تسليح التاريخ والصحافة

30.08.2017

تعتبر الحقائق التي تشكل عنصر هام من الحقيقة في الولايات المتحدة الأمريكية، أمر غير هام. ليست مهمة في وسائل الإعلام، السياسة، الجامعات، التفسيرات التاريخية أو قاعة المحكمة. إن التفسيرات غير الواقعية لانهيار المباني الثلاث لمركز التجارة العالمي تقدم توضيحاً رسمياً. تم تسييس الحقائق واستخدامها كسلاح وببساطة تجاهلها. كما بين ديفيد ايرفينغ فإن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية في معظمه تاريخ جيد، كما هو الحال مع تاريخ الحرب الأهلية كما أظهرها توماس ديلورنزو وآخرون. 

بالنسبة لي ككاتب فان كتابة الحقيقة ليست وسيلة للنجاح. نسبة صغيرة فقط من القراء يهتمون بالحقيقة. معظمهم يريدون الانحياز أو غسل دماغهم. إنهم يريدون قراءة ما يؤمنوا به بالفعل. إنها مريحة ومطمئنة. وعندما يواجه جهلهم يغضبون. فالطريق لتكون كاتب ناجح هو اختيار مجموعة من الناس ومنحهم ما يريدون. وهناك دائما سوق للروايات الرومانسية والتاريخية التي تدعم أساطير البلاد. المواقع الناجحة على شبكة الانترنت هي المواقع التي تدعم أيديولوجية واحدة أو أخرى، لمشاعر واحدة او أخرى ولمجموعة واحدة أو أخرى. القاعدة الوحيدة هي أن تجعل الحقيقة تقتصر على ما يؤمن به مجموعة القراء التي تخدمهم.

ضع في اعتبارك عندما تتلقى قريباً طلبي الفصلي لشهر أيلول من أجل دعمك لهذا الموقع، أن هذا الموقع لا يمثل مجموعة ذات اهتمام معين، أو أي أيديولوجية معينة أو مجموعة كراهية أو مجموعة عرقية أو أي شيء الا الحقيقة.

وقد قال كارل ماركس أن هناك فقط الحقائق الطبقية. اليوم لدينا مجموعة كبيرة ومتنوعة من الحقائق: حقائق بما يتعلق بالمساواة وحقائق للسود والمسلمين والمثليين والمتحولين جنسياً. وحقائق مجتمع السياسة الخارجية التي تخدم المجمع الأمني والعسكري، وحقائق عن ال 1% التي تحكم الاقتصاد العالمي والاقتصاديين الذين يخدمونهم، حقائق عن " المؤمنين بسيادة البيض" هو بحد ذاته مصطلح الحقيقة لخصومهم. يمكنك أن تضيف الى القائمة أن الحقيقة في هذه الحقائق أن تخدم نفسها من خلال المجموعة التي تعبر عنها. ان علاقتهم الفعلية بالحقيقة ليست نتيجة لأولئك الذين يتبنون الحقائق.

ويل لك إذا لم تقف جنبا لجنب مع الحقيقة بالنسبة لشخص أو مجموعة ما. لم يكن حتى صانع الأفلام الشهير أوليفر ستون محصناً، مؤخراً أعرب ستون عن خيبة أمله من " حرب العلم الزائفة ضد روسيا". لا شك أن ستون محبط مع هذه التهديدات والاتهامات من وسائل الاعلام الجاهلة تماما، يتحدث رداً عن فيلمه الوثائقي (بوتين) الذي يعتمد على ساعات عديدة من المقابلات على مدى عامين. ستون تعرض للانتقادات لأنه بدلاً من تشويه صورة بوتين وروسيا أظهر لنا لمحات من الحقيقة.

