روسيا: قوة أوروبية أم أوراسية؟

10.07.2017

كان الاتحاد السوفياتي السابق بلدا تشمل مساحته الشاسعة مساحة تغطي قارتين من قارات الأرض (أوروبا وآسيا). وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي تم تقسيمه إلى 15 بلدا ناشئا، بما في ذلك روسيا وأوكرانيا وأوزبكستان وكازاخستان وبيلاروسيا وأذربيجان وجورجيا وطاجيكستان ومولدوفا وقيرغيزستان وتركمانستان وأرمينيا، ودول البلطيق وهي  ليتوانيا واستونيا ولاتفيا. بعد هذا الانهيار والتقسيم، كان هناك سياسة لا تحظى بشعبية كبيرة في الأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام ولدى الجمهور، وخاصة في الاتحاد الروسي. وكان من بين الأسئلة الرئيسية: هل روسيا قوة أوروبية أم قوة أوروبية آسيوية أي قوة أوراسية؟
من حيث نمط الحياة، فالسكان لديهم توجه كبير نحو ثقافة أوروبا الغربية والإيمان بالمسيحية الأرثوذكسية، وهم قد رفضوا الصراع  المفتوح مع الغرب في مناسبات عديدة، بما في ذلك معارك الصراع على  النفوذ. وغالبا ما تركزت أهدافهم على الجانب الغربي من القارة حتى المحيط الأطلسي، في حين أن مساحة الفضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي هي أساسا الأراضي الآسيوية التي تمتد إلى المحيط الهادئ.
منذ المرحلة الأولى في الولادة الجديدة لروسيا تحت إدارة يلتسين، الرئيس الأول لروسيا الجديدة، وبعد ذلك تحت إدارة  بوتين، الرئيس الحالي منذ ما يقرب من 20 عاما، فكرت روسيا وتصرفت كقوة أوروبية، وتوقعت الاعتراف بها على قدم المساواة من الغرب وأوروبا (بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا). ولكن هذا السلوك حقق النجاح على مستوى واحد فقط. على سبيل المثال، دعيت روسيا لحضور مجموعة الثمانية واجتماع قادة الدول الغربية، ولكن بعد ذلك، وبسبب الأزمة السياسية في أوكرانيا والقرم، طردت روسيا. وتركز مجموعة الثمانية على قضايا مثل إدارة  الاتحاد الأوروبي والانضمام إلى الحوار الذي يتعلق بقضايا ذات أهمية مثل الأزمة في الشرق الأوسط، وانتشار الأسلحة النووية، والجرائم العابرة للحدود الوطنية، ولا سيما الإرهاب الدولي.
ولكن في الوقت نفسه، تواجه روسيا توسع الدول الأعضاء في الناتو (بدعم سري من الولايات المتحدة وإسرائيل). فقد تم تأسيس الناتو كمنظمة عسكرية تعارض الشيوعية وتواجه منظمة حلف وارسو، المنظمة العسكرية التي كان يقودها الاتحاد السوفياتي الشيوعي. على الرغم من انتهاء الصراع الأيديولوجي والسياسي بين العالم الحر والعالم الشيوعي  بنهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، فلا يزال الناتو دون منافس واضح. وكمنظمة يعتبر وجودها خاطئا ومفارقة تاريخية. وبالتالي ليس من المستغرب أن تفسر روسيا هذه المنظمة كقوة لاحتواء روسيا،  وتعمل على تقليل قوة روسيا في أوروبا الشرقية والجنوبية، وتهدد استراتيجية الأمن الروسي من خلال تقويض الروابط للأشقاء السلاف، مثل أوكرانيا وبيلاروسيا وجورجيا وأرمينيا.
حاول الغرب (بقيادة الولايات المتحدة) التدخل في السياسة الأوكرانية بإطاحة الحكومة الأوكرانية المنتخبة (الموالية لروسيا). بالإضافة إلى ذلك، حاول الغرب دعم دخول أوكرانيا إلى الناتو والاتحاد الأوروبي من قبل الحكومة الأوكرانية الجديدة المؤيدة لأوروبا. كل هذا يشكل تحديا مباشرا وتهديدا لمصالح روسيا واستراتيجيتها الأمنية.

