عراق الكاظمي وقمة تنأى بنفسها عن الشام

01.09.2020

انطلاقاً من مدرسة الاعتدال التي تجمع القاهرة وعمان بـ الكيان الإسرائيلي، يحاول رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي التقرب خطوة نحو واشنطن تل أبيب، فالقمة التي عُقدت في الأردن وجمعت الملك الأردني عبدالله الثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وعلى الرغم من رومانسية بيانها الختامي، إلا أنها تُعد وفق الواقعية السياسية بوابة تطبيعيه غير مباشرة، مفتاحها بيد عراق الكاظمي، خاصة أن الطرق والجسور بكافة أشكالها مفتوحة بين عمان والقاهرة وتل أبيب، أضف إلى ذلك، فقد افتتحت هذه القمة بُعيد عودة الكاظمي من واشنطن بمشروع قديم جديد حمل أسم "بلاد الشام الجديدة"، لكن هذا العنوان الكبير بمضمونه، والفارغ من محتواه، لم يُزين بحضور دمشق، على الرغم من الرسالة التي نقلها فالح الفياض مبعوث رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ورئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق، إلى الرئيس السوري بشار الأسد، إلا أن ذلك أثار لواعج نفوسنا للتعمق في مسار التطورات التي هندستها الحماسة السياسة للكاظمي، والتي تُرجمت زيارتين إحداها إلى طهران، والأُخرى إلى أحضان ترامب، مع جدولة زيارة الرياض وربما أبو ظبي، ليكون المشهد بما له وعليه يحمل الكثير من التساؤلات الغير بريئة لجهة توجهات الكاظمي الجديدة ومشروعه حيال عراقه وعموم المنطقة.

قُدر للعراق أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، لكن العراق غارق ومنذ عام 2003 بشخصيات سياسية مزدوجة الولاء، ولعل رؤساء الحكومات في العراق بُعيد سقوط حكم صدام حسين، جسدوا صراحة نظرية الولاء بين عدويين، فمن جهة يحابون إيران ويتلقون دعمها، وفي المقلب الأخر يهادنون الولايات المتحدة ويأخذون دعمها، في ظل فساد أرهق العراقيين وحوّل معيشتهم إلى سوداوية بالمقاييس كافة، وبالتالي فإن الكاظمي ينبغي أن لا يُحابي أو يهادن، أو يفتتح مشاريع وأبواب تُقربه بشكل أو بأخر من عواصم التطبيع، بل من الأولى أن يقوم باستثمار علاقاته مع طهران وواشنطن وبُعد العراق الاستراتيجي دمشق، للنهوض مُجدداً بالعراقيين الذين أرهقهم فساد سياسييهم.

في قمة عمان حضرت الشام بالاسم، لكن البيان الختامي لقمة البؤساء، حملت وكعادة القمم التي سبقتها، تصريحات وبيانات دون إدانة واضحة للممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، فالعبارات المكررة على شاكلة مركزية القضية الفلسطينية، وضرورة تفعيل الجهود للوصول إلى حل عادل وشامل، يلبّي حاجات وتطلعات الفلسطينيين بالدولة المستقلة، على حدود الرابع من حزيران 1967، ومبادرة السلام العربية، كلها هرطقة لم يعد أحد بوارد تصديقها، حتى أن هذه الشعارات باتت بضاعة كاسدة لا أحد يستثمر بها، وكذا تسجيل المواقف ضد عديد القضايا، بات ردحاً مُزعجاً لسامعه، فالأردن ومصر والعراق دول لا تملك من جدية مواقفها شيء، والناظر للأوضاع الداخلية في القاهرة وعمان وبغداد، يُدرك جيداً أن لا مواقف تُبنى على رمال، فهذه مصر لم تستطع أن تقف في وجه أثيوبيا وتمنعها من تعبئة سد النهضة، وكذا سيناء التي يلتهما الإرهاب، ووصولاً إلى ليبيا التي تُهدد أمن مصر القومي والسيسي يقف عاجزاً، أما الأردن الذي لم يُحرك ساكناً تُجاه مشاريع الضم الاسرائيلية، فضلاً عن غرقه بأزمات اقتصادية خانقة، أما عراق الكاظمي الذي لا يملك ترف التبجح بالشعارات والعناوين والمشاريع، في ظل أزمات مالية وفساد مستشري، وارهاب في انتظار من يوقظه، ولعل الكاظمي إبان موقعه في رئاسة الاستخبارات العراقية لم يستطع أن يقضي على هذا الإرهاب، أو حتى يُحجم تحركاته، وبالتالي فالبلدان الثلاثة تُعاني من أزمات سياسية اقتصادية اجتماعية، تجعلهم يتخبطون يُمنةً ويساراً، في انتظار ترياق الانتعاش الذي يؤمنه التطبيع مع اسرائيل.

قمة البؤساء رصدتها اسرائيل بعناية استخباراتية فائقة، وخصصت لها مساحات واسعة للتحليل ودراسة المعطيات التي قُرأت من خلال تحركات الكاظمي، وهنا لا نُعير اهتماماً لِما تُروج له مراكز الأبحاث والدراسات الاسرائيلية، وحتى وسائل الإعلام العبرية، لكن نُركز ببعض الجوانب التي تستشهد بها، مع إبقاء وعينا التحليلي حاضراً، لدراسة وتفنيد ما تُريده هذه السياسات تُجاه منطقتنا بالعموم، وبما أننا أعدتنا الاعتماد على القراءات الاستخباراتية الغربية حيال المشاهد الشرق أوسطية، نظراً لحجب مثل هذه المعلومات في أوطاننا، على الرغم من ضرورات زيادة الوعي المجتمعي وتحديداً في هذا التوقيت.

