هل خضع ترامب للصقور فيما يتعلق بسوريا

12.04.2017

من الواضح أن الضربة الأمريكية التي حصلت صباح 7 نيسان 2017على القاعدة الجوية السورية في حمص "الشعيرات" توازي أزمة صواريخ كوبا 1962 التي كانت تودي لحرب عالمية ثالثة، وإن كان قد سبقها حدث أكثر خطورةً حينما استهدفت 4  مقاتلات أمريكية موقعاً عسكرياً سورياً في جبل الثردة بمحيط دير الزور في 17/9/2016، لكن تدارُك قيادة القوات الأميركية في الشرق الأوسط الأمر سريعاً ببيان يقول أن القصف كان بالخطأ وما تبعه من "أسف" وزارة الدفاع الأمريكية عن "قصف قوات سورية تحارب داعش" إضافةً لقدرة الجيش السوري على استيعاب هجوم "داعش" كان كفيلاً بتلافي خطورة اندلاع مواجهات روسية أمريكية مباشرة إضافةً لتلافي الضجة الإعلامية الكبيرة التي رافقت استهداف مطار الشعيرات.

لكن يبقى قرار الرئيس الأمريكي ترامب بشن هذه الضربة العسكرية يمثل اكتمال نصاب "اللاعقلانية الدولية" بسبب حالة اللاقطبية التي يعيشها النظام العالمي منذ فشل العدوان الأمريكي على العراق 2003 بتحقيق أهدافه كاملةً، إضافةً إلى حالة اللاقطبية داخل الإدارة الأمريكية بين ترامب صاحب النزعة الأمريكية المتطرّفة من جهة، وبين مؤسسات الدولة العميقة التي بنت على مدار عقود عداءً كبيراً لروسيا (والاتحاد السوفيتي سابقاً) في الرأي العام الأمريكي وسعت لتسويق ذلك في الرأي العام العالمي عبر كل الوسائل المتاحة.
وكما تم استغلال قضية الضربات الكيماوية في الغوطة الشرقية في 21/8/2013 لتجريد الدولة السورية من سلاح الردع الكيماوي في مواجهة إسرائيل حين أعلنت المنسقة الخاصة للبعثة المشتركة للتخلص من الأسلحة الكيميائية في سوريا "سيغريد كاغ" ذلك في 23/6/2014، يأتي اليوم قضية الكيماوي في خان شيخون ليتحول التنديد الأمريكي خلال أقل من 24 ساعة إلى قصف من البارجتين الأمريكيتين Uss Ross و USS Porter المتواجدة في البحر المتوسط بـ 59 صاروخ من طراز توماهوك على مطار "الشعيرات".
ردة الفعل الأمريكية السريعة لها العديد من الدوافع كما تحمل الكثير من الرسائل المحتملة، ولعل أبرز الدوافع الحالة الصعبة التي يمر بها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في صراعه مع الدولة العميقة منذ تولّيه منصبه في 20/1/2017 بدءاً من استقالة مستشاره للأمن القومي "مايكل فلين" في 13/2/2017، واتهام وزير العدل "جيف سيشنز" بتواصله مع السفير الروسي في أمريكا "سيرغي كيسلياك"، وانتهاءً بإقالة "ستيف بانون" في 5/4/2017 الذي كان يمثّل آخر قلاع دونالد ترامب في مجلس الأمن القومي ليأتي بدلاً عنه "هربرت مكماستر" ويكتمل بذلك نصاب تشكيل مجلس أمن قومي ذو طابع حربي معادي لأي تسويات مع الروس وليكون ذلك بمثابة خضوع ترامب أمام الدولة العميقة (حالياً على الأقل)، وبهذا السياق تأتي الضربة العسكرية الأمريكية ضد القوات السورية كرسالة من ترامب للدولة العميقة على أنّه شخص حازم ولا علاقة تربطه بالروس، أما الدافع الثاني فهي رسالة من الدولة العميقة داخل الولايات المتحدة الأمريكية إلى كل الدول المعادية للتوجّه الأمريكي في العالم على رأسها روسيا والصين وإيران لذلك فإن توقيت تلك الضربة مع زيارة الرئيس الصيني للولايات المتحدة  كانت فرصةً مناسبةً لتوجيه هذه الرسالة، وعبّر عن ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "نأمل أن تُسمع رسالة ترامب ليس فقط بدمشق بل في طهران وصولاً إلى بيونغ يانغ".
