روسيا تتألق في هلسنكي... كل الطرق تؤدي إلى الكرملين

27.07.2018

بعد الكثير من الأخذ والرد، لتحديد موعداً، للقاء الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب، عُقدت القمة في 16 تموز/يوليو، بمدينة هلسنكي عاصمة فلندا. حيث ناقش القادة أفاق تنمية العُلاقات بين البلدين، والموضوعات الراهنة على الأجندة الدولية.

وكانت العلاقات الروسية - الأمريكية بسبب الأزمة السورية، والأزمة الأوكرانية، وانضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا، في مارس/آذار 2014. وتدهورت أكثر، بسبب الاتهامات المزعومة بتدخل روسي في الانتخابات الأمريكية، وفرض تدابير اقتصادية معادية من قبل الأطلسي على روسيا، والرد الروسي عليها بالمثل. وتُعتبر الأزمة الأخيرة في العلاقات بين موسكو وواشنطن، هي الأعمق منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، قبل حوالي 30 عاما.

وقد سبق القمة، العديد من الرسائل والتصريحات، التي تبدو متفائلة وإيجابية، لجس نبض القيادة الروسية، ومنها إمكانية الاعتراف بالقرم روسية حسب تصريح ترامب، ومع عدم حصول أي تنازلات روسية، جاء تأكيد المندوب الأمريكي الخاص إلى أوكرانيا، كورت فولكر، في 8 تموز/يوليو، أن واشنطن لا تزال تعتبر القرم إقليما تابعا لأوكرانيا.

وقام صقر الإدارة الأمريكية، مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، بزيارة لروسيا، في نهاية حزيران/يونيو الماضي، وبعدها شّدَ الرحال إلى موسكو عدد من أعضاء الكونغرس، للتحضير للقمة. وفي إرسال بولتون وهو المعادي لروسيا بشدة، كانت إشارة على استعداد الإدارة الأمريكية، إنهاء فترة الصراع والعداء الذي تكنه لروسيا، واستعدادا لفتح صفحة جديدة لتسوية القضايا العالقة بين البلدين، وانحناء أميركا بصقورها لروسيا. ولذا كان تصريح ترامب، يوم 10 تموز/يوليو، بأن لقائه مع بوتين هو الأسهل بين لقاءاته الأخرى بأوروبا، إشارة لموافقته لطلبات روسيا. وبهذه المواقف، تمكن ترامب، في اجتماع قادة حلف الناتو في بروكسل، يومي 11 و12 تموز/يوليو، من رص صفوف الحلف خلف سياساته "ولو إعلاميا وموقتا"، في مجمل القضايا ومنها الموقف من روسيا وإيران وسوريا، في محاولة أخيرة له لتليين موقف روسيا، ولحضور القمة من موقع قوة.

ولكن، بوتين، ليس كالناتو، فألاعيب ترامب، لا تنطلي عليه، حتى أن الخارجية الروسية، وصفت الناتو بأنه "حلف لا جدوى منه". وعضلات أميركا، لا جدوى منها، إلا أمام، الدول العربية، وبريطانيا، وفرنسا، وغيرها من الدول الضعيفة، ولن تجدي نفعا أمام روسيا أو الصين.

وبعد انتهاء اجتماع الناتو، حيث ناقشوا سبل "ردع روسيا"، واجتماع ترامب مع رئيسة الوزراء البريطانية، ماي، في لندن، في 13 تموز/يوليو، وحصوله على بعض الوعود الأطلسية، أعلن الادعاء العام الأمريكي، بنفس اليوم، اتهامه إلى 12 شخصية روسية، لاشتراكهم المزعوم بالتلاعب بالانتخابات الأمريكية. ومن توقيت هذا الإعلان، يتضح أن الغاية، التأثير على قمة الزعيمين، ولكن ومن ناحية أخرى، فهذا يثبت أن هذه المزاعم ذات أهداف سياسية، وهي بعيدة كل البعد عن اكتشاف المتلاعبين الحقيقين بالانتخابات.

فكان ظهور وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، مساء 13 تموز/يوليو، على آر تي الإنكليزية، وهو ممتعض بشدة، ويطوي ورقة بيضاء، في رسالة واضحة لانتهاء أي حلحلة لأي قضية بين الزعيمين، في حال عودة التشدد الأمريكي، وكان كلامه واضحا "لا توجد أي مساومة وعلى أي قضية". فعاد ترامب لتصريحات التهدئة، في محاولة للوصول إلى حلول لبعض القضايا في القمة.

وقبيل القمة أصحبت موسكو - وليس واشنطن كما في السابق - قبلة للوفود الدولية، وهذا بحد ذاته يثبت النجاح الباهر للقيادة الروسية، ومنهم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي زارها هذا العام لعدة مرات. صحيح أنها الأقرب جغرافيا للشرق الأوسط، ولكن على ما يبدو، أن كل الطرق أصحبت تؤدي إلى الكرملين.

فموسكو، أصبحت راسما رئيسيا للسياسات في العالم، ولذا جاءت اتهامات لندن المتكررة لها - والتي كانت هي من يرسم هذه السياسات - فبعد قضية العميل سكريبال، في مارس/آذار الماضي، والاستعمال المزعوم  لغاز الأعصاب في سالزبوري، أتى الدور لقضية أميسبوري في 4 تموز/يوليو، حيث زعموا استعمال مادة كيمياوية واتهموا موسكو مباشرة لثاني مرة ومن دون أي ادله، وكأن لندن قد أصبحت مكبا للنفايات الكيمياوية الروسية أو حقل تجارب لها!

