قمة بوتين وترامب... والحملة الأمريكية ضد السلام

17.07.2018

ستفين كوهين أستاذ فخري في الدراسات والسياسة الروسية في جامعتي نيويورك وبرنستون، يواصل نقاشه المعتاد مع "جون باتشلور" عن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا. 

أشار كوهين في نقاشات سابقة إلى أن القمة الروسية الأمريكية هي تقليد قديم يعود إلى اجتماع روزفلت في زمن الحرب مع ستالين في يالطا عام 1943. وكل رئيس أمريكي التقى زعيم الكرملين بمثل هذا التنسيق مرة واحدة على الأقل. كان الهدف دائماً حل النزاعات وتعزيز التعاون بين البلدين. وقد نجحت بعض القمم وبعضها الآخر لم ينجح، ولكن يعتقد أن كلها جانب أساسي في العلاقات بين البيت الأبيض والكرملين.

وكقاعدة عامة غادر الرؤساء الأمريكيون كل مؤتمرات القمة بأمنيات جيدة. ويختلف اجتماع ترامب مع الرئيس بوتين في هلسنكي اختلافاً كبيراً من ناحيتين، وهي أنه نادراً ما كانت العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا بهذه الخطورة. ولم يسبق لرئيس أمريكي أن ذهب لقمة الناتو ومن ثم للقاء بوتين، وقد اقترن هذا بمزاعم من الداخل الأمريكي أنه خائن للولايات المتحدة وبالتالي لا يمكن الوثوق به، وذلك وفقاً لممثل عن مركز كلينتون (المناهضة لترامب) فإن ترامب سيبيع أمريكا وحلفاءها، كما أن صحف "التايمز" و "واشنطن بوست" يخشون تطور الأمور بين ترامب وبوتين. وإن صحيفة "ذا تايمز أوف لندن" وهي معقل للحرب الباردة ضد الروس، تنشر عنواناً رئيسياً "المخاوف تتنامى من اتفاق السلام بين بوتين وترامب".

إن مناهضة السلام مع روسيا في واشنطن ناتجة عن مزاعم لا تزال غير مثبتة. وعلى ما يبدو أن "راشيل مادو" مطلعة على الوضع. وبالنظر إلى الوضع الجيوسياسي الحالي الخطير من الصعب ألا نستنتج أن الكثير من داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، ولا سيما الحزب الديمقراطي، تفضل تجنب ترامب للحرب مع روسيا تلك القوة النووية العظمى الأخرى. وهذه أيضاً سابقة في التاريخ الأمريكي.

ليس من المستغرب أن زيارة ترامب المخيفة لحضور قمة حلف شمال الأطلسي لم تؤدي إلى تضخيم عقيدة هذه المنظمة، التي كانت تبحث عن المزيد من التمويل منذ نهاية الاتحاد السوفيتي في عام 1991، وأعلنت صحيفة نيويورك تايمز أن حلف الناتو جوهر النظام العالمي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة.

ما يثير هو وصف حلف الناتو كأكبر تحالف عسكري في التاريخ، ولم يسبق له أن ذهب للحرب كحلف. وماهي انتصاراته العظيمة؟ هل هي عمل الشرطة في البلقان في التسعينات؟ أم الكوارث في العراق وليبيا؟ أم أطول حرب أمريكية مستمرة في التاريخ في أفغانستان؟ ولقد توسعت المهمة الحقيقية للناتو منذ تسعينات القرن الماضي، إلى حدود روسيا. وإن التهديد الروسي أثاره حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة، من جورجيا وأوكرانيا إلى دول البلطيق. ولم يستفد أحد سوى البيروقراطية الضخمة التابعة للناتو، وموظفيها والولايات المتحدة ومصنعي الأسلحة الذين يستفيدون من كل دولة عضو جديدة. لكن لا يمكن مناقشة أي من ذلك هو التيار الرئيسي، على الرغم من أن الموضوع كان على جدول أعمال العديد من مراكز الفكر والرأي منذ التسعينات. 

وليس من الغريب أن وسائل الإعلام لم تجد مكاناً صغيراً للمناقشة الجادة للصراعات الخطية التي نشبت بين واشنطن وموسكو، فيما يتعلق بالمعاهدات حول الأسلحة النووية، وسوريا، وأوكرانيا، وأوروبا الشرقية، والبحر الأسود. من السهل أن نتخيل كيف يمكن أن يتفق ترامب وبوتين على الحد من النزاعات والتعاون في جميع المجالات. لكن مع الأخذ بعين الاعتبار التوقع الذي قام به أعضاء من مجلس الشيوخ، وصحيفة التايمز، ومادو، الذين زاروا موسكو في 4 تموز، أصبح من الأصعب رؤية كيف أن ترامب يمكن أن ينفذ مثل اتفاقيات السلام هذه. 

كما أن الرئيس بوتين لا يخلو من القيود في الداخل، ولكن ليس مثل تلك التي قد تشل ترامب. وتسبب قرار الكرملين برفع سن التقاعد بالنسبة للرجال والنساء الروس، بانخفاض شعبية بوتين ولكن لا تزال عالية. حيث انخفضت بين 8 إلى 10 بالمئة، في الأسابيع الأخيرة. والأهم من ذلك أن قطاعات المؤسسة العسكرية الروسية لا تثق برؤية بوتين بشأن التفاوض مع ترامب. ومثل الأمريكيين فهم لا يثقون في ترامب ويعتبرونه غير موثوق. هؤلاء المتشددون الروس جعلوا مخاوفهم ظاهرة بشكل علني، ويجب على بوتين أخذها بعين الاعتبار. وكما كان مطلوباً من مؤتمرات القمة على مدى عقود، فإن الرئيس بوتين يسعى لجعل ترامب شريك موثوق للأمن القومي. ونظراً للقيود المفروضة على ترامب، فإن بوتين يخاطر وهو يعرف ذلك. 

وحتى لو لم يتم تحقيق أي شيء في هذه القمة، فيجب على كل من يهتم بالأمن الأمريكي أن يأمل في أن تنجح قمة بوتين وترامب، على الأقل في إعادة العملية الدبلوماسية والاتصالات الطويلة الأمد بين واشنطن وموسكو، والتي تضاءلت بشكل كبير، إذا لم تختفي أساساً، بسبب الحرب الباردة. وإن الحرب الباردة بدون دبلوماسية هي حرب فعلية.

و نأمل أن يكون رد فعل الحزب الديمقراطي على القمة، بأن لا يجعل من نفسه حزباً متعصباً صارماً، كما يمكن أن يكون بالفعل.