرة واشنطن في حظرها ضد طهران واتخاذ مواقف تصب في مصلحة أمريكا التي كانت ولا تزال تحاول تضييق الخناق على إيران بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، الأمر الذي حال دون استفادة إيران من المزايا الاقتصادية ضمن خطة العمل الشامل المشتركة (الاتفاق النووي). 

   وعلى العموم ما ذكره من عوامل لتصدّي إيران ومقاومتها للعقوبات الأمريكية هي عوامل بديهية ومعروفة وفضفاضة وعامّة جداً وتفتقد إلى الغوص في التفاصيل الذي قد لا يقوم به إلا من توفّرت لديه المعلومات التفصيلية الدقيقة، وعلى هذا الأساس فإنّ هنالك العديد من الأسباب كما يروق لي تسميتها تقف وراء الصمود الإيراني ضد العقوبات الأمريكية منها : 

   أولاً: قبل الشروع بتحديد أي سبب من الخطأ التقليل من شأن العوامل المعنوية التي تتمثّل في تفهّم الشعب الإيراني للعداوة الأمريكية له ولقياداته الإسلامية ولسياساتها، الأمر الذي نجم عنه الرضا بالأمر الواقع، والتماشي مع سياسة التعايش مع الواقع والممكن، علماً أن الواقع الإيراني مقارنة بغيرها من الدول الشرق أوسطيه ليس سيئاً بدليل عدّة قرائن منها مستوى معيشة المواطن.

ثانياً: قوة المؤسسات الاقتصادية غير الرسمية، ويكفي للتدليل على هذا أن مؤسسة المستضعفين الإيرانية التي ورثت أموال الشاه رضا البهلوي بعد قيام الثورة الإسلامية والتي قدّرت حسب أحد الإحصائيات بثلاثة بلايين دولار أمريكي، قامت في فترة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية بتقديم تكاليف إعادة الإعمار، وتكفّلت بأسر شهداء الحرب، إلى جانبها توجد مؤسسة الإمام الرضا عليه السلام، وإن هذه المؤسسات تؤدّي دوراً قوياً ومحورياً في صيانة وتعزيز أمن إيران وطنياً وقومياً.

ثالثاً: الإنتاج المحلي في إيران، ففي الفترة الأخيرة ازدادت القيمة المضافة  للصناعات التحويلية وارتفع عدد البحوث العلمية وبالتالي الاختراعات وتطورت الصادرات غير النفطية، قاد هذا التحول إلى تحسين القدرات الاقتصادية المحلية، وهذا بعد  أن حققت إيران تقدماً منقطع النظير في الميدان التكنولوجي والتطوير الصناعي المدني والعسكري مقارنة ببلدان المنطقة.

رابعاً: برنامج “الاقتصاد المقاوم” في إيران الذي يحاول التصدّي للعقوبات الأمريكية بطرق عديدة. يمثل هذا البرنامج رداً على العقوبات الأمريكية من جهة وطريقاً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى. يرتكز على محاور تشمل الميادين التجارية والمالية والصناعية وكذلك السياسية، ويمكن حصرها بخمس نقاط. الاعتماد على القدرات الاقتصادية المحلية، الاهتمام بالبحوث العلمية للأغراض الصناعية، تقليص تبعية الاقتصاد للنفط وإجراء إصلاحات اقتصادية. وتتم إحاطة جميع فقرات البرنامج، بما يطلق عليه الإيرانيون “العامل الجهادي والروح الوطنية”.

خامساً: ارتفاع الإنفاق العسكري نتيجة التدخلات الخارجية من حيث هو عامل ضامن لبقية الإجراءات اللازمة لكسر العقوبات الاقتصادية امريكية على إيران.

سادساً: تقليص التبعية الاقتصادية للنفط حقق نجاحاً نتيجة الاهتمام بالتكنولوجياً.

سابعاُ: القيام بعمليات استثمارية سواء عن طريق الإيرادات النفطية أم عن طريق الحصيلة الضريبية أو عن طريق القروض.

ثامناً: عدم تأثير العقوبات على نظام إيران السياسي من حيث هويته الإسلامية وهيكليته والأهم الايديولوجيا الثورية التي يتبناها قادة النظام السياسي الإيراني والتي تشكّل مرتكزاً محورياً من مرتكزات الدولة الإيرانية. 

تاسعاً: تغير إيران عملتها لمواجهة السقوط المالي، وهذا ما قامت به يوم الثلاثاء في 5 أيار 2020م ، حيث اتخذت إيران قراراً رسمياً باستبدال عملة البلاد من الريال إلى التومان من خلال مشروع قانون إقراره في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، ونصت المادة الأولى لمشروع القانون الذي صوت عليه المجلس في جلسته، على أن العملة الرسمية لإيران هي التومان الذي يعادل 10 الاف ريال أو100 قران.

