اتفاق "جنوب غرب" سورية... ما له وما عليه .. لوجستيا وجيوسياسيا

10.07.2017

لم تمض ساعات قليلة على انتهاء الجولة الخامسة من سياق أستانة للحل في سورية والذي شهد إصراراً أميركياً على إقصاء ما يسمى بفصائل الجنوب من هذه المفاوضات، حتى بدأت الصورة تضح أكثر لأسباب هذا الإصرار، فبعد لقاء الرئيسين ترامب وبوتين على هامش قمة مجموعة العشرين في هامبورغ(7/7/2017)، تم اعلان اتفاق مبدئي لوقف اطلاق النار في منطقة جنوب غرب سورية، لتسارع الحكومة الأردنية في اليوم الثاني إلى اصدار بيان رسمي يوضح جزءاً من هذا الاتفاق، باعتباره اتفاقاً بين المملكة الأردنية الهاشمية والولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية روسيا الاتحادية على ترتيبات لدعم وقف اطلاق النار في جنوب غرب سورية، يعمل به اعتباراً من يوم الاحد التاسع من تموز الجاري، و سيتم وقف اطلاق النار على طول خطوط تماس اتفقت عليها قوات الحكومة السورية والقوات المرتبطة بها من جانب، وميليشيات الفصائل المسلحة، هذا الاتفاق ليس جزءاً من مذكرة مناطق تخفيف التصعيد التي أنجزتها جولة استانة الرابعة (3و4/5/2017)، وهذا ما يفسر الضغط الأميركي لإقصاء ممثلي فصائل الجنوب للمشاركة في الجولة الخامسة من مؤتمر أستانة، وهذا الاتفاق ليس وليداً للقاء الذي جمع الرئيسين ترامب وبوتين بل إن المحادثات الأميركية - الروسية - الأردنية حول هذا الاتفاق كانت بدأت في عمان منذ منتصف (أيار) الماضي وأسفرت ب (22/6/2017) عن مذكرة تفاهم ثلاثية، في جنوب سوريا، ولكنها لم تبلغ حينها مستوى الاتفاق الثلاثي، وعلى ما يبدو أن روسيا سعت إلى تشميل هذه المذكرة باتفاق مناطق تخفيف التصعيد في جولة مفاوضات استانة الخامسة، وهو ما عارضته وأفشلته الولايات المتحدة عمداً، وسعت إلى ان يكون اتفاقاً منفصلاً عن سياق استانة على شاكلة اتفاق (22/2/2016) لمنع "العلميات العدائية، والذي أعقب اجتماع ميونخ لمجموعة الدعم حول سورية، وتأكيدا على أن هذا الاتفاق هو جزء من مشاورات عمان ذكرت وكالة الأنباء الرسمية الأدرنية وعلى لسان الناطق باسم الحكومة الأردنية أن هذا الاتفاق جرى التوصل إليه في عمان، وعليه فإن اتفاق (7/7/2017) هو نتيجة ما توافق عليه الرئيسين ترامب وبوتين من تفاصيل تلك المذكرة المؤرخة بـ(22/6/2017)، والتي تضمنت نقاطاً وخطوطاً عريضة تم تداولها في صحف مقربة من الحكومة الأردنية حينها و هي:

أولاً: «عدم وجود قوات غير الجيش السوري» في جيب عمقه 30 كيلومتراً، ثانياً: وقف الاعمال القتالية بين الجيش السوري و"الفصائل المسلحة"، و وقف العمليات الهجومية من الطرفين، ثالثاً: إدخال مساعدات إنسانية وعودة اللاجئين من الأردن وإطلاق تبادل تجاري بين الطرفين ووجود «مجالس محلية مؤقتة» للمعارضة بانتظار الحل السياسي بموجب القرار الدولي 2254،رابعاً: رفع العلم السوريّ الرسميّ على المؤسسات العامة في المناطق المتفق عليها والوصول من مدينة درعا إلى معبر الرمثا على حدود الأردن، خامساً: يتعهد الطرفان، الجيش السوري والفصائل المسلحة، في محاربة التنظيمات الإرهابية في إشارة إلى «جيش خالد» المبايع لـ«داعش».

