توجه ألمانيا: العقوبات على القرم ستصبح شكليةً قريباً

18.08.2017

تشير التصريحات الأخيرة التي أدلى بها السياسيون الألمان ورغبة الأغلبية الساحقة من الألمان في إقامة علاقات طيبة مع روسيا، بوضوح إلى حقيقة جديدة وهي أن العقوبات ضد روسيا "على شبه جزيرة القرم" سوف تصبح شكليةً قريباً وخاصة في ظل ظروف الحرب التجارية المقبلة مع الولايات المتحدة وعمل واشنطن على انهيار الاتحاد الأوروبي. 
وتشير أحدث التصريحات التي أدلى بها السياسيون الألمان إلى أن  العقوبات المفروضة على روسيا ستصبح شكليةً من أجل إعادة توحيد شبه جزيرة القرم.، ومن الواضح أن ألمانيا لم تشك أبداً في من يملك شبه جزيرة القرم.
وبسبب "التضامن عبر الأطلسي" السيئ السمعة، و الذي تقوضه الولايات المتحدة نفسها، يضطر الألمان إلى المشاركة - أو التظاهر بالمشاركة - في العقوبات المناهضة لروسيا. ومن الأمثلة على ذلك قصة حديثة لم يتم توضيحها بشكل كامل تتعلق بتوربينات سيمنز(التوربينات هي نوع من المحركات التي تعمل على الغاز) الألمانية في شبه جزيرة القرم. حيث أحدث الأمريكيون الكثير من الضوضاء حول هذا الأمر إلا أن عواقبه لم تكن كبيره. وقد تم إيقاف محركات سيمنز الألمانية لتجنب الانتقام الأمريكي، ولكن السؤال الأهم هو: هل سيفعل الألمان ذلك في المرة المقبلة أم لا ؟. و لماذا يعملون بجد لإرضاء الشريك الذي يهمل ألمانيا ويعتبرها منافسه التجاري والاقتصادي، تماماً كما هو الحال بالنسبة للصين؟

اثنتان من المقابلات الهامة لسيغمار غابرييل:

وفي مقابلة مع صحيفة كولنر شتات أنتسايجر الألمانية ، اشتكى وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل من خطاب دونالد ترامب "العدواني بشكل غير معقول"، وأن الرئيس الجديد جعل العالم "أرضا تنافسية" للولايات المتحدة، حيث تحدث "أقوى الانتصارات".
وقال غابرييل:  "إن العالم بأسره يشعر بالصدمة بسبب عدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الأمريكية". وبعد ذلك تحدث وزير خارجية جمهورية ألمانيا الاتحادية عن موضوع مؤلم وطلب  "إنهاء النقاش" عن شبه جزيرة القرم وركز على "كيفية التوصل إلى هدنة في شرق أوكرانيا". وقد كان غابرييل يعني دونباس بكلامه لأنها قامت بكسر جميع أنواع العلاقات مع كييف.
وهكذا، تعترف برلين بأنه لا فائدة من جعل العلاقات مع روسيا تسوء أكثر من ذلك بسبب شبه جزيرة القرم أو دونباس حيث اندلع الصراع بسبب تصرفات الدول الغربية نفسها، بما في ذلك ألمانيا التي دعمت الانقلاب على الدولة الروسية في كييف.

ونشرت صحيفة ألمانية أخرى (صحيفة رينيش بوست)  مقالاً يتحدث عن مطالبة غابرييل بوقف استخدام أساليب التخويف في العلاقات مع روسيا لأن ذلك "سيسبب تصعيدا".
وقال الوزير الألمانى "إننا لا نستطيع أن نراقب  الأمن الأوربى وهو يتحول الى كومة من أنقاض المعاهدات المخترقة و المكسورة والتى عفا عليها الزمن، إننا بحاجة  إلى جهود مشتركة للسيطرة على التسلح، وهذا الأمر سيفيد كلا من أوروبا وروسيا على حد سواء". ووفقا لغابرييل يمكننا أن نفهم أنه وبعد كل شيء "فالصراعات العسكرية في القرن ال 21 تقترب من ألمانيا".
ووفقا لرأي وزير خارجية ألمانيا، وهو أيضا عضو في الحزب الديمقراطي الاجتماعي، فإن أوروبا والعالم يواجهان الآن أخطر التحديات. ومن الضروري العودة الى تحديد شامل للأسلحة التقليدية وإنقاذ معاهدة القضاء على القذائف المتوسطة المدى والقصيرة المدى التي وقعها ريغان و غورباتشوف وعدم وقف الحوار بشأن الاستقرار الاستراتيجي " حفظ الهيكل القائم لتحديد الأسلحة "، من أجل تمديد معاهدة ستارت الثالثة بين موسكو وواشنطن، و التي ستنتهي في عام 2021.
وبالتالي نرى أن مفهوم السياسة الخارجية برمته هو: القيام بالأعمال التجارية التي يعتمد عليها العالم كله، دون الإنصراف بالتفكير إلى مشاكل بعيدة المنال تؤدي إلى طريق مسدود.