عاشراً: استمرار عمليات الاستيراد والتصدير من بعض الدول التي خضعت لضغوطات أمريكية كما حدث عندما تم قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإلغاء الإعفاءات من شراء النفط الإيراني التي أعطتها واشنطن لثماني دول هي، الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان وتركيا واليونان وإيطاليا وتايوان، فلم تستجب الصين وتركيا لهذا الضغط الأمريكي الأمر الذي يمكن تكراره مستقبلاً.

الحادي عشر: استخدام سلاح الإغراءات من قبيل منح عقود لإصلاح وإدامة حقول نفطية في إيران بأسعار مناسبة ترضي الأطراف صاحبة العلاقة لكسر العقوبات المفروضة على النفط الإيراني بما أن  أغلب الإيرادات المالية الإيرانية تأتب عبر النفط، ومثال هذا تجربة إيران مع الصين شركة النفط الوطنية الصينية كانت فازت بعدة عقود لاصلاح وإدامة حقول نفطية في إيران بينها ازادغان الجنوبي غربي محافظة خوزستان في العام 2009، لكن طهران ألغت العقد في العام 2014 بسبب ما وصفته بعدم التزام الطرف الصيني بتعهداته.

الثاني عشر: التنبه إلى سلاح منح الاستثمارات بقصد الجذب قد تعزز استثمارات المؤسسات الصينية في الولايات المتحدة التردد الصيني في زيادة كمية النفط المستوردة من إيران.

الثالث عشر: مخزون إيرادات إيران من العملات الصعبة فمن الممكن التعويل عليها، ففي في الرابع من أيار 2019م، وخلال جلسة لرئيس الجمهورية الإيراني مع عدد من المعلمين في طهران، أعلن روحاني أن إيرادات البلاد غير النفطية من العملة الصعبة بلغت 43 مليار دولار أميركي ومثلها من عائدات النفط رغم العقوبات، وبأن مداخيل البلاد خلال فترتي حكمه لم ولن تتأثر بأيّ شكل من أشكال العقوبات.

الرابع عشر: إقامة حلف اقتصادي مع الدول التي تتسم علاقاتها السياسية بالجيدة والتي تقف على مواقف مناهضة للهيمنة الأمريكية كالصين وروسيا وحتى الدول الإقليمية التي يجب تعزيز التبادل التجاري معها واستغلال الأليات الكفيلة بذلك من قبيل تخفيض الرسوم الجمركية كما هو الأمر بالنسبة لعلاقات إيران مع باكستان وأفغانستان وتركيا والعراق.

الخامس عشر: التحايل على العقوبات الأمريكية بخصوص النفط الأمريكي، فعلى سبيل المثال والتأكيد ابتكر الإيرانيون طريقة جديدة بتخزينهم النفط والغاز خارج البلاد على أراضي دول كالصين (ميناء خليج داليان) وعمان وروسيا أو حتى في مخازن عائمة. إضافة إلى استخدام أوراق الضغط الرابحة لدى إيران عسكرياً وسياسياً عبر تفعيل الضغط السياسي بالتهديد بربط تصدير النفط الإيراني بتصدير أي نفط آخر عبر مضيق هرمز، وقد لجأت إيران إلى التهديد بإغلاقه وإيقاف عبور البواخر عبره، هذا الأمر الذي قاد إلى توتر دولي كاد أن يقود إلى توتر دولي. 

   الكثير من الباحثين تمعّن في سبل مواجهة إيران للعقوبات الأمريكية وتحدّثوا مثلاً عن استغلال النزعة الإنسانية لدى بعض المنظمات الدولية الإنسانية، ولكن هذا الأمر غير واقعي لأنّ العقوبات زادت في فترة وباء كورونا في إيران بدون أي دعم إنساني منظماتي يُذكر ولهذا لا   يمكن التعويل عليهم، كما قال البعض ببيع الحكومة الإيرانية للنفط للقطاع الخاص وشركاته التي تتكفل بتصدر النفط وهذا أيضاً من باب الحرب الدفاعية الإعلامية لأن العقوبات الأمريكية تنظر للدولة الإيرانية ككل ولا تفرق بين قطاع عام ولا خاص وإلا لأمكن تجاوز العقوبات والتحايل عليها، وبالنتيجة أنا ككاتب سوري من دولة حليفة لإيران لا أقصد بالبحث عن أسباب الصمود الإيراني في العقوبات الأمريكية إلّا تسليط الضوء على النقاط التي يجب التنبّه لها واستغلالها لمواجهة العقوبات الأمريكية، وبالتأكيد هذه الأمور لا تخفى على الحكومة والمسؤولين الإيرانيين، ولكنها تبقى جهداُ فكرياً في سياق البحث بأحد المواضيع الهامّة بالشأن الإيراني.