ولكي نفهم مجريات القمة، نحتاج لإيضاح واقعين:

الواقع الروسي: قيادة رصينة وشعب ملتف حولها - نجاح عسكري في سوريا بحرب كونية - نجاح اقتصادي بتجاوز العقوبات – إنجازات مذهلة لتصنيع أسلحة لا نظير لها، فلم يعد خافيا على أحد، أن الأسلحة الروسية متفوقة وأقوى من نظيرتها الأمريكية، وقد توالى نشر البحوث والدراسات حول ذلك عالميا - بناء تحالفات دولية قوية لها مستقبل كبير– إعادة روسيا لوضعها الذي تستحقه كقوة عظمى - نجاح بتنظيم أفضل بطولة كأس عالم 2018، بالرغم من خروج المنتخب الروسي "الغير طبيعي".

الواقع الأمريكي: اضطرابات سياسية وخلافات في الإدارة الأمريكية وتشكيك حتى بالانتخابات الرئاسية وفضائح كبرى - مطالبة ترامب بإغلاق صحف عريقة كصحيفتي "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" في سابقة كبيرة واتهامات بالجملة لمواقع صُحفية مشهورة بأنها تقدم Fake News - انهزام أمام كوريا – شن حروب على العالم بأسره وبعدة اتجاهات -  فحرب جمركية ضدّ أوروبا وضغوطات عليها لنفقات تسلح أكبر- وحرب نفطية واقتصادية ضدّ إيران ومحاولات تغير حكومتها – وأخرى تجارية ضدّ الصين وهي الأولى اقتصاديا في العالم - تحالفات دولية مهزوزة وضعيفة - وانتقادات لميركل على إسرافها في شراء الغاز الروسي، مما أدى لاتفاقية لتوريد الغاز الأمريكي إلى أوروبا في 25 تموز/يوليو، وهو غاز اكثر تكلفة من الغاز الروسي ويحتاج وسائط نقل اكثر تعقيدا، وبالتالي فهذه الاتفاقية ضئيلة الفوائد لكلا الطرفين، فأمريكا تتراجع وهي في اضعف أحوالها.

وقد ألقى كلا الواقعين بظلالهما على القمة، فذهب بوتين، مدججا بالأسلحة الحديثة ومحملا بالانتصارات، فظهرت القيادة الروسية في أوج عظمتها، فاغتنمت هذه الفرصة السانحة، لفرض إرادتها حول محاور الصراع بالشرق الأوسط وفي باقي الملفات بين البلدين.

وعندما حاول معادو القمة في أميركا إجبار ترامب على التنصل عن مخرجات القمة، كشفت روسيا عن أسلحتها الحديثة الجاهزة للخدمة، كما نشروا بوسائل الإعلام ولأول مرة "سلاح يوم القيامة". والله أعلم ما كان في الخفاء، والتي أدت إلى تراجع التصريحات الأمريكية المنددة بالقمة وعادت للتهدئة، وقام ترامب بدعوة بوتين لزيارة واشنطن. 

ولقد لفت الانتباه، تصريح لكهل السياسة الأمريكية، كيسنجر، في 21 يوليو/تموز، لصحيفة "الفايننشيال تايمز" البريطانية، فقد قال " لا أريد التحدث كثيرا عن ترامب، لأنه في مرحلة ما يجب أن يكون الحديث عنه أكثر تماسكا، لأني أعتقد أنه سيكون أحد تلك الشخصيات في التاريخ، التي تظهر من وقت لآخر في نهاية الحقبة التاريخية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه يعي ذلك أو يفكر في ذلك أصلا." وهي إشارة واضحة إلى أن العالم مقبل على حقبة انتهاء دور أميركا كالدولة الأعظم.

فلم يكن ترامب غير عاقلا "كما يشاع"، عندما أصلح العلاقات مع كوريا، بعد أن وصلت الحالة بين البلدين للحرب، وإذا كان كذلك، فهل كانت ماي وماكرون أيضا غير سليمي العقل، عندما اشتركوا معه في الهجوم الثلاثي على سوريا، في مارس/أذار الماضي، هذا الهجوم الذي لم تتضح أبعاده ألا الأن، حيث كان أخر محاولة لهذه الدول لتغيير مجريات الانتصارات السورية-الروسية، وكان سببا رئيسيا أجبر ترامب على طلب القمة، وبفشله، توالت الهزائم والانتكاسات والخلافات في الطرف المعادي لسوريا. فذهب ترامب إلى القمة، حاملا هم بلده، ممثلا إدارته ودولته ودول الناتو بالكامل، وهو الأكبر عقلا ممن ينتقده في دول الأطلسي، ومد يده لبوتين، محاولا إيجاد صيغة للحد من النفوذ الروسي المتعاظم، ولتقليل الخسائر الأمريكية.

ومهما تحصل من مواقف في الفترة القادمة، فلا أعتقد أن أميركا والدول الغربية ستتمكن من صناعة أسلحة متطورة تضاهي الأسلحة الروسية، وإن تمكنوا فإن روسيا، وكما أكد الرئيس بوتين في مارس/أذار الماضي، ستطور أفضل منها عندما يصلوا لمستوى الاسلحة الحالية، وهذا سيضمن الهيمنة العسكرية الاستراتيجية الروسية، والذي سيجر لانهيار أميركا وحلف الأطلسي، حيث أن هيمنتهم على أغلب دول العالم بنيت على أساس القوة العسكرية التي لا تقهر، وهذا الأساس قد انهار الآن، مما سيؤدي لانهيار كل البنيان فوقه. كما أن الأمريكيين بالأصل هم تجار، ولا يدخلون الحروب إلا في نهايتها، لاستثمار نجاحات وتضحيات غيرهم، ولذا فالدلائل تُشير، أن السجاد الأحمر قد فرش للروس في كافة الملفات الدولية. ولكن الحذر واجب، فاسمحوا لي بهذه الآبيات الشعرية المتواضعة: