الأسد وبوتين... تحالف الأقوياء في الاشتباك الإقليمي

09.01.2020

زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سوريا والتقى بنظيره الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق وتجولا في أحياء دمشق في الوقت الذي يشهد الشرق الأوسط تطورات استثنائية ويقف على خط التغيير في موازين النفوذ الدولي.

أتت زيارة الرئيس الروسي إلى دمشق ولقاؤه بالرئيس الأسد بالتوازي مع احتدام المواجهة الأمريكية الإيرانية في الشرق الأوسط وقبل ساعات من زيارته إلى تركيا ليدشن مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان افتتاح خط أنابيب الغاز "التيار التركي" الاستراتيجي الذي يصل الغاز الروسي بتركيا وشرق أوروبا.

سوريا التي مركزها دمشق تقع الآن في أهم بقعة جيواستراتيجية في العالم، وهي جزء من محورين:
محور المقاومة وهو سوريا وإيران والعراق وحركات المقاومة في لبنان وفلسطين.

ومحور مكافحة الإرهاب وهو روسيا وسوريا وإيران والعراق ولبنان.

الاشتباك الإيراني الأمريكي لا يمكن فصل سوريا عنه بحكم تحالف سوريا مع إيران والعراق في كلا المحورين، وكذلك بحكم وجود الاحتلال الأمريكي في شرق الفرات السوري الذي تستعد دمشق لإخراجه بأسلوبها الخاص وتدرك موسكو أن هذه حقيقة قادمة، وقريبا ستشهد نشرات الأخبار كلمة "الرمال السورية" كثيرا وخاصة بعد تحرير ما تبقى من محافظة إدلب، وهنا يأتي التحالف الروسي السوري ليرسم بداية لتغيير موازين القوى في الشرق الأوسط التي سيكون لروسيا دورا حاسما وهي التي أعادت زمن التعددية القطبية بنهوضها الأخير الذي وصل في الأيام الأخيرة إلى مرحلة قبول أوروبا وأوكرانيا بفتح خط الغاز من روسيا إلى أوروبا والذي فرضت واشنطن عليه عقوبات ونددت بذلك قوى ألمانية وأوروبية لأن أوروبا بحاجة الغاز الروسي.

يجمع دمشق وموسكو تحالف إستراتيجي يحقق مصلحة البلدين ينطلق من تبادل وتكامل عوامل القوة التي يملكها كل بلد سواء في الموقع الإستراتيجي أو القوة العسكرية أو الاقتصادية.

دمشق الآن أعادت ترتيب أوراقها لتكون لاعبا أساسيا في الشرق  الأوسط بالرغم من استمرار الحرب في أجزاء من هامة من سوريا، إلا أن الرئيس الأسد يمتلك عوامل القوة الكافية التي يستطيع من خلالها حسم أي معركة وخاصة في ظل تأييد شعبي كبير وهو سر القوة الرئيسي.

حول زيارة الرئيس بوتين الثانية إلى سوريا، كتبت "البناء":

"في دمشق قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري بشار الأسد باستعراض مشاهد وعلامات السلام والأمن والفرح التي تزهو بها دمشق، في عيد الميلاد ومطلع العام الجديد وتنقلا بين أحياء العاصمة وفي كنائسها والمسجد الأموي، في تعبير أعلى من السياسة لقوة نموذج سورية الجديدة، كنتاج يفتخر به الحليفان ومعهما الحليف الإيراني، يقدّمونه للعالم بالتوازي مع النموذج الذي قدّمته واشنطن، سواء في الحرب على داعش، أو ما تقدّمه اليوم في تحويل التفويض الذي حازته من الحكومة العراقية لتحوّل العراق ساحة للإرهاب، والقتل وتنتهك سيادة الدولة المضيفة وتقتل قادتها وضيوفها وتستهدف قواعد قواتها النظامية على الحدود. ولعل في مشهد الرئيس بوتين في دمشق رسالة تقول إن بمستطاع العالم أن يجد في السلوك الروسي وقبول شعوب المنطقة وحكوماتها به، بديلاً للحريق الذي أشعله الأميركي وتلاحقه شعوب المنطقة وحكوماتها وقواها المقاومة متوعّدة بحريق أشد اشتعالاً".

بدوره رأى الكاتب أمجد اسماعيل الآغا أن عناوين زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تتجسد في:
أولا- روسيا وما تمثله من قوة سياسية وعسكرية فاعلة ومؤثرة في مجمل قضايا المنطقة، تهدف إلى تهيئة المجال لصوغ توافقات تُجنب الشرق الأوسط حرب كارثية. من هنا فإن سوريا جُزئية هامة يدور حولها النشاط الإقليمي والدولي، الهادف إلى إعادة ترتيب أوراق المنطقة.

ثانياً – الحالة السورية القادرة على جمع التناقضات الإقليمية والدولية، وترجمتها مسارات واقعية، ستُثبت قُدرتها على تفسير الظواهر المُعقدة والراهنة، وصوغ حلول سياسية أو بدائل عسكرية، وذلك انطلاقاً من قُدرة الدولة السورية على إدارة مستويات الصراع في سوريا وعليها. لا سيما أن دمشق وموسكو حليفان استراتيجيان ولابد من تنسيق المسارات سياسياً وعسكرياً.

ثالثاً – زيارة الرئيس بوتين إلى دمشق في هذا المناخ السياسي الشرق أوسطي المتوتر، هي رسالة إلى واشنطن وأدواتها في المنطقة، خاصة أن التواجد الأمريكي في سوريا غير شرعي، فضلاً عن الدور الأمريكي في إعادة تدوير بقايا داعش، ومحاولة إعادة الوقائع إلى نقطة الصفر، وفي هذا أيضاً رسالة موجهة إلى الجماعات التي تعمل ضمن الأجندة الأمريكية. وبالتالي هناك قرار سوري روسي بضرورة منع عرقلة أي حل سياسي، عبر تطويع هذه الجماعات “الأمريكية” لعرقلة الحل السياسي في سوريا.

رابعاً – الرئيس الأسد تمكن وبقدرة استراتيجية من توظيف وإدارة وتفكيك كافة المعادلات الجيوسياسية المتربصة بالدولة السورية، وتشكيل نماذج من التوازنات، ستكون بلا ريب بوابة لحلول سياسية وأخرى عسكرية، وأنموذج اقتصادي مؤثر على مستوى الإقليم. وعليه فإن زيارة بوتين جاءت في إطار دعم ما تم تحقيقه سياسياً وعسكرياً، فـ الرجلين حليفان استراتيجيان، ولا بد في ظل المناورات الأمريكية والتركية المتعددة الأوجه، من الشروع الفعلي بصوغ معادلة استراتيجية ناظمة للقادم من الأيام.