غابرييل ينتقد ولكنه يكرر كلمات ليندنر:

ومن المثير للاهتمام أن هذا هو البيان الثاني حول الموضوع الذي أدلى به السياسي الألماني خلال الأسبوع الماضي. وكان زعيم الحزب الديموقراطي الحر (كريستيان ليندنر) هو أول من دعا إلى "تجميد" مشكلة شبه جزيرة القرم. وانتقد غابرييل في حديثه الليبرالي الرئيسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية لأنه أراد أن يظهر على صفحات الصحف الألمانية ويكسب  الناخبين الذين يطالبون بعلاقات طيبة مع روسيا قبل انتخابات البوندستاغ  في أيلول/ سبتمبر (البوندستاغ هو هيئة دستورية وتشريعية على المستوى الاتحادي في ألمانيا. وكثيرا ما توصف وظيفته بأنها مماثلة لمجلس النواب في البرلمان). على الرغم من أن كلاهما قال نفس الكلام في الواقع.
وفي مقابلة مع صحيفة ألمانيا الغربية، قال ليندنر ما يفكر فيه جميع الألمان: "السلامة والرفاهية في أوروبا تعتمد على العلاقات مع موسكو"، و لذلك فإن الصراع حول شبه جزيرة القرم يحتاج إلى التوقف  "لفترة غير محددة" لتطوير العلاقات مع روسيا.
ووفقا لرئيس الحزب الديمقراطي الحر، يمكنك الحديث عن "ضم القرم والإيماءات الأخرى للكرملين"، ولكن من المستحيل أن نرى أن حل أي قضية أخرى يجب أن يعتمد على تسوية مشكلة القرم، وإلا فلن يكون هناك تقدم فى العلاقات مع روسيا. وقد توصل ليندنر إلى نفس النتيجة بعد ذلك بأسبوع.
وقال غابرييل: "من المستحيل حاليا حل مشكلة شبه جزيرة القرم بل يجب تجميد هذا الصراع".

أعلن غابرييل و ليندنر رأي المؤسسة الألمانية والمسار على وشك التغيير:

إن كلا السياسيين (غابرييل و ليندنر)  ينتميان إلى أعلى الطبقة الحاكمة الألمانية، و هي لسان حال لآرائها ومشاعرها. وبالمناسبة يمتلك ليندنر فرصاً جيدة ليصبح وزير خارجية جديداً في مجلس الوزراء في الائتلاف المقبل، حيث أن الديمقراطيين المسيحيين الذين يطالبون بالفوز في الانتخابات  يفضلون دائما الديمقراطيين الأحرار كشركاء في التحالف بدلا من الديمقراطيين الاجتماعيين . وكما كان متوقعا، فإن الحزب الديمقراطي الحر سيظهر نتيجة جيدة في الانتخابات، وسوف يكون ليندنر قادراً على أن يصبح هذا الشريك.

إننا نرى الآن توافقاَ في الآراء  على الأقل فيما يتعلق بمنطقة القرم. وهذا يعني أن "العقوبات على شبه جزيرة القرم" يمكن أن تظل سارية المفعول ما دامت أوروبا تعتقد أن إلغاءها سيجعلها تفقد ماء وجهها. ومع ذلك، فإن هذه العقوبات سوف تفقد معناها قريبا جدا. وهذا هو خيار ألمانيا، وسوف تتبعها غالبية الدول الأوروبية الأخرى قريبا.