ترامب يرضخ لأعداء روسيا وأوروبا في الكونغرس ولا يقوى على المواجهة

09.08.2017

وقع الرئيس دونالد ترامب مشروع قانون العقوبات ضد روسيا وكوريا الشمالية وإيران. وبوجود حق الفيتو شبه الإجماعي، الذي كان يستخدمه كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وهو ما يسمى قانون «مكافحة الأمريكيين للخصوم من خلال العقوبات»، كان ترامب في موقف خاسر جداً.

وفى بيان التوقيع الذى أصدره البيت الابيض حاول ترامب ومستشاروه وضع قناع شجاع على ما يمكن اعتباره هزيمة مهينة فقط. وعلى الرغم من بعض التغييرات البسيطة:-

لا يزال مشروع القانون معيبا بشكل كبير - خاصة لأنه يتعدى على صلاحيات السلطة التنفيذية في التفاوض. و لم يتمكن الكونغرس من التفاوض على مشروع قانون الرعاية الصحية حتى بعد سبع سنوات من النقاش. فمن خلال الحد من مرونة السلطة التنفيذية، التي فرضها هذا القانون أصبح من الصعب على الولايات المتحدة أن تبرم صفقات جيدة للشعب الأمريكي، مما سيجعل روسيا والصين وكوريا الشمالية ترتبط مع بعضها بشكل أوثق . وقد وضع منشؤوا الدستور جميع الشؤون الخارجية في يد الرئيس. وسيثبت هذا المشروع حكمة هذا الاختيار.

"على الرغم من مشاكله، فإنني أوقع هذا المشروع من أجل الوحدة الوطنية. وهو يمثل ارادة الشعب الامريكى لرؤية روسيا تتخذ خطوات لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. ونأمل أن يكون هناك تعاون بين بلدينا بشأن القضايا العالمية الرئيسية حتى لا تكون هذه العقوبات ضرورية ".

لاقتراح هذا القانون السخيف والخطير وغير الدستوري تم وصفه بأنه يمثل الرغبة في « رؤية روسيا تتخذ خطوات لتحسين العلاقات» مع الولايات المتحدة وهذا الأمر منافٍ للحقيقة.

إن الغرض الأساسي من هذا القانون هو التأكد من أنه لا يمكن اتخاذ أي خطوات لتحسين العلاقات لعقود من الزمن. وسيعتبر هذا الأمر نجاحا إذا تحقق. وقد زجت الولاية العميقة في الولايات المتحدة بترامب ضمن دوامة أنه لا يوجد أي شيء يمكن أن يفعله أي شخص حيال هذا الأمر. وستكون الحرب الباردة الثانية حقيقة مؤكدة لسنوات عديدة.

ما لم نتعثر في حرب ساخنة بين الولايات المتحدة وروسيا، والتي يمكن أن تكون أقصر بكثير.

وقد تم انتقاد ترامب في كل مكان بسبب عدم احترامه لمشروع القانون حتى عندما وقع عليه. «لقد بنيت شركة كبيرة حقا بقيمة مليارات الدولارات»، «وهذا جزء كبير من السبب الذي انتخبت لأجله. وبوصفي رئيسا، يمكنني أن أقدم صفقات أفضل بكثير من الكونغرس مع الدول الأجنبية ». ترامب وحيد. وهو يعرف ذلك، وكذلك يفعل الجميع..

ليس الكونغرس فقط فحسب من يقف ضد ترامب في مواقفه بمجال السياسة الخارجية، بل كل شخص في إدارته يقف ضده أيضاً. إن اختيارات الموظفين في السياسة الأمنية الخارجية والوطنية تتم في الغالب من قبل المحافظين الجدد والجمهوريين " ولا تتم أبداً من قبل ترامب" وكأنه مخيم مقاد بطريقة غير رسمية من قبل المرشح السابق للرئاسة ( ميت رومني ) وهو مرشح الحزب الجمهوري . إن الموالين لترامب والناس الذين قد يتفقون فعلا مع حملته هم أشخاص مقيدون . أولئك الذين يحصلون على وظائف في الإدارة يتم تعيينهم في أغلب الأحيان لأسباب إنسانية، وهم أسوأ من المعينين من قبل أوباما والذين سيحلون محلهم يوماً ما. بالنسبة لروسيا، على أي حال، يبدو عن ترامب هو الوحيد الذي يدعمها في إدارته .

في النهاية، قبلت موسكو حقيقة أن «السياسة الأميركية قد تم الاستيلاء عليها من قبل القوى التي تعاني من الفوبيا الروسية و التي دفعت واشنطن نحو طريق المواجهة». وفي حين أن روسيا لا تزال تؤيد مبدأ أنها "مستعدة لتطبيع العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة والتعاون في القضايا الدولية الكبرى ... على أساس المساواة والاحترام المتبادل وتوازن المصالح»، فهم يعرفون النتيجة الحقيقية. وقال رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف: " إن القانون الجديد الموقع من قبل ترامب هو بمثابة "حرب تجارية واسعة النطاق". «الأمل في أن علاقاتنا مع الإدارة الأمريكية الجديدة سوف تتحسن قد انتهى».".

لا يمكن لأحد أن يأخذ على محمل الجد هذيان نائب الرئيس مايك بينس بأن الولايات المتحدة لا تزال "تعتقد أنه إذا غيرت روسيا سلوكها، فإن علاقتنا يمكن أن تتغير نحو الأفضل كما و يمكن أن تتحسن المصالح في كل من بلدينا بما يخدم السلام و الاستقرار في هذه المنطقة وحول العالم ». وبصرف النظر عن هذا الكلام فإن «السلوك» لا علاقة له بالأمر. ويمكن لموسكو أن تعيد شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا، وأن ترافق قوات كييف في دونباس على سجادة حمراء، وتقيد صلاحيات بشار الأسد، ولكن العقوبات ستبقى وستشدد تدريجيا. انظر كم من الوقت استغرق التخلص من جاكسون-فانيك..

