أوسلو و صفقة القرن... التلاقح اليميني الأمريكي الإسرائيلي... مخرجات المواجهة و الحل الوطني

30.07.2019

بنت إدارة ترامب نهجا تفاوضيا مخالفا للإدارات الأمريكية السابقة، والتي كانت تُشرك الإسرائيليين والفلسطينيين في المفاوضات، وتضع الخطوط العريضة، وتترك لطرفي الصراع أن يقرروا ويتفقوا حول التفاصيل، هذا النهج التفاوضي الجديد لإدارة ترامب قائم على ركيزتين أساسيتين:

الأول: السلام "الخارجي" , أي إدارة مفاوضات مع الدول العربية بهدف تطبيع العلاقة مع "إسرائيل"، تحت بند مواجهة “"لمخاطر الإقليمية"، وعلى أمل أن تمارس الدول العربية نفوذها على الفلسطينيين من أجل دفع السلام في الشرق الأوسط.

الثاني: سياسة الإكراه  وإجبار الفلسطينيين على القبول، من خلال     رسم سياسة الأمر الواقع على الأرض: في موضوع القدس، واللاجئين، والمستوطنات، و التهويد و الضم للأراضي الفلسطينية، وإجراءات عقابية: كتخفيض المساعدات، وإغلاق المكاتب الدبلوماسية، و نقل السفارة الأمريكية إلى القدس...الخ.   

هذه "الخطة الترامبية"، والتي بدأت بالتطبيقات العملية وترسيخ "الحقائق السياسية و الميدانية"، قبل الاطلاع عليها، و بالمناسبة لا توجد خطة بمعنى الخطة، و لا بنود مكتوبة على الورق، هناك حقائق ترسم على الأرض، ومن ثم صياغتها وفقا للنتائج الملموسة و سياسة "الأمر الواقع" وعلى ردات الفعل فلسطينيا و إقليميا و دوليا.
سياسة خطيرة وماكرة تبدأ بالتطبيقات الملموسة ومن ثم صياغتها ضمن خطة مرتقبة" للسلام" في المنطقة، ومن ثم القول: هذا هو الواقع الجديد؟! و يجب التعامل معه؟؟!!!.
وللأسف، مع كل خطوة تنفيذية على الأرض، لا تملك السلطة السياسية الرسمية الفلسطينية ولا قيادة غزة السياسية الحمساوية سوى إصدار بيانات الشجب والاستنكار وتوصيف المخاطر السياسية المترتبة على كل خطوة تصفوية للقضية القلسطينية.

ليست هي المرة الأولى التي تدعو فيها الولايات المتحدة إلى مسار اقتصادي، موازٍ للمسار السياسي في طرح رؤيتها لما تسميه حل قضية الشرق الأوسط، وتسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بل يجب التأكيد أن مثل هذه الدعوة تنتسب إلى نهج ثابت، اتبعته الولايات المتحدة في جميع المفاوضات التي جرت بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

فالمسار التفاوضي الذي انطلق من مؤتمر مدريد في 30/10/1991 واستؤنف بمسارات ثنائية في واشنطن على مدار سنتين، بين الدول العربية المحتلة أراضيها(فلسطين - لبنان - سوريا - الأردن)، وبين إسرائيل، على أن يتناول مصير الأراضي العربية الواقعة تحت الاحتلال، انطلق إلى جانبه مسار آخر أطلقت عليه تسمية «المسار متعدد الاطراف»، وكان جدول أعماله مشابهاً لجدول أعمال ورشة البحرين، لا بل تجاوزه شمولاً، حيث تناول جميع القضايا في مداها الإقليمي الأوسع الذي يتجاوز حدود دول الطوق، أي تلك القضايا المتعلقة بالتنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وما يرتبط بها من ملفات، كالبيئة والمياه والأمن والمراقبة على التسلح، وقضايا أخرى، وانطلق هذان المساران في فترة زمنية متقاربة.

هذا ما تحاول أن تستعيده صفقة ترامب - نتنياهو (صفقة القرن) لصياغة التسوية السياسية للصراع في المنطقة، عبر البوابة الاقتصادية، وبالتالي لسنا أمام مسار مستجد، بل أمام مسار يستأنف ما إنقطع قبل عقدين ونيِّف من الزمن، إنما بصيغة جديدة؛ ذلك أنه على خلاف مسارات مفاوضات مدريد – واشنطن السياسية (الثنائية)، فإن المشروع الأميركي الجديد منح الأولوية للمسار الإقتصادي، كمدخل للمسار السياسي.