ونشرت منظمة " محترفي الذكاء المخضرمين للاستقامة" تقريراً دحض تماما الاتهامات الكاذبة حول ترامب واختراق روسيا للانتخابات الرئاسية الأمريكية. ونشرت صحيفة "الأمة " مقالاً موضوعياً عن التقرير هاجم فيه الكتاب والمشاركون والقراء لنشر المعلومات التي تضعف القضية والتي فيها الليبرالية\ التقدمية\ اليسارية بالتزامن مع المجتمع الأمني والعسكري تنسق ضد ترامب. ورأى جمهور المجلة أن المجلة كانت ملزمة بعدم قول الحقيقة ويذكر أن المحرر يدرس ما إذا كان ينبغي الغاء المقال.

وهنا لدينا اليساري أوليفر ستون والمجلة اليسارية " الأمة" تحت النار لجعل المعلومات متاحة وهي خارج حقيقة خدمة الذات التي تلتزم بها الليبرالية \ التقدمية \ اليسارية وحلفائهم مجمع الجيش والأمن.

وعندما يكون بلد ما بدون حقائق الا الحقائق الخاصة بكل مجموعة. فان البلد بذلك سيكون منقسم جدا وسيؤدي الى نهايته. "منزل مقسم ضد نفسه لا يمكن أن يقف". القادة البيض الليبراليين \ التقدميين \ اليساريين لديهم القليل من الانقسام إن وجد. الآن أصبحت الكراهية مركزة على " اليمين المتطرف" الذي أصبح " قوميين بيض" والذي أصبح " متطرفين بيض"، وقد تجسد هؤلاء المتطرفون البيض بتماثيل الجنود والجنرالات المواليين. إذا لم تقم الحكومة المحلية في الجنوب بإزالة هذه التماثيل ستقوم العصابات بتدميرها.

ماذا يحدث عندما تختفي جميع الآثار؟ أين تتحول الكراهية بعد ذلك؟ عندما يتم تعليم غير البيض على كره البيض فلن يبقى أحد بأمان. كيف يستطيع هؤلاء الذين يعلمون الكراهية التمييز بين الأبيض الجيد والسيء؟ لن يستطيعوا ابداً. وبحكم تعريفها حسب سياسة الهوية فإن الذكور البيض المحبين للجنس الآخر هم جناة والجميع ضحاياهم. إن سخف هذا الموضوع واضح، فالرجال البيض المتغايرون هم الوحيدون الذين لا يتمتعون بالحصص. هم وحدهم الأقل فرصة في القبول الجامعي والتوظيف والترقية. ويمكن أن يطلق النار عليهم لمجرد استخدامهم كلمات جنسية أو عرقية محددة بسبب إهانة أعضاء المجموعة المفضلين عن غير قصد باستخدام كلمة لم تعد مسموحة.

في الأونة الأخيرة قال لي أستاذ في إدارة الأعمال من جامعة كبرى أنه استخدم كلمة " الفتيات" في مناقشة التسويق. وقد تعرضت الشابات للإهانة. وكانت النتيجة أنه تم فصله من العميد. وقال لي أستاذ آخر أن هناك عدد متزايد من الكلمات المدرجة في القائمة السوداء. ببساطة الأساتذة يحاولون البقاء وتجنب الكلمات التي تؤدي الى فصلهم. وأخبرني أن السلطة هي مكان آخر من الرجال البيض والطبقة الجانية الحقيقية.

أدرك المعلقون لسنوات عديدة أن حرية التعبير في الولايات المتحدة قد تقلصت. أي خطاب الى أي شخص عدا رجل أبيض يمكن أن يحد من العقاب. كتب في الأونة الأخيرة جون وايتهيد المحامي الدستوري الذي يرأس معهد رذرفورد، أنه من الخطورة الآن فقط الدفاع عن حرية التعبير. والاشارة الى التعديل الأول كافية لإظهار العنف والتهديد به. ويشير رون أونز الى أن أي موقع يمكن أن يكون مخادعا ليكون مثيراً للجدل ويمكن أن تجد هذه المواقع نفسها قد اختفت من قبل شبكات الانترنت. ببساطة انها حرية التعبير عن طريق قطع الخدمة.

