سقوط أدوات الوجود الأمريكي في الميدان السوري

22.02.2018

من المتعارف عليه أن النظرة لرقعة الشطرنج "اللعبة الإستراتيجية الشهيرة" تختلف عند كل من طرفيها، بحسب زاوية النظر لكلاهما كلاً من جهته، ولكن النظرة من أعلى لكامل الرقعة تعطي زاوية نظر أوسع تشمل زاويتي نظر الطرفين اللاعبين، مما ينبئ بشكل أسرع لمن النصر في التحدي القائم.
ولا يختلف هذا التعاطي مع رقعة الشطرنج عن واقع الحال في أي حرب، طرفان متخاصمان، أرض تدور عليها الحرب، جيوش تخوض غمارها، وتدور الدائرة حتى تخلص الأمور لاحتمال من اثنان، إما انتصار أحد الطرفين أو تعادلهما.

وإذا أردنا إسقاط هذا السرد على الحاصل في الميدان السوري، ومقاربة الأمر لجهة أين وصلت مراحل الصراع بين المحورين المتصارعين وهما المحور الأمريكي الأطلسي والمحور الروسي السوري الإيراني وحلفاؤهم، ستظهر نظرة من أعلى، على الميدان ما يلي:
أولاً- كل العناوين التي طرحت سابقاً سقطت، بدءاً من جلسات مجلس الأمن الدولي التي عقدت في هذا الصدد، وتنظيم مؤتمرات جنيف وغيرها، والادعاء بضرورة محاربة الإرهاب - المتجسد بتنظيم داعش - وتشكيل تحالف دولي بحجة هذا الغرض، وصولاً إلى فبركة استخدام الكيماوي المستمرة حتى اللحظة في مختلف المناطق التي كانت تسيطر عليها الجماعات الإرهابية المسلحة - والتي فصلها الأخير كان يجهز في الغوطة الشرقية – وما جميعها إلا عناوين واهية كاذبة لا تمت للنوايا المعقودة بصلة.
فالدوافع المبيتة من جهة المحور الأول ما كانت يوماً هدفها الحفاظ على الشعب السوري ولا على مؤسساته ولا على حريته، إنما هي على العكس تماماً، فالواقع المادي - المعنوي الناتج عن أضرار هذه الحرب على الشعب السوري، يوضح ذلك دونما عناء.

ثانياً- التطور الحاصل  من قبل الجانب التركي، حيث تبين لاحقاً أن عملية الاعتداء المسماة "غصن الزيتون" والتي أعلنها التركي شمال غرب سورية في مدينة عفرين ضد المكون السوري الكردي، ليست أكثر من مأزق استراتيجي ساقته أطماع الخلافة الواهمة للغرق فيه، فهو يتطلع للخلاص منه بفارغ الصبر.
هذا التطور الذي لم يستطع الحليف الأمريكي الإحاطة به واستدراكه، حيث كان هذا جلياً من نتائج زيارة وزير خارجيته "ريكس تيلرسون"، فالتركي يدرك أن حليفه الأمريكي لا يقدم على شيئا بدون مكاسب كاملة لجهته، وهذا ما لا يستطيع التركي الخوض فيه حالياً, فخسارة أو تأجيل المكاسب التي قدمها له الأمريكي مقابل التنسيق معه، أهون من الخطر الذي يتهدد قواته وأمانه في حدوده الجنوبية.

ثالثاً- الرهان الخاسر على إسرائيل بعد إسقاط الدفاعات الجوية السورية في العاشر من الشهر الجاري طائرة – الـ F16 -  فوق فلسطين المحتلة، مما سحب من يد الأمريكي أي رهان مستقبلي على ربيبته في الشرق الأوسط.
والتي أصبحت عبء بحاجة حماية، بعد أن كانت تحمي وتأوي وتمول مسلحي التنظيمات الإرهابية على مدار أيام الحرب، وما عدم زيارة "تيلرسون" إلى الكيان الإسرائيلي في جولته الأخيرة إلا في هذا المنحى.

رابعاً- فشل أنظمة الخليج بالاستمرار في تدجين وأدلجة وتمويل المزيد من العناصر المُشكلة لعصب التنظيمات الإرهابية المسلحة، وذلك نتيجةً لتشكُل حالة من الوعي العام لدى الرأي العام العالمي والعربي والإسلامي حول مشروعية الحرب القائمة، على الرغم من الضخ الإعلامي المستمر والمواكب والمتبنى من جانب هذه الأنظمة.

