أوزبكستان وسيناريوهات ما بعد كريموف

30.08.2016
إطلاق التوقعات حول مصير الرئيس في ظل هذا التشخيص أمر صعب للغاية، إلا أنه حان الوقت لنسمي الأشياء بأسمائها: عصر أوزبكستان كريموف يقترب من نهايته.

بدا خبر مرض إسلام كريموف متوقعا، ففي نهاية المطاف، يبلغ رئيس جمهورية أوزبكستان من العمر 78 عاما. الإعلان الرسمي الأوزبكي يوم الأحد عن مرض الزعيم، لأول مرة خلال حكم كريموف للبلاد منذ عام 1989، في حد ذاته يتحدث عن خطورة الوضع. ويوم الاثنين، 29 أغسطس/آب، أكدت الابنة الصغرى للرئيس، لولا كريموفا تيليايفا، أن والدها تعرض لنزيف في الدماغ، وهو في العناية المركزة.

المسؤولية أمام الدولة
الشائعات حول الجلطة الدماغية التي ظهرت قبل يومين، كانت صحيحة. وهذا الأمر مهم بالنظر لمسألة السرية المطلقة للمجتمع الأوزبكي، حيث لا توجد وسائل إعلام مستقلة منذ سنوات عديدة.

إطلاق التوقعات حول مصير الرئيس في ظل هذا التشخيص أمر صعب للغاية، إلا أنه حان الوقت لنسمي الأشياء بأسمائها: عصر أوزبكستان كريموف يقترب من نهايته.

من الصعب وصف أنشطة كريموف بأنها دائما واضحة وذات اتجاه واحد. فمن ناحية، هو اتبع سياسة خارجية مستقلة، ولم يصبح مواليا لأميركا أو دمية لها، حتى أنه تمكن من طرد القاعدة العسكرية الأمريكية من أراضي بلاده. وفي الوقت نفسه، فضل كريموف البقاء خارج عمليات التكامل مع جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق: إذ انسحبت أوزبكستان من منظمة معاهدة الأمن الجماعي ولم تنضم إلى  الإتحاد الإقتصادي الأوراسي.

وفي السياسة الداخلية، حاول كريموف استخدام الروافع الاقتصادية الفعالة، وحققت بلاده تقدما جيدا في السنوات الأخيرة. وفي الوقت نفسه لا تزال أوزبكستان بلدا فقيرا إلى حد ما، حيث يوجد عدد كبير من الناس المجبرين على ترك عائلاتهم والذهاب للعمل في الخارج. تم بناء النظام السياسي ليقمع بشدة أي محاولات لزعزعة استقرار الوضع، ولكن في نفس الوقت لا توجد لدى المواطنين أي فرصة للتعبير عن آرائهم بحرية.

بالنسبة لروسيا، الإنجاز الاساسي لكريموف، يكمن في أن أوزبكستان ظلت دولة صديقة. وحتى في العام 1991، نظم كريموف حملة لحث مواطنيه على التصويت في استفتاء من أجل الحفاظ على الاتحاد السوفياتي.

اليوم، المشكلة الرئيسية للبلاد، هي عملية نقل السلطة. ومن غير المعروف إلى متى سيبقى كريموف رئيسا للدولة. ولكن من الواضح أنه بالنظر إلى عمره وللمرض الخطير الذي يعانيه، أصبحت مسألة بقائه في منصبه مسألة وقت.

من غير المرجح أن تتم عملية نقل السلطة بالشكل التقليدي على طريقة الديمقراطيات الغربية. كريموف في جميع الانتخابات حصل على حوالي 90٪ من الأصوات، والأحزاب السياسية الأخرى ليس لديها أي نفوذ في البلاد. كما لا توجد أي مناقشات بين ممثلي التيارات الأيديولوجية المختلفة. على الساحة الأوزبكية، يظهر أنصار الحكومة القوية، والإسلاميون المتطرفون، وممثلو هياكل السلطة والجهاز البيروقراطي، والعشائر الإقليمية، ولكن ليس هناك "يسار" أو "يمين" بشكله الكلاسيكي. وهذه العوامل التي تفتقر إليها الساحة السياسية في البلاد، هي الأهم لتنفيذ "ثورة برتقالية" أو انقلاب عسكري.

غير أن آراء الخبراء والمحللين تختلف، إذ يرى الأستاذ في المدرسة العليا للاقتصاد الروسية، غريغوري لوكيانوف أن أوزبكستان في الحالة الراهنة معرضة لخطر كبير، على عكس الدول المجاورة.