نلاحظ أن تعليقات نائب الرئيس حدثت في جولة استونيا والجبل الأسود وجورجيا، ثلاثة بلدان (واحدة منها هي مونتينيغرو والتي لا يمكن أن نطلق عليها لفظ أمة) تعتبر عديمة الفائدة تماما في الدفاع عن أمريكا ضد روسيا أو أي شخص آخر ولكنها تشكل جزءا من حلقة على شكل حرف حول محيط روسيا الغربي. ونلاحظ أيضا أن مقدونيا قد يتم إقحامها بالأمر في وقت قريب أيضاً، مما يزيد من الضغط على استيعاب كل من صربيا والبوسنة والهرسك. وحتى المافيا التي تسيطر عليها حياة الرعب هي حالة كاذبة من الإرهاب في كوسوفو.

الأمر الأكثر تسلية هو زيادة إحكام العقدة عندما قال الجميع إن الرهاب الروسي الذي يسيطر على السياسة الأميركية ليس حول ما فعله الروس وإنما يكمن بمن هم: العداء تجاه روسيا ليس وسيلة لتحقيق غاية - إنها النهاية.

وفي الوقت نفسه، قامت وسائل الإعلام الأمريكية بنشر عناوين غير عقلانية مثل «التدريبات العسكرية الروسية بالقرب من حدود حلف شمال الاطلسي تثير المخاوف من العدوان». هذا يشير إلى الظروف التي نسحب فيها «الحلفاء» الذين لا فائدة منهم في الدفاع عنا ولكنهم مثاليون ليكونوا في منصات الهجوم الأمامية، ثم نرتب قواعدنا العسكرية في جميع أنحاء روسيا، و بعدها نقدم عرض كبير من القوات الاستفزازية في الجو والحركات البحرية على حدود الروس وعلى حافة مياهها الإقليمية، ولكنها مجرد هجمات استفزازية و ليست "عدوانية" لنقل القوات إلى جميع أنحاء البلاد..

ومع توقيع مشروع القانون هذا ، من المفترض أن نرى بعض الردود الروسية، دون التأخير الناتج عن الوهم الذي لا أساس له في أن من يستطيع أن يضبط نفسه سيحصل على مكافأة. ولكن الحقيقة هي أنه عندما يتعلق الأمر بالعقوبات ، فإن روسيا تقف في موقف أضعف أصلا. وفي حين أن المراقبين الغربيين كثيرا ما يبالغون في تقدير الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الروسي، إلا أن روسيا لا تستطيع أن تفعل بالاقتصاد الأمريكي إلا القليل. إن حجم التجارة الثنائية منخفض جدا، والتفاوت في القوة الاقتصادية والمالية كبير جداً، ودور الولايات المتحدة في النظام المالي العالمي متفشٍ جدا، كما هو الحال بالنسبة للأقمار الصناعية التابعة لنا، والتي من المرجح أن تعاني أكثر من الضرر روسيا .

ولعل الأوروبيين سيبدأون في رؤية أن الناس الذين يضعون السياسة في واشنطن ليسوا حقا أصدقائهم، على الرغم من أن ذلك يتطلب شجاعة وحكمة من أمثال ميركل وماكرون وماي وحتى هذه اللحظة لا يمكن اعتبار أن هذا الأمر رهان جيد ، إنه مجرد ضجيج.

وقد حذر رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر من أضرار جانبية محتملة لسوق الطاقة في أوروبا، حيث يمكن أن تؤدي العقوبات دون قصد إلى إسقاط الشركات الأوروبية المعنية بخطوط أنابيب تصدير الطاقة الروسية. وأحد هذه الأنابيب، هو نورد ستريم 2 ، (( لم تقلق المفوضية الأوروبية بشأن سياساتها "الأضرار الجانبية" لتيار الجنوب، عندما كان المستفيدون من الأمر هم جنوب أوروبا والبلقان))، إن أنابيب الغاز هذه تهدف إلى حمل الغاز الطبيعي من روسيا إلى ألمانيا من خلال بحر البلطيق، وهذا الأمر يشمل العديد من الشركات الأوروبية. وقال جونكر إن شعار "أمريكا أولاً" لا يمكن أن يعني أن مصالح اوروبا تأتي فى النهاية "مضيفا إلى أن اللجنة ستكون على استعداد للعمل" خلال أيام "اذا لم يتم التعامل مع مخاوفها.

إن المفارقة بالطبع ليست شعار ترامب «أميركا أولاً» بل العكس تماما: الأمر برمته هو نسف جهود المؤسسة الأمريكية - التي يحبها الاتحاد الأوروبي، والعكس بالعكس – من أجل نسف ترامب! ولكن إذا كانت عدم شعبية ترامب في أوروبا يمكن أن تستخدم كوسيلة لحشد المعارضة ضد العقوبات الأمريكية، قد يكون لها بعض القيمة. فإن النفاق له استخداماته.

وفي الوقت الذي نمضي فيه قدما نحو عالم متزايد الخطورة، ربما ستركز موسكو بشكل أقل على العودة إلى الولايات المتحدة أكثر من التركيز على الحماية الذاتية، وهي تقويض الاعتماد على الدولار الأمريكي، وإعادة تركيز طاقتها وغيرها من القطاعات الحيوية نحو التكامل الاقتصادي لآسيا وأوراسيا. إذا كان الأوروبيون أذكياء بما فيه الكفاية سوف يفكرون في هذا الاتجاه بأنفسهم.