خامساً-  الفشل في محاولة تعويم أن الحرب في منطقة الشرق الأوسط هي حرب طائفية بحتة، وإعلان ضرورة العمل على محاربة "المد الشيعي" الإيراني، وأن الحرب في جذرها سنية – شيعية.

سادساً- حجة حماية الأكراد، وحماية حقهم في إقامة كيان انفصالي في الشمال الشرقي السوري، من خلال تواجد عسكري مباشر عبر قواعد عسكرية أمريكية، وتشكيل ما يعرف بقوات سوريا الديمقراطية، والتي قوامها الأساسي من الكرد الانفصاليين والإرهابيين الهاربين من تنظيم داعش.

سابعاً- الخيبة في تطويق وإلغاء الحق لروسيا الاتحادية في ضمان أمنها القومي كدولة عظمى، من خلال تواجدها في شرق المتوسط كحليف استراتيجي للدولة السورية، وشراكتها في صد العدوان الحاصل عبر الحضور الجوي المباشر، وتقديمها شهداء في سبيل ذلك، جراء الاستهدافات المخططة من قبل الأمريكي عبر من تبقى من عملائه الإرهابيين على الأرض، والذي كان آخرها إسقاط طائرة "سو25" في إدلب بصاروخ مضاد للطائرات ومقتل قائدها في الثالث من الشهر الجاري، أو من خلال الاستهداف المباشر حيث تم الإعلان في السابع من الشهر الجاري عن سقوط خمسة من المواطنين الروس في الغارات الأمريكية الأخيرة على مدينة دير الزور، وهو تحول وتطور في نمط المواجهة الحاصلة.

إذاً: سقطت بشكل كامل كافة الذرائع من يد المحور الأول الذي يديره الأمريكي، والتي ساق على أساسها أكاذيبه في اختلاق هذه الحرب، كمحاولة لإخفاء ما حاول نكرانه على مدى عمر المواجهة، حيث اضطر أخيراً للظهور شخصياً معلناً دوافعه الحقيقة وراء كل ما جرى، المتمثلة بقصم ظهر محور المقاومة  بمنع التواصل بين ظهيريه الأساسين سوريا - إيران، وما توقيت الزمان والمكان للظهور في شرق الفرات – حيث النفط والغاز - إلا خير دليل على ذلك.
- هكذا هو الأمريكي دائماً - ومن خلفه أدواته - يحاول بحجة القانون الدولي ومؤسساته أن يتدخل في شؤون الدول، وينهب مقدراتها متخذاً عدد غير قليل من الحجج، كان أهمها - منذ فبركة هجمات 11 أيلول 2001 - محاربة الإرهاب، دفاعاً عن الأمن القومي الأمريكي فيما رواء البحار، ونشر الديمقراطية على الطريقة الأمريكية!
فكانت كل من أفغانستان والعراق فاتحة نماذج الحرية والاستقرار التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، لشعوب المنطقة والعالم احتفالاً بالقرن الحادي والعشرين، وإعلاناً عن نهاية قرناً من الدموية لم تكن فيه الولايات المتحدة إلا حمامة سلام!
أفغانستان والعراق، الغارقتين بالدماء والانقسامات والطائفية حتى الساعة، فلا يكاد يمر يوم دونما تفجير هناك أو إرهاب هناك وإجرام.

من يهدي أميركا الخلاص؟
- عودة على بدء وبمنطق لعبة الشطرنج أيضاً، الأمريكي حتماً في وضعية "checkmate - كش ملك"، حيث لم يتبقى في جعبته عملياً إلا الحصان الكردي الانفصالي، والغير قادر على استخدامه بعد الآن إلا ضمن حركته الاعتيادية الشرقية الشمالية، على هيئة حرف " L "، حيث التركي يتربص به شمالاً، وجنوباً وغرباً توجد قوة الجيش السوري وحلفائه التي ستمنع تقسيم سوريا.
وشرقاً سيده ومستثمره ومشغله الأمريكي، والذي على ما يبدو لن تطول به الحال ليتخلى عنه - أسوةً بغيره من القطع الأخرى، التي استعملها وأصبحت اليوم رهينة الموت السريري أو الموت المحتوم -  باحثاً له عن طوق نجاته الأخير.
- هكذا سقطت أدوات الوجود الأمريكي في الميدان السوري ... فمن يهديه الخلاص ...