هناك ثلاثة أهداف أعلنت على لسان جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي، رُشِّحت ورشة البحرين لتحقيقها:

الأول: تحقيق نمو اقتصادي فلسطيني بنسبة 100% على مدار عشر سنوات.
الثاني: توفير فرص عمل لمليون وثلاثمائة ألف فلسطيني خلال عشر سنوات؛ و العمل على تحقيقه،لا يقل صعوبة عن الهدف الأول.
الثالث: تنمية اقتصادية، بحيث تساوي الصادرات الفلسطينية إلى الخارج 40% من الناتج المحلي الإجمالي.

هذه المشاريع، كما هي مرصودة في خطة كوشنر إلى ورشة المنامة، من الصعب جداً أن نجد مستثمراً، جاهزاً للمغامرة بأمواله فيها،لأنه لا يمكن أن يكون هناك استثمار مالي بمعزل عن معرفة وإدراك مستقبل الأراضي الفلسطينية سياسيا و سياديا، وما هو الكيان الذي سينشأ في سياق العملية السياسية؟؟  
وبالتالي ما دامت الخطة تتجاهل موضوع تعريف المستقبل السيادي للكيان السياسي الفلسطيني، وطبيعة هذا الكيان، والذي ستنهض عليه أعمدة النمو الاقتصادي، فإن عوامل الفشل ستبقى غالبة على مخرجات ورشة المنامة، فيما يتصل بالتسوية السياسية على المسار الفلسطيني، (هذا ما تؤكده على أية حال نتائج ورشة المنامة، التي لم تخرج بالتزامات محددة من قبل الدول والبنوك والشركات المشاركة، التي لم تتعهد بتقديم أي شيء يُذكر).

بالمقابل يجب التنبه إلى خطورة ما سوف تؤسس له هذه الورشة في المستقبل، فقد شكلت خطوة إضافية على طريق تطبيع العلاقات العربية – الإسرائيلية. وهذا كان واحداً من الأهداف الرئيسية المتوخاة من الورشة، وقد أجهد الإعلام الإسرائيلي نفسه لإبراز هذه المسألة، من أجل تغطية جوانب الفشل الأخرى.
وحدة الموقف الفلسطيني :

قوبلت ورشة المنامة، كما قوبلت صفقة ترامب، بموقف فلسطيني وطني موحد، جمع بين موقف القيادة الرسمية وفصائل العمل الوطني وعموم الحالة الشعبية. وقدمت الحالة الفلسطينية، في لحظة تاريخية نادرة، في موقف موحد صلب ومتماسك، لعب دوراً في استنهاض الحالة الشعبية العربية.
هذا الموقف، وإن حقق هدفه في نزع الغطاء السياسي الفلسطيني عن الورشة، وأفشل جانباً مهماً منها، سيبقى موقفاً ناقصاً إذا لم ينتقل إلى الأمام بخطوات سياسية وعملية وميدانية، لمواجهة المشروع الأميركي - الإسرائيلي ومخرجات الورشة.

مرتكزات المشروع الأميركي - الإسرائيلي (صفقة القرن) :

الأول: إنكار أي دور لقرارات الشرعية الدولية في الوصول إلى التسوية السياسية، والتأكيد بالمقابل على أن التسوية هي نتاج ومحصلة للأمر الواقع الذي نشأ على إمتداد السنوات الخمسين للإحتلال، كما هو الحال بالنسبة لقضية القدس والجولان السوري المحتل؛ أي الإعتراف بالضم والسيطرة الإسرائيلية على الأرض المحتلة، ومصادرتها لصالح الضم ومشاريع التهويد والإستعمار الاستيطاني.
الثاني: انطلاقاً مما سبق، لا تفترض "الصفقة" عقد مفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، للوصول إلى تسوية، بل تفترض أن وظيفة المفاوضات أن تجترح الآليات لتطبيق ما يسمى بالأمر الواقع، أي أن الهامش المتاح أمام المفاوض الفلسطيني سيكون ضيقاً جداً، وسيتجاوز القضايا الأساسية، وقد يتيح له، في أفضل الأحوال، تحسين بعض الشروط الهامشية.
الثالث: وهو يشكل جديداً في سياسة الإدارة الأميركية للمسألة الفلسطينية، يقوم على أولوية الترتيبات على مستوى الإقليم، أي على المسار الأميركي - الإسرائيلي – الإقليمي العربي، يتم بالتوازي معها، أو ربما بعدها، الانتقال إلى المسار الفلسطيني، استناداً إلى ما ترتب من إنجازات على المسار الإقليمي: من ترتيبات اقتصادية على طريق دمج إسرائيل في المنطقة، وترتيبات أمنية بما ينسجم ويلبي أولويات الإستراتيجية والمصالح الأميركية - الإسرائيلية في الإقليم وفي المنطقة عموماً؛ أي ترسيم العلاقات بين إسرائيل و دول المنطقة.   
الرابع:  أولوية المسار الاقتصادي على المسار السياسي؛ أو إفتتاح المسار السياسي بالمسار الإقتصادي.

المواجهة الفلسطينية ميدانياً وعملياً لصفقة ترامب ومخرجات ورشة البحرين :
إن الإستراتيجية الفلسطينية الجديدة والبديلة للمفاوضات العقيمة في إطار المسار السياسي، و على مدار السنوات السابقة, عنوانها العريض: "الخروج من اتفاقية أوسلو، لصالح استعادة البرنامج الوطني»، وقد رسَّمت دورة المجلس الوطني الآليات و أوضحت القرارات التي من خلالها نستطيع أن نغادر أوسلو، ونعتمد الإستراتيجية الوطنية الفلسطينية الجديدة، وهي:
إعلان انتهاء العمل بالمرحلة الانتقالية، وإنهاء الالتزامات التي ترتبت عليها: لأن احتواء الانعكاسات الخطيرة لتطبيقات صفقة القرن يتطلب بالضرورة العمل على إنهاء الانقسام الداخلي (الجغرافي والإداري والمؤسساتي والسياسي) من خلال التطبيق الميداني لقرارات المجلس الوطني الفلسطيني، واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني وهو متطلب أساسي في المواجهة مع صفقة القرن والعمل على احباطها.

هذا الانقسام الذي تعيشه الحالة السياسية الفلسطينية الرسمية كرس نظاما سياسيا فرديا بصلاحيات مطلقة يدار فيه الحكم بمراسيم لا تخضع للرقابة أو المساءلة أو المراجعة، ما يتطلب دعوة هيئة تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية، للتوافق على إجراءات إنهاء الانقسام, والدعوة لانتخابات شاملة تتجدد فيها كل الشرعيات الفلسطينية، على أساس قانون انتخابي ديمقراطي يعتمد نظام التمثيل النسبي الكامل، لكل الهيئات والمؤسسات القيادية الفلسطينية  في منظمة التحرير الفلسطينية وبما يعزز من موقعها السياسي والتمثيلي.   

إن مواجهة صفقة القرن كإطار للتسوية السياسية و الاقتصادية – فلسطينيا و عربيا - و ليست كاطار للتسوية القانونية لأنها تغرد خارج السرب القانوني للقرارات الدولية، وظيفتها تصفية القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، تتطلب التوافق على استراتيجية وطنية شاملة تستند إلى حالة وطنية فلسطينية متماسكة وآليات ميدانية فعالة، لتصويب العلاقات الائتلافية داخل منظمة التحرير ومؤسساتها، وإعادة بناء هذه العلاقات على قاعدة الديمقراطية التوافقية والشراكة السياسية. 

وعلى القيادة الرسمية الفلسطينية  مغادرة السياسة الانتظارية وسياسة المماطلة والتسويف وتعطيل قرارات الاجماع الوطني والشروع دون تردد بخطوات فك الارتباط مع سلطات الاحتلال و التحرر من قيود اتفاق أوسلو، ردا فلسطينيا متناسبا مع جرائم الاحتلال الاستيطانية والتهويدية للأراضي الفلسطينية، و الصفقات الأمريكية المشبوهة، وهذا لن يكون إلا بتنفيذ قرارات المجلس الوطني الفلسطيني و تحديد العلاقة مع "إسرائيل"، باعتبارها دولة معادية تحتل أراضي دولة فلسطين إلى جانب استنهاض المقاومة الشعبية بجميع أشكالها، وتطويرها لانتفاضة شاملة، على طريق التحول إلى عصيان وطني شامل, يدفع المجتمع الدولي إلى التدخل لإلزام دولة الاحتلال الاسرائيلي على احترام قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية. 