لابد أنه من الصعب شرح بعض المواضيع، مثل الحرب الأهلية. فمثلاً، كيف يمكن شرح الوقائع الحقيقية؟ فعلى سبيل المثال: قبل غزو الاتحاد للشمال والجنوب، كان الصراع السياسي فوق التعريف وليس فوق العبودية.

إن المعركة التي انطلقت من الدول التي جعلت من الأقاليم الهندية السابقة عبيدا، كانت معركة للحفاظ على توازن الحزب الحاكم في الشمال مقابل التجارة الحرة في الجنوب، وان الشمال الصناعي الناشئ لا يمكن له فرض نظام للتعرفة الجمركية. قبل يومين من خطاب لينكولن الافتتاحي، تم توقيع تعرفة صارمة في القانون. في نفس اليوم وفي محاولة لقبول الجنوب للتعرفة والبقاء او العودة الى الاتحاد، بعض الولايات انفصلت وبعضها لا. والكونغرس اجتاز تعديل كوروين الذي يوفر الحماية الدستورية للعبودية. وهذا التعديل يمنع الحكومة الفيدرالية من الغاء الرق.

وبعد يومين في كلمته الافتتاحية التي تستهدف الجنوب قال لينكولن: ليس لدي أي غرض مباشر أو غير مباشر للتدخل في مؤسسة العبيد في الدولة التي توجد بها. وأعتقد أنه ليس لدي الحق ولا الرغبة للقيام بذلك.

شكوى لينكولن حول الجنوب لم تكن حول العبودية أو الرق الهاربين. لم يكن لينكولن يقبل الانفصال ولايزال يعتزم جمع التعريفة التي أصبحت الآن قانوناً. وبموجب الدستور كان الاستعباد يصل الى الولايات المتحدة ولكن هذا الدستور أعطى الولايات الحق في فرض تعرفة. وقال لينكولن: "أن هناك حاجة الى عدم إراقة الدماء أو العنف". وقال أيضاً أنه سيستخدم سلطة الحكومة فقط لجمع الواجبات والمدفوعات. وأنه لن يكون هناك غزو أو استخدام القوة ضد الشعب في أي مكان.

وها هو لينكولن المحرر العظيم يخبر الجنوب أنه سيكون لهم الحق بالحصول على العبيد إذا كانوا سيدفعون الرسوم على الواردات. كم من الطلاب البيض والسود الموجودين هناك الذين تغسل دماغهم سياسة الهوية، سيسجلون هناك ويستمعون الى هذه الحكاية ولا يحتجون بشدة على الأستاذ العنصري الذي يبرر التفوق الأبيض والعنصرية؟

لذلك ماذا سيحدث للتاريخ عندما لا يمكنك أن تقول الأشياء كما هي، وبدلا من ذلك إعادة تشكيلها لتناسب المعتقدات السابقة التي شكلتها سياسة الهوية. وبطبيعة الحال ما يسمى الحرب الأهلية أبعد ما تكون عن كونها المثال الوحيد.

في وثيقة الانفصال أعلنت ولاية كارولينا الجنوبية أن العقد الدستوري قد تم كسره من قبل بعض الولايات الشمالية خارقة بذلك المادة الرابعة في الدستور. هذا صحيح. ومع ذلك، فمن الصحيح أن الولايات الجنوبية ليس لديها ميل للالتزام بالقسم 8 من المادة الأولى، والتي تنص أن "الكونغرس لديه السلطة لوضع وجمع الضرائب والواجبات والمكاسب والخصومات". لذلك فان الجنوب وبقبوله بالتعريف ليس نقياً دستورياُ.