ومع توسع عمليات حلف شمال الأطلسي، إلى جانب توسع الاتحاد الأوروبي، فإن الغرب  يتوغل باستمرار ويحاصر منطقة نفوذ روسيا وأمنها وقواتها. في السابق، أعربت روسيا عن أنها لن تستسلم، سواء كان ذلك في الشيشان المسلمة على الأراضي الروسية أو في حالة جورجيا، عندما استخدمت روسيا القوة العسكرية واتخذت إجراءا حاسما لمنع حدوث الكارثة الجورجية، ودائما كانت روسيا تطلب من الغرب عدم التدخل في هذه الأحداث.
وكان آخر تدخل للغرب في أوكرانيا. فقررت روسيا حماية شبه جزيرة القرم التي لم تكن تنتمي لأوكرانيا، والتي تقع على أراضيها قاعدة بحرية والقوات العسكرية الخاصة بالبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط ​​وجنوب أوروبا. القرم، وأوكرانيا الشرقية، لديهما سكان من أصل روسي وهم أرثوذكسيون في الغالب، في حين أن غرب أوكرانيا هم مواطنون كاثوليك.
بعد ذلك، تم فرض عقوبات اقتصادية على روسيا ووصفتها وسائل الإعلام الغربية و "المجتمع الدولي" بأنها شريرة. بينما كانت آمال وأحلام روسيا بأن تكون جزءا من أوروبا والغرب بشرف وكرامة ومساواة، واجهت خيبة الأمل والعدوان ، فاضطرت روسيا إلى إعادة النظر في موقفها والسؤال عن ذاتها وتسأل: ماذا يجب عليها أن تفعل؟ وخاصة في الوقت الذي تهددها فيه أوروبا والغرب ولا تثق بها.
وقد أدت المراجعة الذاتية لروسيا إلى إثارة فكرة وجود دولة قوية  ووجود فوة أوروبية - آسيوية. وهذا يمثل العودة إلى الفكرة الروسية.
ونتيجة لذلك، قرر بوتين وحكومته أن روسيا يجب أن تسعى إلى أن تكون دولة أوراسية قوية (السلطة الأوراسية)، وأنه من الآن وصاعدا لن تعطي روسيا كل الاهتمام وتضع مصالحها في جانب واحد كما كان سابقا، ولكنها سوف تركز على كل من أوروبا وآسيا، بعد أن أهملت آسيا لأكثر من 20 عاما، وهذا يعني أن روسيا سوف تولي على الفور المزيد من الاهتمام لآسيا.
أنشأت روسيا وكالات متخصصة لتطوير مناطق شاسعة في سيبيريا والشرق الأقصى  حتى شمال المحيط الهادئ، ووضعت ميزانيات لهذا الغرض وتتوقع تحسين البنية التحتية هناك. إن بناء طرق جديدة للنقل عن طريق البر والبحر (القطب الشمالي) وخطوط أنابيب الغاز الطبيعي، إلى جانب إنشاء مناطق اقتصادية تشجع الاستثمار الأجنبي في تنمية الموارد هناك، كلها شكلت جزءا من محاولة خلق أيديولوجية جديدة والانضمام إلى طريق الحرير الجديد . وبالاضافة الى ذلك، ستعيد روسيا ايضا بناء العلاقات مع الدول الاسيوية مثل الهند وباكستان ومنطقة اسيا الباسفيك بما فيها استراليا ونيوزيلندا.
وينبغي الاهتمام بانضمام روسيا الى لجنة اسيا - الباسيفيك التابعة للأمم المتحدة / يونسكاب / والتي ناقش أعضائها الاستقرار السياسي (المنتدى الإقليمي للآسيان) وعقدوا حوارا مع شركاء من دول الاسيان ودول الأوبيك أيضا. في الماضي، لم تستفد روسيا أبدا من هذه العضوية، ونادرا ما لعبت دورا بارزا. ولم تظهر أية مبادرة ولم تقدم أية مساهمات أو مضمون في هذا المجال.

واحدة من مشاكل روسيا في الفترة السوفياتية كان تركيزها الصارم على بيع الأسلحة ومنتجات الطاقة إلى آسيا، على الرغم من حقيقة أن روسيا لديها الصناعات الرئيسية الأخرى والتكنولوجيا والعلماء والمنظمات البحثية. وظلت تهمل هذه المجالات وتركز فقط على الفضاء والشؤون العسكرية.
روسيا لا توزع اهتمامها وتطور قدراتها كما ينبغي. ولهذا السبب لا يزال وزن روسيا وتأثيرها في آسيا طفيفا جدا ومحدودا جدا. ولذلك، يجب على روسيا تطوير قدراتها في العلوم والتكنولوجيا لخلق التميز في آسيا. وعلى وجه الخصوص، ينبغي أن  توسع صناعة التكنولوجيا الفائقة التطور ويجب تنويعها لأغراض التجارة.
وبالنسبة لتايلند، أوصي بأن تركز روسيا على التعاون في مجال العلوم والتكنولوجيا، مع التركيز بوجه خاص على البحوث والاكتشافات في المجال الطبي، على سبيل المثال. وقد تصبح روسيا مركزا تجاريا للعالم الطبي "مركزا صحيا". ولا تزال تايلاند تستورد منتجات طبية من الولايات المتحدة والصين وأوروبا، ولكن إذا كانت روسيا تريد التعاون مع تايلاند وتعمل على تطوير الصناعات الطبية فإن بناء مركز طبي سيكون تحديا مفيدا لروسيا.
كما يمكن لروسيا توسيع قاعدتها البحرية فى تايلاند (ميناء ساتاهيب) من خلال التعاون العسكري مع تايلاند. وهذا يعني تبادل الدعم التكنولوجي والعسكري والاستخباراتي. ومن شأن ذلك أن يساعد روسيا على أن تكون لاعبا في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي والمحيط الهادئ، مما يمكن روسيا من أن تكون أكثر أهمية ووزنا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
لكن روسيا يجب ألا تركز فقط على التعاون العسكري. وبدلا من ذلك، ينبغي لها أن تواصل تركيزها على تطوير إمكاناتها في المجالين التجاري والعسكري في نفس الوقت. وسيكون هذا "موجها حقيقيا لآسيا".