إيمانويل ماكرون.. هل يحمل التغيير إلى لبنان برعاية أمريكية

02.09.2020

بعد انفجار مرفأ بيروت بادرت العديد من الدول العربية والغربية بالتعبير عن تضامنها وتقديم التعازي والوعد بدعم بيروت، لكن اللافت عقب الانفجار، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرر أن يسبق الجميع بزيارة "بيروت المنكوبة"، وخلال أيام سيعود ماكرون إلى لبنان، وفي جُعبته مطالب قديمة جديدة تتعلق بالتغيير السياسي الجذري في لبنان، في ظل حالة التجاذب السياسية بين مختلف الأطراف اللبنانية، لكن قبيل الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي، برز مُتغير وحيد يتمحور حول تحديد رئيس الجمهورية ميشال عون صباح الاثنين القادم موعداً للاستشارات الملزمة، التي سيجريها مع الكتل النيابية لتكليف رئيس حكومة جديد، في خطوة قال الزعيم الدرزي وليد جنبلاط إن الدعوة إليها جاءت “حياء” قبل ساعات من وصول ماكرون.

وربطاً بموقف جنبلاط والكثير من السياسيين اللبنانيين الذي تماهوا مع موقف جنبلاط، يبقى المشهد السياسي في لبنان دون تبدلات جوهرية، إذ لم تدفع أيّ من القوى السياسية تنازلات تؤسس لمرحلة ما بعد الكارثة، وكموقف استباقي وربما يأتي في سياق التقديرات المتوقعة حيال الأزمة السياسية في لبنان، طالبت في وقت سابق النائبة في مجلس الشيوخ الفرنسي نتالي غوليه، بضرورة رفع درجات الرقابة على المساعدات الفرنسية والأوروبية، سواء الممنوحة أو التي ستمنح للبنان، إثر انفجار مرفأ بيروت، وقالت النائبة غوليه أن لبنان يحتاج اليوم إلى خطة من نوع مشروع مارشال (المشروع الاقتصادي لإعادة تعمير أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية الذي وضعه الجنرال جورج مارشال)، تهدف أولاً إلى عملية عاجلة لإسكان آلاف الأشخاص الذين فقدوا كل شيء، ثم تركيز التبرعات وإدارتها وفقًا لخارطة طريق متفق عليها مع سكان بيروت، ومع السلطات اللبنانية بطريقة شفافة، مع وجود مشرفين أجانب.

قد يكون ما طالبت به النائبة الفرنسية بمثابة مشروع مُتفق عليه دولياً، إلا أن الوقائع اللبنانية بإطارها السياسي، تُحتم علينا مقاربة هذا الواقع من عدة زوايا، يُمكن إيجازها بمعطيات ثلاث:

أولاً- رغم مرور أكثر من ثلاثة أسابيع، لا يزال لبنان يلملم جراحه جراء الانفجار الذي أوقع 188 قتيلاً وتسبّب بإصابة أكثر من 6500 آخرين وألحق أضراراً جسيمة بعدد من أحياء العاصمة. إلا أن الإطار العام للمشهد السياسي في لبنان بقي كما هو، ما يعني أن ماكرون سيصطدم بالواقع السياسي الذي لم يُحقق أي تقدم على مستوى التوافقات، الأمر الذي يرفع من مستوى المجازفة السياسية لبلد أرهقه الفساد.

ثانياً- الرئاسة الفرنسية حددت هدف الزيارة بـ "ممارسة الضغط حتى تتوفّر الشروط لتشكيل حكومة بمهمة محددة قادرة على الاضطلاع بإعادة الإعمار والاصلاح" ، مع ضمانات من قبل باريس لجهة التزام المجتمع الدولي باستمرار تقديم الدعم بُغية تمكين لبنان من تجاوز كارثة الانفجار وتداعييها الاقتصادية، وضمن ذلك، لم يتم حتى الآن التوافق على أسم رئيس الوزراء المقبل في لبنان، وسط حالة من الخدر السياسي المؤطر بتنوع الأجندات والأهداف والنوايا.

ثالثاً- ماكرون قال في وقت سابق أن لا مساعدات مالية وضمانات أوروبية دون إصلاحات سياسية، والواضح أن سياسي لبنان لا زالوا حتى الآن في نفق المصالح الضيقة، وربطاً بهذا المُعطى، فقد أوضح مصدر دبلوماسي في بيروت لفرانس برس أن "هناك مساعي حالياً لتسمية رئيس مكلف قبل زيارة الرئيس الفرنسي، لكن هذا لا يعني أنّ تشكيل الحكومة سيحصل بسهولة، ولا يعني توجّه لبنان الى تكليف رئيس جديد للحكومة خلفاً لحسان دياب الذي استقال على وقع غضب الشارع عقب الانفجار، أن ولادة الحكومة بات قاب قوسين. وغالبا ما تستغرق هذه المهمة أسابيع عدة أو حتى أشهر، بسبب الانقسامات السياسية والشروط والشروط المضادة.

ضمن ما سبق من معطيات، جدير بالذكر أن إيمانويل ماكرون استبق زيارته إلى لبنان بالتحذير من نشوب حرب أهلية في بلد الأرز، وقال من باريس "إذا تخلينا عن لبنان في المنطقة وإذا تركناه بطريقة ما في أيدي قوى إقليمية فاسدة، فستندلع حرب أهلية"، وسيؤدي ذلك إلى "تقويض الهوية اللبنانية".

وأشار ماكرون إلى "القيود التي يفرضها النظام الطائفي" التي إذا ما أضيفت - لكي نتحدث بتحفظ - إلى المصالح ذات الصلة"، أدت إلى وضع يكاد لا يوجد فيه أي تجديد سياسي، وحيث يكاد يكون هناك استحالة لإجراء إصلاحات، وعلى نهج المطالبة دون التدخل، أشار إلى الإصلاحات التي يتعين تنفيذها: تمرير قانون مكافحة الفساد، وإصلاح العقود العامة، وإصلاح قطاع الطاقة والنظام المصرفي.

في المحصلة، يُمكننا القول بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكورن سيصل إلى لبنان، وسط جواء سياسية مُفعمة بالضبابية، هذه الأجواء الملبدة بحجم التناقضات السياسية، ستفرض تأثيراً واضحاً على زيارة ماكرون، ولعل الأطروحات الاستعمارية التي حددها ماكرون في زيارته إلى لبنان عقب الانفجار، ستذهب في غياهب العلاقة اللبنانية الفرنسية، فالشروط الفرنسية من الواضح أنها لن ولم تجد أرضية صُلبة للبناء عليها حيال واقع سياسي جديد في لبنان، فضلاً عن التحديات التي تُطل برأسها عبر تركيا صاحبة المشروع الأخر في لبنان، كل هذا يضعنا أمام مشهد ظاهره توافقي، لكن في الباطن هناك جُملة من التحديات التي تُهدد لبنان، فهل ستكون الزيارة الفرنسية بما لها وعليها بمثابة الدخان الأبيض الذي يشي بتوافقات سياسية داخلية؟.