قبل تسيس التاريخ فهم المؤرخون أن الشمال يهدف الى أن يتحمل الجنوب تكاليف التنمية الصناعية للشمال. ويفضل الجنوب الزراعي السلع بأسعار أقل من إنكلترا. وعلم الجنوب أن التعريفة على السلع البريطانية ستدفع تكاليف الواردات فوق الأسعار الشمالية المرتفعة، وتخفض مستويات المعيشة في الجنوب لرفع مستويات المعيشة في الشمال. فالصراع كان اقتصاديا تماما ولم يكن له علاقة بالرق الذي كان موجوداً أيضا بالشمال. وفي الواقع ان بعض الولايات الشمالية كان لديها " مراسيم استعباد" وأحكام مناهضة للهجرة في دساتير الولايات التي تمنع هجرة السود الى ولايات شمالية.

إذا كان تحرير العبيد أمر مهم للشمال وتجنب التعريفات أمر مهم للجنوب، فيمكن للمرء أن يتصور بعض التنازلات. فعلى سبيل المثال، كان بإمكان الشمال أن يلتزم ببناء مصانع في الجنوب. وفي الوقت الذي أصبح فيه الجنوب صناعياً تنشأ مراكز ثروة جديدة بشكل مستقل عن المزارع الزراعية التي تنتج صادرات القطن. ومن شأن القوة العاملة أن تتكيف مع الاقتصاد ويتحول الرق الى عامل حر.

في أمريكا لا يوجد شيء سوى الكراهية. في كل مكان تنظر اليه في أمريكا لا ترى شيئاً سوى الكراهية. يُكره بوتين، تُكره روسيا، يُكره المسلمون، تُكره فنزويلا، يُكره الأسد، تُكره إيران، يُكره جوليان أسانج، يُكره ادوارد سنودن، تُكره الآثار الكونفدرالية وحتى أصحاب نظرية المؤامرة يكرهون.

مجموعات الكراهية تتكاثر، وخاصة المجموعات الليبرالية \ التقدمية \ اليسارية. على سبيل المثال اكتشف روتساكشن تمثال (روبرت أي لي) في مبنى الكابيتول الأمريكي، ويحث جميع الناس الطيبين على المطالبة بإزالته. لا أعرف فيما إذا كان مستوى الجهل الذي يميز روتساكشن هو حقيقي أم مجرد حيلة لجمع الأموال. ولكن من الواضح أنهم يعتمدون على الجهل العام للحصول على ما يريدون. عندما كان لدى الولايات المتحدة سكان متعلمين، فهموا أن هناك جهداً كبيراً للتوفيق بين الشمال والجنوب. وأن المصالحة لن تأتي من الكراهية التي تحرض روتساكشن ومعظم مجموعات العمل الليبرالية\ التقدمية \ اليسارية.

واليوم أصبح بلدنا مقسماً أكثر مما كان عليه في عام 1860. وقد علمت سياسة الهوية الأميركيين أن يكره بعضهم بعضاً. ولكن مع ذلك فان المحافظين الجدد الصهاينة يؤكدون لنا أننا الشعب الذي لا يمكن الاستغناء عنه. نحن شعب منقسم تماما يقال إن لهم الحق في حكم العالم وقصف كل بلد لا يتقبل ارادتنا.

في المقابل فإن واشنطن أعلنت الكثير من الأكاذيب عن بلدان أخرى واستخدمت تلك الأكاذيب لتدميرها. العراق، ليبيا، أفغانستان، الصومال وجزء كبير من سوريا وباكستان في حالة خراب. وان واشنطن تعتزم المزيد من الخراب مع فنزويلا حالياً.

قبل 11 عاماً كان صدى الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز مسموع لدى العديد من الشعوب عندما قال في خطابه عن الأمم المتحدة " أمس على هذه المنصة وقف الشيطان نفسه كما لوكان رئيساً للعالم، لايزال بإمكانك شم رائحة الكبريت".

ومن الصعب تجنب الاستنتاج بأن أمريكا خط للكراهية في الداخل والخارج.