وبرأيه، أوزبكستان هي البلد الأكبر بعدد سكانه في آسيا الوسطى. والنظام السياسي والاقتصادي يتواجد تحت رقابة صارمة. ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي، مر الاقتصاد بتغييرات طفيفة في أوزبكستان، وتم الحفاظ فعلا على اقتصاد مخطط مع أولوية قوية للدولة. ومن يسيطر على الدولة، يسيطر تقريبا على جميع جوانب العلاقات العامة والسياسية. في عهد إسلام كريموف تم إنشاء هرم سلطة يتبعه مباشرة في شكل عمودي صارم، فعلى الرئيس تعتمد قرارات جميع مستويات الحكومة.

غير أن هذا الأمر، يسهم أيضا في استقرار النظام. فخلال سنوات حكم كريموف تم إنشاء جهاز مخابرات وهيئات إنفاذ قانون قوية جدا. اليوم هذه الأجهزة الأمنية، هي نخبة الدولة. وقد أثبتت الأجهزة الأمنية قدرتها على اتخاذ قرارات سريعة والتصدي بحزم للتحديات، على سبيل المثال، قمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في أنديجان في العام 2005.

طوال فترة حكمه، لم يتعرض كريموف تقريبا لأي محاولة انقلاب من قبل العشائر أو من محيطه. هذا يشير إلى أنه نجح في إنشاء نظام من الضوابط والتوازنات، يتقاطع عند شخصية الرئيس، ولكنه يعمل بشكل جيد.

وبالنظر إلى تركمانستان، كان هناك الزعيم المطلق صابر مراد نيازوف. وبدا أن النظام يجب أن ينهار بعد وفاته المفاجئة. ولكن النخبة السياسية وجهاز الردع في البلاد، نجحوا في ضمان نقل السلطة إلى أحد رجالهم دون أي حوادث. حدث هذا بسبب السيطرة الكاملة على المعلومات والجيش والحدود. كل هذه العوامل متوفرة الآن في أوزبكستان. هناك نظام الحاكم الواحد الذي يمسك بكل آليات السيطرة وتدفق المعلومات. كما لا توجد في البلد أي منظمات غير حكومية مستقلة، مثل تلك التي ساعدت مرتين "الثورات الملونة" في قيرغيزستان. هذه العوامل المزعزعة للاستقرار في أوزبكستان غير موجودة.

بالطبع، يجب أن نتذكر أن أوزبكستان تتواجد على الحدود مع أفغانستان. هناك خطر زعزعة الاستقرار من قبل منظمات دينية متطرفة. ولكن خلال فترة حكم كريموف تم التعامل مع المتطرفين بنجاح.

اليوم، السؤال الذي يطرح نفسه، هو من سيحل محل كريموف في حال رحيله. على ما يبدو، ستبدأ أو قد بدأت بالفعل النقاشات داخل النظام السياسي. وعلى النخب السياسية أن تصل إلى توافق في الآراء.

بالحديث عن التأثير الخارجي، أيا من الدول المجاورة لا تملك إمكانيات قوية للتأثير على الوضع في أوزبكستان. لذلك عند اختيار الرئيس الجديد، ستلعب النخب الداخلية الدور الأكبر.

زعيم جديد؟ أم صراع لا ينتهي على السلطة؟
في الوقت الحالي، الكلمة الأخيرة في عملية صنع القرار هي دائما لكريموف. تم تشكيل نظام الحكم لفترة طويلة، وتقلبات الكوادر ليست كبيرة جدا. لذلك، يمكننا أن نفترض أنه بعد رحيل كريموف سيتم شغل مكانه دون المساس بالنظام. هذا الأمر قابل للتطبيق في حال تمكن خلف كريموف من الاستمرار في نفس المسار ومنح ضمانات للعشائر، والحفاظ على اقتصاد الظل.
من المهم أيضا، أن أوزبكستان بلد بعدد سكان ضخم، هناك يعيش حوالي نصف سكان آسيا الوسطى. في السنوات الأخيرة، ضعفت قوة العشائر، لأنها ببساطة لا يمكنها إدارة مثل هذا العدد الكبير من الناس. والدولة تمكنت من تطوير مؤسسات بديلة. فلو تمكنت العشائر من الحفاظ على نفوذ شبيه بتأثيرها في أواخر الثمانينات، لما تمكن النظام الحالي من الاحتفاظ بالسلطة.

العشائر مجزأة ومختلطة بشكل مصطنع. في ظل هذه الظروف، أقوى هيكل في البلاد، هو جهاز الدولة. والإستقرار في البلاد يتوقف على ما إذا كان هناك ما يكفي من الحزم والإرادة لدى جهاز الدولة لتحمل المسؤولية.

السياسة الخارجية لأوزبكستان
في حال جرت عملية نقل السلطة بشكل طبيعي، من غيرالمتوقع حدوث أي تحولات كبرى في السياسة الخارجية. وفي حال حصول نوع من التدخل في عملية نقل السلطة، فستحول آلية الضوابط والتوازنات الموجودة في البلاد، دون حدوث تأثير كبير أو ملحوظ.

