حصار لينينغراد: الكارثة الأضخم في تاريخ البشرية

حصار لينينغراد: الكارثة الأضخم في تاريخ البشرية
الأحد, 26 يناير, 2020 - 11:56

خلال الحرب العالمية الثانية قامت القوات الألمانية بحصار مدينة لينينغراد (مدينة سانت بطرسبرغ في الوقت الحالي) في الفترة ما بين 8 سبتمبر/أيلول 1941 و27 يناير/كانون الثاني 1944 بهدف كسر مقاومة المدينة والاستيلاء عليها.

في البداية، خططت القوات الألمانية النازية لهدم المدينة الروسية بالكامل وذكرالمؤرخ نيكيتا لوماغين، الأستاذ في الجامعة الأوروبية بمدينة سان بطرسبرغ، "حددت القيادة النازية بوضوح نواياها فيما يتعلق بلينينغراد، وكان الهدف تشديد الحصار إلى أقصى حد وقطع الموارد عن المدينة على أمل أن تستسلم المدينة بسرعة لعدم توفير الموارد اللازمة لملايين الأشخاص".

ولاحظ مؤلف كتاب "معركة لينينغراد. الدفاع المجهول" المؤرخ فياتشيسلاف: أن جنرلات فيرماخت تشاركوا فكرة الإبادة الجماعية ولم تكن هناك أية آثار للإنسانية في صفوف جيش "الشمال".

وأشار لوماغين: "القيادة النازية والفاشية لم تكن تريد أي خسائر لجيشها لهذا لم تكن تنوي اقتحام المدينة، لكن في نفس الوقت، لم يخططوا لقبول الاستسلام، لأن الاستسلام كفعل عسكري من شأنه أن يفرض على القيادة النازية ضرورة الاعتناء بالمدنيين".

من جانب آخر، حاول المؤرخون الألمان في دراساتهم بعد الحرب إيجاد عذر لمثل هذه التكتيكات، وقال لوماغين "لفترة طويلة، رأى علم تأريخ ألمانيا الغربية، أن لينينغراد كانت مدينة محصنة، وبما أنها كانت مدينة محصنة، فقد كان من الممكن التعامل معها كهدف عسكري، وبالتالي يمكن استخدام الجوع كوسيلة للحرب، وأضاف لوماغين، إن هذا الأمر لا يحظره القانون الإنساني الدولي. لكن في وقت لاحق، أدرك مؤرخو جمهورية ألمانيا الفيدرالية، أن الحصار المفروض على لينينغراد كان في الواقع إبادة جماعية، أي حرب لتدمير كل من كانوا في هذه المدينة.
الخطط السوفيتية

قبل بداية الحصار على المدينة في صيف عام 1941، تم إجلاء عدد من المؤسسات الصناعية، أهمها الدفاعية، وكذلك الممتلكات الثقافية من متحف الأرميتاج الحكومي.

ثم أكد نيكيتا لوماغين: "كانت لينينغراد مهمة بالنسبة للقيادة السوفيتية ليس لأنها مركز صناعي بل لكونها القاعدة الوحيدة لأسطول بحر البلطيق، والحفاظ على قدرتها القتالية كان يحدد سلفًا إمكانيات الصراع، حتى في اتجاه موسكو".

بالطبع، تابع سكان المدينة تطورات الأحداث من الأيام الأولى للحرب، وتشير مذكرات الحصار إلى أن معظم المواطنين كانوا يشتبهون في البداية في أنه لا يمكن تجنب المأساة.

وخلص لوماغين: "كان لدى معظم سكان المدينة فكرة سيئة للغاية عن الوضع في المدينة وحول المدينة وعلى أرض المعركة، وهذه حالة عدم اليقين حددت مزاجية السكان لفترة طويلة".

ومنذ بداية سبتمبر/أيلول 1941، فيما يتعلق بالوضع الصعب للغاية مع الغذاء، بدأت قواعد نظام الإمداد تتغير، حيث تم تقديم بطاقات الطعام، وكل بطاقة تضم كمية الغذاء اليومي، وبتعبير أدق، تم إعطاء الخبز فقط. وكان معدل صرف الخبز اليومي 800 غرام للعاملين و 600 غرام للموظفين و400 غرام للأطفال والعاطلين عن العمل.

ويذكر المؤرخون أن التوتر في المدينة بلغ ذروته بحلول ديسمبر/كانون الأول 1941. وبعد ذلك، أصبحت كمية الغذاء المتوفرة في حدها الأدنى، وتوقفت معظم المؤسسات عن العمل نظرًا لانعدام الكهرباء، وتوقفت إمدادات المياه والنقل والبنية التحتية الحضرية الأخرى عن العمل.

وبين لوماغين، "أننا نسمي هذه المجموعة من الظروف بالحصار، فهذا عجز في كل شيء على خلفية الجوع والبرد والقصف، وشدد، أن تمزيق نسيج الحياة هذا كان بمثابة ضربة نفسية بالغة الصعوبة".

مذكرات يوميات لينينغراد

كتبت تلميذة تدعى أنتونينا البالغة من العمر 11 عاما آنذاك في مذكراتها: هذا شهر يناير/كانون الثاني عام 1942، علي أن أحضر نفسي للخروج، وقد نمت الليلة مع جدتي كالعادة، وبردت كثيرا، ثم أتت إلي أمي ولاحظت أن جدتي قد ماتت، وفي اليوم التالي قمنا بوضع جثتها في شرشف وأخرجناها إلى الشارع، ولم تكن لدينا أي قوة للاستعداد للرحلة".

لماذا استمر الحصار لفترة طويلة؟

لم يتوقع أحد أن الحصار سيستمر لفترة طويلة فقد استغرق 900 يوما.

ورأى المؤرخ فياتشيسلاف موسونوف: إنه كان من المستحيل رفع الحصار تحت تلك الظروف كما كان من المستحيل تجنبه.

حيث قال: اعتمدت القوة الدفاعية للينينغراد حتى بداية الحرب العالمية الثانية على أن العدو من المحتمل أن يهاجم من الشمال أو الغرب. ومنذ بداية هجوم العدو كانت لينينغراد وضواحيها تركز على صد العدو من جهة الشمال، لكن هذا لم يكن ضمن خطط الجيش الألماني-الفنلندي، حيث قامت الصفوف الفنلندية بالمضي حول بحيرة لادوغا (التي تمتد على الساحل الجنوبي والغربي والجنوبي الشرقي لضواحي لينينغراد) حتى التقوا مع جيش "الشمال" بالقرب من نهر سفير (شمال شرق ضواحي لينينغراد) محاطين بذلك لينينغراد كلها وهكذا لم يكن بالمستطاع إنقاذ المدينة".

ليس هناك رأي واحد  لدى المؤرخين حول كمية خسائر السكان المدنيين في لينينغراد، وأعلنت محاكمات نورنبيرغ  في عام 1945 أن 649 ألف شخص وقعوا ضحايا الحصار، لكن المؤرخين الحديثين يعتقدون أن الرقم لا يقل عن 900 ألف شخص.