إذ تقول محللة الشؤون العربية في صحيفة "يديعوت أحرونوت" سمدار بيري، يُمكن التكهن بأنه سيُطلب من الكاظمي سماع رأيه في الموضوع الإسرائيلي في اجتماعاته في عمان والرياض، وقد توقعت بيري " بحسب معلومات استخباراتية" أن يحتل الموضوع الإسرائيلي مكاناً بارزاً على طاولة محادثات الكاظمي في كل من السعودية والإمارات.

وتضيف بيري بالقول إن الكاظمي يوضح في محادثاته بأن ليس لديه مشكلة في تحسين العلاقات مع إسرائيل، لكن في الجانب الإسرائيلي تحديداً يجب أن نخفف من الحماسة، ولن يحدث شيء ما دام الحرس الثوري يواصل إظهار وجود يقظ في العراق، مع ذلك هناك مادة يجب التفكير فيها كيف أن العالم المسلم "السني" يبدأ بتوحيد صفوفه في مواجهة واقع لم نعرفه من قبل. دفعة واحدة، إسرائيل لم تعد العدو.

بالتالي، من السهل جداً التكهن بأن الكاظمي يعرف مسؤولين إسرائيليين كباراً من خلال منصبه السابق كرئيس للاستخبارات العراقية، إذ من المؤكد بأن الكاظمي تواصل معهم تحت ذريعة محاربة الارهاب، وبرعاية وضوء أخضر أمريكي.

في جانب أخر، كتب المحلل السياسي في صحيفة هآرتس تسفي برئيل مقالة إستشهد فيها بما ردده السياسي العراقي مثال الألوسي عن زيارته إسرائيل مرتين. الأولى، في 2004، عندما كان عضواً في لجنة التحقيق للكشف عن نشطاء حزب البعث (كان رئيساً للجنة اجتثاث البعث)، والثانية في 2008، عندما جاء للمشاركة في مؤتمر عقده مركز هرتسليا المتعدد المجالات بشأن الإرهاب.

يؤكد برئيل أن العراق هو هدف استراتيجي في نظر الولايات المتحدة، لأنه يُعتبر الفرع الأكثر أهمية لإيران في الشرق الأوسط، أهم من سوريا ولبنان. لكن كميات النفط الضخمة في أراضيه ومليارات الدولارات التي وظفتها الولايات المتحدة في الحروب لم تحول العراق إلى دولة قادرة على الوقوف على قدميها.

يضيف تسفي برئيل أنه في الاجتماع بين الكاظمي وترامب في الأسبوع الماضي، أوضح الاثنان علناً أن الولايات المتحدة ملتزمة بقرارها سحب كل قواتها من العراق، لكن من دون تحديد جدول زمني. أيضاً ليس واضحاً ما إذا كان سيبقى في العراق بعد الانسحاب مدربون أميركيون لمواصلة تدريب الجيش العراقي. ولا يقل أهمية التوقيع على اتفاقات بحجم يقدَّر بنحو 8 مليارات دولار بين العراق وبين شركات طاقة أميركية، هدفها تطوير وترميم حقول النفط في العراق وإقامة محطة توليد للطاقة قادرة على تحرير العراق من اعتماده على إيران. واشنطن تدفع قدماً أيضاً بالتعاون في مجال الطاقة بين السعودية والعراق، وتحاول تجنيد مساعدة مالية من دول خليجية أُخرى، بينها الإمارات، ضمن إطار استراتيجيا فصل العراق عن إيران. ويختم الكاتب في هآرتس مقالته بالقول إن الفخ الأميركي الذي تتخوف منه إيران وحلفاؤها في العراق – والذي يمكن أن يؤدي إلى سلام بين العراق وإسرائيل.

ضمن ما سبق، يبدو واضحاً أن تحركات الكاظمي لا يُمكن النظر إليها على أنها براءة وشفافية سياسية، تقتضي نسج علاقات مع المحيط العراقي، للنهوض مُجدداً بالعراق، لكن جوهر هذه التحركات وإسقاطاتها على المنطقة، تؤكد بأن عراق الكاظمي قاب قوسين أو أدنى من تفجير مفاجأة تطبيعية من نوع أخر، إذ من الواضح أن نسق الزيارات التي هُندست، تشي صراحة بمحاولات خلق معادلة "سنية"، ضد محور المقاومة، ومثل هذه المعادلات لا يُغديها إلا الكيان الاسرائيلي، بل ويسيل لعابه على جوانبها لترسيخ وجوده في منطقة ارتكب أبناءها خطأً تاريخياً في زمن أغبر.

كل ما سبق يُعد قراءة تحليلية في مسار عراق الكاظمي، وبالربط بين الأوضاع الداخلية العراقية والظروف التي جيّء على أثرها الكاظمي، فضلاً عن المعطيات الشرق أوسطية، كل هذا يضعنا أمام حقائق نخشاها مستقبلاً، ونأمل أن تخيب تحليلاتنا ليبقى العراق عراق المقاومة.