في بدايات الألفية الجديدة، كان التأثير السائد في المنطقة، هو تأثير روسيا، حينها بدأت أوزبكستان بالانجراف نحو مزيد من التعاون مع الأميركيين. وعندما ازداد نفوذ الولايات المتحدة بشكل كبير، وقامت الثورة في قيرغيزستان، قررت أوزبكستان التخلص من القواعد العسكرية الأميركية وبدأت التركيز أكثر على روسيا.

ليس هناك سبب للاعتقاد بأن النظام سيفشل. يمكن أن نشهد تنقل البلاد من معسكر إلى آخر، للحصول على أقصى فائدة لأنفسهم، ولكسب تأييد الدول الأخرى وتجنب التدخل في الشؤون الداخلية.

ومن جانبه، يرى أحد كبار الباحثين في المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية، أجدار كورتوف، أن لا أحد يستطيع أن ينتبأ بثقة بكيفية تطور الأحداث، مفترضا عدة سيناريوهات لما يمكن أن يحدث.

أولا، أوزبكستان تمتلك نظام سلطة صلب حقا. ولكن مثل هذا النظام لديه عيوبه. ففي ظل تواجد الكثير من السلطة في يد شخص واحد، أثناء مرض هذا الشخص، يمكن للبلاد أن تنحدر إلى حالة من الانقسام والتردد. خاصة وأن البلاد غنية بعوامل الإنفجار، فالوضع الاقتصادي في أوزبكستان، تعيس للغاية، وهي تتخلف في المجالات الاجتماعية والاقتصادية عن روسيا وجارتها كازاخستان، الأمر الذي يدركه المواطنون بألم. حقيقة أن غالبية العمال المهاجرين في روسيا من أوزبكستان، تبرز مدى الحرمان الاجتماعي في هذا البلد.

توجد في البلاد قوى ترغب بالوصول إلى السلطة، من الليبراليين إلى الإسلاميين المتطرفين. خصوصا أن الوضع على الحدود مع أفغانستان معقد. حتى في زمن الاتحاد السوفيتي، حاول المتطرفون التسلل إلى أوزبكستان وفصل وادي فرغانة عن الدولة.

ولكن من غير المنطقي النظر إلى الوضع من وجهة نظر أن كل شيء يجب أن يفشل بالضرورة. فمثال تركمانستان يبشر بنتائج مشجعة. فهناك، أيضا، كان يتم اتخاذ القرارات وراء الأبواب المغلقة، وكانت البلاد مغلقة، بالمعنى التقليدي ليست ديمقراطية. ومع ذلك، لم تنشب هناك حرب أهلية عند وفاة نيازوف المفاجئة. وتم اختيار زعيم جديد من قبل النخب السياسية.

ارتباطات أوزبكستان الدولية
العديد من الدول ترغب بوقوف أوزبكستان إلى جانب معسكر ما. هذه الدول هي الصين وروسيا والولايات المتحدة والعالم الإسلامي. وفي حال تدخل جهة أو دولة ما بنشاط في عملية تعيين رئيس جديد لأوزبكستان، فإن احتمالات مختلفة ستبرز على الساحة.

ولكن في النهاية، أوزبكستان مكبلة بقيود خطيرة على سياستها الخارجية. أولا، البلد ليس لديه أي مخرج إلى البحر والمنتجات الأوزبكية يجب أن تمر ببلدين للوصول إلى أي محيط، مما يجعل المنتجات أكثر تكلفة.

من المسلم به أن أي رئيس قادم، سيحافظ على علاقات جيدة مع روسيا. فالملايين من المواطنين الأوزبك يعملون في روسيا. وهذا يعني أن الضمانات الاجتماعية للمواطنين، لا توفرها أوزبكستان، بل توفرها روسيا. كما أن هناك علاقات تجارية ممتازة ومشاريع مشتركة بين البلدين.

من الواضح أن طشقند تسعى لاتباع سياسة مستقلة تماما، وبالتالي، هي لم تنضم لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي وللإتحاد الإقتصادي الأوراسي. ولكن أي دعم ترغب البلاد بالحصول عليه؟ هل هو دعم الأميركيين، الذين عرضوا بالفعل كيف يمكنهم العمل في أوزبكستان، حين ارتبطت السفارة الأمريكية مباشرة بالتمرد الاسلامي في أنديجان.

الصين من جانبها تدافع بقوة شديدة عن مصالحها الخاصة، وهي ليست على استعداد لتحمل المسؤولية عن كل ما يحدث في أوزبكستان، كما فعل الاتحاد السوفياتي. والعالم الإسلامي لطالما كان مصدرا للتهديدات، وهذا الأمر كان دائما مفهوما من قبل كريموف. على هذه الخلفية، تبقى روسيا الشريك الأكثر جاذبية.