إن صدى هذا العدوان العسكري كان له رنينه الخاص في الداخل الإسرائيلي بالنسبة لنتنياهو الذي سال لعابه عليها وذلك لما تعود له هذه الورقة من فوائد على مستوى الداخل الإسرائيلي الذي تعرّض لهزّةٍ عنيفة حين قامت الدفاعات الجوية السورية برّدٍ قاسٍ على الغارة الإسرائيلية الأخيرة في 17/3/2017التي استهدفت موقعاً عسكريّاً سورياً في ريف حمص الشرقي ممّا استدعى الإسرائيلين تشغيل منظومة "السهم Arrow" لأول مرّة لاعتراض صواريخ S200، واضطرارهم أيضاً للإعلان عن هذه الضربة العسكرية بما يعني كسر بند "المعركة بين الحروب"، إضافةً لما حمله هذا الرد من رسائل سورية بأن خط المواجهة مع الكيان لم يعد الجولان المحتل فقط بل الأردن أيضاً ، وأن الحالة السورية لم تعد حالةً أمنيّةً بالنسبة للإسرائيليين بل باتت حالةً عسكريّةً.
هذه التغيرات استدعت بنيامين نتنياهو للدعوة لعقد الاجتماع الوزاري المصغّر يوم الأحد 9/4/2017 للبحث في إمكانيّة استغلال هذا الانقلاب في السياسة الأمريكية تجاه سورية في محاولةٍ لوضع ملف حزب الله على طاولة المفاوضات الروسية الأمريكية لإعادة إنتاج القرار الدولي 1559 (2/9/2004) بنسخته السورية ممّا يعني فرض انسحاب حزب  الله من سورية، ومن الواضح أن الكيان الإسرائيلي كان ينتظر هذه اللحظة وسيدفع باتجاه مزيد من التصعيد وربّما القيام بعمليات مشتركة مع الأمريكيين لتحقيق هذا الهدف، وقد نقلت الصحيفة الإسرائيليّة "هآرتس" عن مصادر إسرائيلية أن بنيامين نتنياهو (معني بإقامة منطقة عازلة جنوب سورية تمتد من خط فصل القوات حتى الحدود الأردنية لضمان عدم إقامة قواعد لاإيران وحزب الله في هذه المنطقة) ونقلت عن أحد أعضاء "الكابينيت" أن المجلس ناقش يوم الخميس 6/4/2017 "مسألة التواجد الإيراني في سورية بعد انتهاء الحرب، مشيرةً إلى أنّ إقامة قواعد عسكرية إيرانية في سورية يتحول إلى حقيقة على الأرض مما يعيق حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي".
هذه التصريحات المتتالية رافقتها تحرّك جبهة الجنوب السوري مع انتشار واسع للجيش الأردني على الحدود السورية الأردنية فوراً بعد العدوان الأمريكي مما يوحي بأن الكيان الإسرائيلي ماضٍ في استثمار العدوان للضغط نخو تشكيل منطقة عازلة  خصوصاً مع تصاعد لهجة الأمريكان وتفويض مجلس النواب الأمريكي لترامب تسليم صواريخ "مانباد" المضادة للطائرات للمجموعات المسلّحة في سورية , في حين اكتفى أردوغان، الغارق في مشاكله الخارجية مع كل الدول وفي الداخل، بتأييده العدوان الإمريكي على سورية بعد إعلانه قبل عدة أيام عن أن هناك عملية أخرى ستنطلق باتجاه منبج.
لكن ما يغفله الإسرائيليون أن روسيا التي امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن في جلسة إقرار القرار 1559 باتت اليوم موجودةً على الأرض السوريّة , وأن توبيخ الرئيس الروسي بوتين لنتنياهو كما قالت الصحيفة الإسرائيلية "معاريف" تحوّل إلى تحرّك عسكري بعد العدوان الأمريكي بإرسال الفرقاطة "الأميرال غريغوروفيتش" المزوّدة بصواريخ كاليبر المجنّحة إلى المتوسط مجدّداً إضافةً إلى الحديث عن تعزيز الدفاعات الجويّة السورية وتعليق مذكرة التفاهم الروسية الأمريكية حول ضمان سلامة التحليق في سماء سورية الموقعة في تشرين الأول 2015، وأن مصير سورية بالنسبة للروس لا يرتبط بقضية الدفاع عن شخص الرئيس بشار الأسد وإنّما عن مكانة روسيا في النظام العالمي الجديد الذي وصفه مندوب روسيا الدائم في الأمم المتحدة "فلاديميرسافرونكوف" في جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة الجمعة 7/4/2017 بأنه "نظام متعدّد الأقطاب".
ويبقى وضع سورية ومنطقة الشرق الأوسط أحد أهم بوابات تشكيل النظام العالمي الآخذ بالتشكّل رهينة الصراع المستمر إلى أمدٍ غير محدّد بين المشروعٍ (الأمريكي الغربي الصهيوني) الذي يركب عليه بعض العرب الذين لا يمتلكون للأسف أيّ مشروع، وبين المشروع (الروسي الإيراني السوري) بعد انهيار كامل مسارات التفاوض في "أستانة" و"جنيف" رغم البداية المُفائلة في أستانة 1 في (23 و 24 يناير 2017).