رؤية في بناء تحالفات استراتيجية جديدة للمحاور في الشرق الأوسط

03.08.2019

ينطلق هذ المشهد من فرضية مفادها أن ضبط حالة التوازن الدولي والاقليمي في الشرق الأوسط يتم من خلال نشوب تحالف قوى في المنطقة، حيث يقع على عاتق هذا التحالف ضبط حركة التوازن ويمنع الانزلاق إلى حالة اللا توازن والصراع والتي يعاني منها الشرق الاوسط.

إن فكرة هذا المشهد تدور حول قيام مجموعة من القوى الاقليمية  تساندها قوى عالمية بتشكيل تحالف أو تكتل عسكري أو استراتيجي في الشرق الاوسط يضمن تفوق هذه القوى بحيث تستطيع أن تفرض إرادة التوازن على الطرف الآخر، من خلال كسر حاجز التفوق الاستراتيجي وبالتالي احتواء إمكانات الآخرين من خلال تعزيز إدارة الردع الاستراتيجي، الأمر الذي يوفر انكفاء الطراف الآخر بشكل كلي أو جزئي في المنطقة ليترتب عليها ترتيب وضع اقليمي يتوافق عليه الاغلبية من أجل تقليص دوائر الصراع بين القوى المتنافسة والابتعاد عن محور تنافسي في ما بينها.

وهذه الرؤية قد تضمن السلم الجزئي لاعتبارات تتعلق بحجم مشاركة بعض القوى الاقليمية في عملية ضبط التوازن الاستراتيجي، وبمرور الوقت يمكن أن تشمل دائرة هذا التحالف قوى أخرى (غير صديقة) في السابق، وضمها إلى هذا المحور الأمر الذي يضمن اتساع دائرة التحالف والذي يؤدي الى اتساع دائرة التوازن عدد أكبر من الدول خارج إقليم الشرق الاوسط، الأمر الذي سوف ينعكس بشكل كبير على ضبط عملية الصراع الدولي والإقليمي المنتشرة في المنطقة، ويمكن أن نتطرق الى أهم المؤشرات الدافعة باتجاه هذه الفرضية وهي:

1_ هناك وجود لمثل هذه البوادر فمن خلال ملاحظة شكل التحالفات الاقليمية والدولية في الشرق الاوسط، نجد أن منطقة الشرق الاوسط تقسم إلى أكثر من محور ولكن يغلب عليه محوريين استراتيجيين هما المحور الغربي تتربعه الولايات المتحدة، والمحور الروسي الصيني إضافة، إلى الحلفاء الإقليميين لكلى المحوريين، وبالتالي إذا ما توفرت الإرادة الاستراتيجية لكلى المحورين أو توفر القوة اللازمة لإزاحة الطرف الثاني وتخليه عن بعض مواقفه في المنطقة يمكن أن يكون هناك ملامح لتحالف استراتيجي على هذا الشكل.
2_ يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين في الشرق الأوسط أداء هذا الدور من خلال توحيد الجهود ووضع استراتيجية واضحة يلتزم بها الجميع بالإضافة إلى توحيد القيادة بحيث تكون بيد الولايات المتحدة الامريكية، حيث يستطيع هذا المحور ضبط حركة التوازن الدولي في المنطقة لاعتبارات تتعلق بتفوق هذا المحور على غيره، لاعتبارات تتعلق بالقوة والتأثير الاستراتيجي الذي يمتلكها، فضلاً عن التأييد الدولي الذي سوف تتلقاه دول هذا المحور بسبب النفوذ الامريكي المتصاعد في العالم.
3_ يمكن لروسيا والصين أداء هذا الدور إذا تم الالتزام ببرنامج موحد يسير عليه الجميع بالإضافة إلى توحيد الهدف والانغماس الاستراتيجي الكثيف في المنطقة فضلاً عن وجود القوى الحليفة لهذا المحور والمتمثلة بإيران وتركيا وبعض القوى المحلية، لكن العائق الوحيد أمام هذا المحور هو التردد الصيني في الانغماس المباشر في المنطقة لاعتبارات استراتيجية تحسبها الصين وتخشى تداعيتها على إقليمها الشرق آسيوي. 

أما نواقض هذه الفرضية فتتمحور حول:
1_ من خلال دراسة ملامح الصراع الدولي في الشرق الأوسط يمكن القول أن هذا الصراع هو الأشد عنفاً قياساً بالصراعات الأخرى خارج إقليم الشرق الأوسط، فمع وجود أكثر من محور في مستنقع الصراعات يمكن القول أن حالة فرض إرادة محور على الآخر هو أمر غير وراد في الوقت الحاضر وإلى الأمد القريب حيث تسيطر الفكرة الصفرية في إدارة الصراع على كلى الطرفيين وهو ما ينعكس  بشكل سلبي على حالة التوازن الدولي والاقليمي في الشرق الاوسط.
2_ تتساوى قوام القوة العسكرية لكلى طرفيين الصراع في الشرق الاوسط، فهناك وجود عسكري أمريكي، كما أن هناك وجود عسكري روسي، إضافة إلى الوجود البحري الصيني، والذي يعني استبعاد فكرة سيطرة محور أو تحالف على الآخر فكلى الطرفيين تخشى الانجرار إلى حرب إقليمية ذات مشاركة عالمية، بالإضافة إلى سواد حالة شبه التوازن العسكري الإقليمي الذي يجتاح الشرق الاوسط.
3_ تتجه الولايات المتحدة بثقلها الإستراتيجي إلى الإقليم الأكثر حيوية في العالم وهو إقليم شرق آسيا، حيث عدلت الولايات المتحدة سلم أولوياتها الاستراتيجية من خلال وضع إقليم شرق آسيا بالدرجة الأولى بدلاً من الشرق الأوسط وهذا يعني استبعاد فكرة قيام الولايات المتحدة تحشيد التحالف الاقليمي لمواجهة التحالف الروسي والذي سوف يؤدي إلى ضبط حركة التوازن الدولي والاقليمي في الشرق الاوسط.

وأخيراً يمكن القول إن مشهد ضبط حالة التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط بنشوب تحالف قوى في المنطقة هو أمر غير وارد الحصول في الأمد القريب، ولكن يمكن أن يتحقق هذا المشهد في الأمد المتوسط ( عشر سنوات) وذلك لاعتبارات عدة، أولها عدم وجود قوة عالمية قادرة على تشكيل تحالف يضبط سير التوازن الاستراتيجي الاقليمي، فالولايات المتحدة تتبع استراتيجية السيطرة بالشراكة من خلال القيادة من الخلف وفسح المجال أمام الحلفاء الإقليمين، بالإضافة إلى توجهاتها الشرق آسيوية والتي تشكل كابحا كبيرا بوجه هذه المشهد، أما بخصوص روسيا فهي غير قادرة على تحمل هذا العبء الكبير، بسبب محدودية مقوماتها من القوة من القوة الاستراتيجية، أما الصين فهي قوة عالمية غير مستعدة للانغماس المباشر في صراعات الشرق الأوسط لاعتباراتها الاستراتيجية تتعلق وبوضعها الجيوسياسي ( الاقليمي والعالمي).