إيران وتركيا.. حدود العلاقة ومعادلة التفاهمات الشرق أوسطية

10.09.2020

المُتابع لمسار العلاقات الإيرانية التركية، يُدرك بأن جوهر هذه العلاقات اتسم بالتنافس؛ هو تنافس ارتكزت جزئياته على معادلتي الأجندة الجيوسياسية والمشروع الاقليمي، وقد ازدادت حدة التنافس بينهما تبعاً للتطورات الجيوبوليتيكية في المنطقة، إلا أن العلاقة بين طهران وأنقرة بقيت ضمن أطر التعاون والتنسيق، من دون أن يعنى ذلك اختفاء التنافس الإقليمي بينهما، والناجم عن طبيعة كل نظام وطموحه، بيد أن تدهور الأوضاع الإقليمية شكّل مُنطلقاً لاتساع مروحة طموحات البلدين، مع اختلافات محورية تتعلق بطريقة توظيف الوقائع الشرق أوسطية، وبناء المعادلات السياسية بما يتناسب وطموح كل دولة، إلا أن تركيا جنحت باتجاه الاستثمار السياسي لطبيعة التطورات في المنطقة، والعمل على إطالة أمد الصراعات والحروب، في حين كانت ايران وانطلاقاً من علاقتها مع تركيا، تعمل دائمًا على احتواء تركيا وتأطير توجهاتها، وفق آليات استراتيجية أسهمت إلى حد ما في ضبط التحركات التركية في المنطقة.

في ذات الإطار، فإن إيران وتركيا تعملان معًا على تنسيق سياستهما في جميع أنحاء الشرق الأوسط، فالأسباب الاقتصادية والجيوسياسية تُعدان من أهم مُحددات العلاقة بين طهران وأنقرة، حيث تُعد إيران المورّد الرئيس للنفط والغاز الطبيعي إلى تركيا من خلال خط أنابيب مشترك، كما أن التفاهمات حيال القضية الكردية في المنطقة، ومنع محاولات إقامة دولة كردية على حدود البلدين، تأخذ مساحة وسعة في عمق العلاقة بينهما، وتؤسس في المضمون لمعادلة تتخذ من هذه القضية، مُنطلقاً لتعزيز شراكتهما في المنطقة، وفي جانب ثانٍ، فقد نمت العلاقة الإيرانية التركية انطلاقاً من معارضة دور الولايات المتحدة في سوريا، والرغبة في تقليل وتحجيم النفوذ الأمريكي في المنطقة بشكل عام، بما يتيح الفرصة لتمدد طموحاتهما.

ثمة مؤشرات متعددة تؤكد تنامي الحاجة الإيرانية للدعم التركي، ومنها زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى تركيا في 15 حزيران الماضي، وهو أحد أكثر الاجتماعات رفيعة المستوى التي عُقدت منذ انتشار وباء كورونا. وكان يهدف من الزيارة إلى الحصول على الدعم التركي في تخفيف العقوبات وحظر الأسلحة. وفي المقابل ستساعد إيران تركيا في ملفات عدة، لذا أعلنت إيران دعمها لدور تركيا في ليبيا، وإعلان جواد ظريف دعمه حكومة الوفاق الليبية، كما قامت تركيا وإيران بالتنسيق لضرب الجماعات الكردية في شمال العراق في 17 يونيو، وقد هدفت العمليات العسكرية إلى زيادة القواعد التركية في المنطقة الكردية شمال العراق، وإلى محاولة عزل حزب العمال الكردستاني عن الحدود الإيرانية.

في جانب موازٍ، من الواضح أن العلاقة الإيرانية التركية تؤطرها العلاقة مع روسيا، التي تناور ما بين البلدين. هي مناورة تأتي وفق ضرورات المرحلة الشرق أوسطية المفعمة بالتصدعات، وفي ذات الوقت، تقوم روسيا بتقييد التحركات التركية في عديد الملفات، بما لا يؤثر على نسق التحالفات بين موسكو وأنقرة وطهران. وتعد سوريا أهم الملفات المشتركة بين الدول الثلاث، ويخضع هذا الملف للتنسيق الدائم فيا بينهم، فتركيا وروسيا على جانبين مختلفين في سوريا، مع ذلك اشترت تركيا نظام الدفاع الجوي الروسي S-400، كما تقوم تركيا وروسيا بدوريات مشتركة في سوريا، ويختلف موقفهما من الدولة السورية. وهكذا تلعب تركيا دوراً مزدوجاً في سوريا، لكنها أيضاً تجد القواسم المشتركة مع إيران وروسيا في ساحات أخرى.

التنسيق الإيراني التركي لا تقتصر مجالاته في الملفين السوري والليبي، بل أيضاً اليمن الذي يأخذ هامشاً كبيراً لمجالات التفاهم بين البلدين، حيث أشار وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في وقت سابق إلى وجود وجهات نظر مشتركة مع الجانب التركي حول سبل إنهاء الأزمة في ليبيا واليمن. حديث ظريف عن اليمن في ظل التوجه الإيراني المنفتح على تركيا، يشير إلى رغبة تركية - إيرانية في التنسيق ضد التحالف العربي في اليمن، والذي تقوده المملكة العربية السعودية وسبق وأيدته تركيا، لكن في ظل سعي تركيا للاستفادة من كل أزمات الإقليم، يبدو أنها تسعى إلى زيادة نفوذها في اليمن، وخصوصاً في الأجزاء الجنوبية من خلال دعم حزب الإصلاح، والمعروف باسم الفرع اليمني للإخوان المسلمين، أو الحرص على الحضور في الطرق الجنوبية للبحر الأحمر وطرق إمدادات النفط، فتركيا حريصة على وجودها العسكري في الصومال منذ 2014، كما عملت على عقد اتفاق مع السودان يمكّنها من استعادة ميناء سواكن.

وبصرف النظر عن التفاهمات السياسية بين أنقرة وطهران في جُملة الملفات الشرق أوسطية، إلا أنّ الجانب الاقتصادي يعد من أهم محددات العلاقة بين البلدين، للحفاظ على علاقتهما، فحاجات الطاقة التركية وموارد النفط والغاز الطبيعي الهائلة في إيران كانت محركاً مهماً، وإيران هي ثاني أكبر مورد للغاز الطبيعي لتركيا بعد روسيا. كما أن طهران مصدر مهم للنفط الخام، ولكن تسببت العقوبات الأميركية في خفض حجم التجارة الثنائية بين تركيا وإيران من حوالي 10.7 مليار دولار في عام 2017 إلى 5.6 مليار دولار فقط في عام 2019، وهو ما يمثل خفضاً بنسبة 50 في المئة وفق أحد التقارير.

في المحصلة، إن التقارب للمصالح الجيوسياسية والأمنية بين إيران وتركيا، وتقرّب إيران بالأخص منها، يأتي بفعل ما تعانيه إيران من الضغوط الاقتصادية المتزايدة بسبب حملة "الضغوط القصوى" من إدارة ترامب، ومن ثم تسعى إيران إلى تأمين التبادل التجاري مع تركيا، وتخفيف عزلتها الإقليمية من جهة ثانية، فعلى رغم ما قد يتشاركونه من مصالح اقتصادية وأمنية محددة، لكن بذات التوقيت فإن مصالحهم قد تتعارض في ساحات عدة في الشرق الأوسط.