تركيا والتدليس السياسي.. حين يتنفض أردوغان ضد التطبيع الإماراتي الاسرائيلي

22.08.2020

مع كل منعطف سياسي تشهده الأمة العربية، تُطل علينا تركيا أردوغان، بجملة من المواقف والتصريحات أقل ما يُقال عنها أنها تدليس سياسي، واصطياد في الماء العكر، وذر الرماد في العيون، في محاولة من رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، الإبقاء على صورته بأنه المدافع الرئيس عن القضية الفلسطينية، بل وعن المقدسات الإسلامية، إلا أن ما يقوم به أردوغان لا يُمكن وضعه إلا في إطار البحث عن انجاز يُرمم صورته، وهذا ما حدث عقب الإعلان عن اتفاق السلام الإماراتي الاسرائيلي، ليطالعنا أردوغان بالعديد من التصريحات وبيانات الإستنكار، وكأن تركيا لا تُقم علاقات كاملة مع إسرائيل.

وبالتالي فإنه من سخرية القدر أن تخرج تصريحات من أردوغان مفضوحة للجميع، إذ قام بتهديد الإمارات لجهة قطع العلاقات معها، فلو صدر هذا التصريح عن رئيس دولة غير تركيا، لربما نظر إليه البعض بعين الاختلاف والنقد والحوار والاحترام، أما أن يصدر عن رئيس تركيا التي كانت أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل بعد أشهر من إعلان تأسيسها، ومن ثم ترتبط معها بسلسلة اتفاقيات عسكرية واقتصادية وتجارية وأمنية، وصلت إلى حد التحالف معها في محطات كثيرة، فهذا أمر يُثير السخرية والقرف والسذاجة معا، ولعل من محاسن الأمور، أن أصغر طفل بات يدرك مدى نفاق أردوغان وسياسته بخصوص القضية الفلسطينية والمتاجرة بها.

تصريحات أردوغان تنم عن جنون تركي حيال الاتفاق الاماراتي الاسرائيلي، وهنا نحن لسنا بصدد تفنيد هذا الاتفاق وتبيان حيثياته وتداعياته، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة في سياق الحدث التاريخي، يتمحور في جزئية أساسية، ألا وهي المتعلقة بعمق العلاقات التركية الاسرائيلية، وما الداعِ لكل هذا الجنون التركي حيال الاتفاق الأخير بين أبو ظبي وتل أبيب.

حقيقة الأمر يُمكننا أن نضع الجنون التركي المنافق في عدة أطر، يُمكن إيجازها بالتالي:

أولاً- تصريحات أردوغان التي خرجت عقب الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي تنبع من إحساس أردوغان بأنه تلقى خسارة كبيرة لا يُمكن تعويضها، فالعلاقات التاريخية التركية الإسرائيلية قد تتأثر بالاتفاق الجديد، ما يعني خسارة أردوغان موقعاً مهماً في سياق الأحدث الإقليمية.

ثانياً- بصرف النظر عن التوجهات الإماراتية حيال القضية الفلسطينية، عقب الاعلان عن الاتفاق، إلا أن أردوغان الذي تاجر كثيراً بالقضية الفلسطينية، عبر خطابات وتصريحات ايديولوجية، تعكس جوهر علقته العميقة باسرائيل، الأمر الذي سيكون للإمارات نصيباً منه، في ترسيخ سياستها الجديدة في المنطقة، ما يعني بداية أفول الجنون التركي من المنطقة.

ثالثاً- نجزم بأن تركيا لا تريد شريكة لإسرائيل غيرها في المنطقة، هذا الأمر نابع من الخوف التركي على تراجع الدور والمكانة في المنطقة، وبالتالي تلاعب أقل بمصير شعوب المنطقة والمتاجرة بقضاياهم.

رابعاً- الإمارات ومن خلال هذا الاتفاق وجهت ضربة لتركيا، بل الضربة الأشد تلقتها جماعة الإخوان المسلمين المُتاجرين بالقضية الفلسطينية، وهذا يعني استهدافاً مباشراً للمشروع الإخواني في المنطقة، وفق رؤية ستتوضح قريباً.

خامساً- الاتفاق الإماراتي الاسرائيلي سيؤسس بلا ريب لجملة من الاصطفافات والتي ستضم مصر والأردن والسعودية وسلطنة عمان والبحرين والسودان، وكل هذه الدول اصطدمت بالسياسة التركية في المنطقة، ما يعني أن هناك حلفاً إقليمياً جديداً بصدد الظهور، لمواجهة الخطط التركية الإخوانية في المنطقة.

سادساً- الواضح أن الاتفاق سيُضعف الاعتماد الأمريكي على تركيا في العديد من قضايا المنطقة، ليكون الارتكاز الأمريكي في المرحلة القادمة على الإمارات، الأمر الذي سيؤدي إلى سحب البساط من تحت أردوغان وسياساته في المنطقة.

سابعاً- حقيقة الأمر لجهة الجنون التركي من الاتفاق الإماراتي الاسرائيلي، تتلخص إحساس أردوغان بأن الاتفاق يؤسس لهزيمة مشروعه السياسي مع جماعات الإسلام السياسي، وتحديدا الإخوان المسلمين في العالم العربي، وهو المشروع الذي يرى أردوغان من خلاله أن كل قضية تخص مستقبل العالم العربي يجب أن تكون من خلال سياسة تركيا، بوصفها تمثل سياسة الباب العالي، وذلك في إطار عقليته العثمانية، ونظرته الاستعلائية تجاه العالم العربي.

ثامناً- يحاول أردوغان عبر تصريحاته الخرقاء بإدانة الاتفاق، رغم العلاقات التاريخية والهامة بين أنقرة وتل أبيب، يحاول استعطاف العرب والمسلمين، والمتاجرة من جديد بالقضية الفلسطينية.

في الخلاصة، من المهم أن نوضح بأن ما سبق لا يُمكن ن يكون تأييداً لموقف الامارات، ولا تضامناً مع موقف أردوغان، لكن من الواضح أن التطورات الاقليمية الأخيرة ستلقي بظلال تأثيراتها على جُملة القضايا العربية؛ هو تأثير سيكون بإطار سلبي في الكثير من معادلات هذه المنطقة، ففي الوقت الذي يعادي الجميع سوريا قلب الشرق الأوسط، تُسارع العديد من الأنظمة العربية لكسب رضا إسرائيل، في مشهد مُخزٍ ومؤلم.