وبعد إعلان الاتفاق بين روسيا والولايات المتحدة ساد الارتباك الأوساط السياسية والصحفية في توصيف هذا الاتفاق، فهو مشابه من حيث الترتيبات لتفاصيل مذكرة تخفيف التصعيد في استانة، ولكنه ليس برعاية ذات الضامنين، فالجديد أنه اتفاق أميركيّ روسيّ وبدرجة أقل اردني، ويقضي بنشر قوات من الشرطة العسكرية الروسية في مناطق ما سمي "نقاط التماس" المتفق عليها، وانشاء مركز أميركيّ روسيّ في عمان للمراقبة، من جانبها الحكومة الإيرانية وعلى لسان الناطق باسم وزارة الخارجية بهرام قاسمي  أيدت هذا الاتفاق ودعت إلى وقف اطلاق النار في جميع انحاء سورية، لكن أوضحت أنه يحتوي نقاط غامضة يجب ايضاحها، وبالتالي تكون حكومة طهران قد وجهت صفعة دبلوماسية لمن يريد القول إنّ الاتفاق الروسي الأميركي موجهٌ ضد مصالحها وأنّ الحكومة الإيرانية تقف ضد وقف اطلاق النار في سورية، فالجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست المشكلة كما يصور أطراف من المعارضة السورية ، فالمشكلة الأساس  هو احتلال العدو الإسرائيليّ للجولان السوري ودعمه جبهة النصرة الارهابية فرع القاعدة في سورية.

إذاً نجحت قمة هامبورغ في تحويل مذكرة عمان إلى اتفاق روسيّ أميركيّ، ولكن، يتبادر إلى الأذهان جملة من الملاحظات والتساؤلات المنطقية حول طبيعة ومستقبل هذا الاتفاق مقارنة باتفاقات سابقة بين الولايات المتحدة وروسيا في سورية كان مصيرها الفشل بفعل سياسات الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين:

الملاحظة الأولى: غياب الكلام عن جبهة النصرة الارهابية في المنطقة الجنوبية، وهي جوهر المشكلة الروسية الأميركية في تحديد وتوصيف صفة " الاعتدال" والإرهاب لهذا الفصيل أو ذاك منذ صدور القرار (2254)، الأمر الذي ينبئ مستقبلاً باشتعال الخلاف الأميركي الروسي حول هذه النقطة، ويتيح للولايات المتحدة الاستثمار الإرهابي مجدداً حال تغيرت الظروف والاستراتيجيات.

الملاحظة الثانية: ستقوم الشرطة العسكرية الروسية بمراقبة وقف إطلاق النار كما أعلن وزير الخارجية الروسية، ولكن آلية التعامل مع خرق إطلاق النار والرد على مصادر الخرق لازالت غامضة، وهو يعني أنّ هذا الاتفاق لم يأتي بجديد عن تطبيق اتفاق (22/2/2016) لوقف الأعمال القتالية، وبالتالي قد يتشابهان في المصير.

الملاحظة الثالثة: هذا الاتفاق سيضر حكما بسياق أستانة لأنّ انسحاب فصائل المنطقة الجنوبية منه وتشميلها باتفاق "هامبورغ" سيخرج كتلة مهمة في فصائل أستانة العسكرية، وهو ما قد يدفع النظام التركي إلى تقويض هذا المسار برمته لأنّه بالأصل لم يشرعن عملياته العدائية في ادلب وأرياف حلب في تل رفعت تحديداً، بعد رفض سوري إيراني قاطع لهذه المحاولة.

بالمحصلة اتفاق هامبورغ  الذي لم تعلن تفاصيله بشكل رسميّ واضح وبقي في إطار التسريبات هو اتفاق جزئيّ موضعيّ على بقعة جغرافية معينة، يتضمن ترتيبات عسكرية وأمنية بالتفاهم الروسي الأميركي، ولكن من الصعب جداً أن يكون مقدمة لاتفاق مشابه أميركيّ روسيّ اكبر في سورية، فأيّ محاولة للولايات المتحدة الأميركية بفرض أمرٍ واقعٍ في سورية سواء في التنف السورية وصولاً إلى البوكمال والشدادي، أو في مطار الطبقة العسكري سيجابه برد سورية إيراني على هذا الاعتداء وما إعلان المرحلة الثانية من عملية الفجر الكبرى(10/7/2017) في البادية السورية باتجاه تلك المناطق إلا رسالة واضحة للولايات المتحدة وحلفاؤها وأدواتها بطبيعة المواجهة في القادم من الأيام.