نحن أحوج ما نكون الى استراتيجية وطنية لمواجهة خطر الاستيطان الاسرائيلي، الذي بات يشكل تهديدا وجوديا للشعب الفلسطيني كجزء من سياسة الاشتباك مع صفقة القرن الأمريكية، والدخول في حوار وطني شامل لطي صفحة الانقسام ومتطلبات فك الارتباط بدولة "الاحتلال الاسرائيلي ومتطلبات تدويل الحقوق والقضية الوطنية الفلسطينية وخوض معاركها في المحافل الدولية.
إن سياسة التغويل الأمريكي- الاسرائيلي و التلويح بسياسات التهميش و التصفية للقضية الفلسطينية تستند على: 
1- استمرار حالة الانقسام الفلسطيني الرسمي و ليس الشعبي و تعطيل تنفيذ قرارات الإجماع الوطني الفلسطيني(الوطني و المركزي).
2-النكوص لبعض الدول العربية و خاصة الخليجية منها على اعتبار القضية الفلسطينية جوهر الصراع العربي-الاسرائيلي, واتباع سياسة "التطبيع" مع كيان "الاحتلال الإسرائيلي" أحد مرتكزات صفقة القرن الأمريكية. 
  في ذات السياق فإن الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية تقوم على ما يلي: 
• تنفيذ قرارات و توصيات المجلس الوطني الفلسطيني في الميدان.
• دعم كل أشكال المقاومة الشعبية و تصعيدها إلى انتفاضة عارمة في غزة و الضفة والقدس.
• تدويل القضية الفلسطينية و حقوق الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية للأمم المتحدة و بثلاث مشاريع قرارات:
 دعوة الامم المتحدة الى عقد مؤتمر دولي للسلام بمرجعية القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
 رفع عضوية دولة فلسطين من مراقبة الى عاملة في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
 توفير الحماية الدولية لأرض و شعب دولة فلسطين ضد جرائم الاحتلال الاسرائيلي.

إن صراع المصالح الفئوية السلطوية على النفوذ و المال في النظام السياسي الرسمي الفلسطيني و تدخلات المحاور الاقليمية والتدخلات الأمريكية- الإسرائيلية، شكلت العوامل الثلاث التي عطلت قرارات الإجماع الوطني الفلسطيني، والحل يكمن في العمل على رسم الخارطة السياسية في الحالة الفلسطينية من جديد, و وضع حدا للاستفراد و الهيمنة و التفرد بالقرار السياسي، من خلال تجديد الشرعيات الفلسطينية و بانتخابات ديمقراطية وفق التمثيل النسبي الكامل. 

لأن الخلل الاساسي في الحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة التحرر الوطني هو في الانقلاب السياسي للقيادة الرسمية على البرنامج الوطني لصالح برنامج أوسلو، والحل في العودة عن مسار أوسلو و كل التزاماته لصالح البرنامج الائتلافي الوطني و التزاماته البديلة في هذه المرحلة.

ولا جدوى من مواجهة "صفقة ترامب" سياسيا و ميدانيا في ظل غياب تنفيذ قرارات مؤسسات منظمة التحرير في الميدان و تدويل القضية و الحقوق الوطنية.
وأمام هذا التمادي و الغطرسة في التعاون المشترك الأمريكي الإسرائيلي، يكون لزاماً على العرب أن يقفوا موحدين، وأن يباشروا بتنفيذ القرارات الصادرة عن القمم العربية، وأن لا يقفوا موقف الحياد أمام تلك المخططات العدوانية، لأن الحصار أطبق من كل الجهات على الشعب الفلسطيني، والهدف واضح وهو انتزاع موقفاً يتماشى وتلك الخطط و الصفقات المشبوهة، وعلى العرب أن يكونوا شبكة أمان حقيقية، سياسية و دبلوماسية و مالية دعما للقضية الفلسطينية, جوهر الصراع العربي- الاسرائيلي .