متى دمرنا المجتمع السوري وكيف بصراحة ... من المسؤول وأين الدواء

30.06.2018

وصل المجتمع السوري بكل مكوناته إلى حرب وكارثة دمرت سوريا، ولهذه الحرب عواملها الداخلية والخارجية، وهنا ستتم الإضاءة على الأخطاء الداخلية.

للأسف، فقد كنا جميعا فاشلين . حزب البعث فشل وطنيا، الأسرة فشلت تربويا، والدين فشل أخلاقيا.واتحاد الفاشلين لا يبني دولة ناجحة.

1- عقيدة حزب البعث فشلت وطنيا لأن منظري الحزب تجاوزوا بناء الوحدة الوطنية على أسس واقعية وانطلقوا لبناء الوحدة العربية على أسس طوباويه قائمة على الشعارات. 

ظنوا أن رسم خارطة سوريا بالألوان وتأليف نشيد وطني يردده طلاب المدارس كل صباح مع بعض الشعارات كاف لبناء الوطن السوري وبذلك خلطوا بين السلطة والدولة. 

السلطة ممكن أن تقيمها أية عصابة بقوة السلاح لكن بناء الدولة بحاجة لمفكرين وفلاسفة وعلماء نفس وسياسيين ونقاد شرفاء وللأسف، فكل تلك الفئات قمعت في سوريا، وكل من غرد خارج السرب سجنوه أو نفوه، وبذلك قتلوا الأفكار الجديدة، فتحولت أفكار الحزب وسياسته إلى دوغما دينية مقدسة لا تقبل النقد أو التطوير. فصرنا تحت شعار ( السياسية المبدأية الثابتة) سواسية كأسنان المشط تساوى فيها بائع البطيخ مع الفلاسفة والمفكرين وبذلك، اغتالوا كل الأفكار السياسية الأخرى التي كان بإمكانها إنقاذ الوطن من مأساته الحاليه أو تخفيف نتائجها على أقل تقدير. 

لقد فاتهم أن السياسة هي تغير دائم بتغير الظروف الخارجية والإمكانيات الذاتيه، وأن ما يقتل السياسة هو الثبات، لأن الثبات من صفة النصوص الدينية وليس المبادئ السياسية، فكانت النتيجة أن دمرنا الوطن من أجل الحفاظ على بعض الشعارات الجوفاء التي تتعارض مع أبسط قواعد المنطق السياسي.

وفي ظل هذه النظرة الأحادية الجامدة بنى الحزب هياكل الديموقراطية وأهمل روح الديموقراطية. أسس أحزاب وبرلمانات، وأجرى انتخابات وأقام جبهة وطنية تقدمية يسخر منها كل مواطن سوري بمن فيهم المشاركون بهذه المهازل السياسية لأنهم يعرفون بأنها مجرد هراء وبالتالي، لم يتفاعل المجتمع مع تلك الهياكل العجفاء الخالية من الروح وهذا بدوره أدى إلى فشل الحزب بالارتقاء بالمجتمع إلى الديموقراطية الحقيقية لأنه اهتم بالمظاهر والقشور وأهمل الجوهر والأصول. 

فشل الحزب برأينا يعود لسببين:

1-لأنه حارب المثقفين وقمع حرية التعبير والتفكير الحر واعتبر أن أي تطور يجب أن يمر عن طريق  فروع الأمن بعد ضبط مقاساتها على مبادئ حزب البعث المبدأية والثابته. فجمد بذلك الحاضر واغتال المستقبل.

2- بالرغم من أن حزب البعث يدعي أنه حزب علماني إلا إنه سمح لشيوخ الطوائف بالعبث بعقول الجيل الجديد وتحويل المساجد إلى مدارس لنشر الفتن تحت ستار احترام حرية المعتقد. فنتج عنه هذا الجيل الظلامي الذي ينحر الوطن والمواطن في (سبيل الله). ولو أنهم منحوا المثقفين ربع الحرية التي منحوها لشيوخ الفتنة لكان حالنا اليوم مختلفا.

لقد فات منظروا الحزب أن أسرتنا، شارعنا، مدرستنا، مجتمعنا كلها ذات تقاليد ديكتاتورية ذات فكر إقصائي لا يعترف بالآخر. فكيف لنا أن نبني دولة ديموقراطية في مجتمع كل مكوناته الثقافية والروحية تقوم على تمجيد الديكتاتورية ومشاعر التفوق على الآخرين وازدراء من يحملون أفكارا مخالفة؟

بحجة الحفاظ على التقاليد الأسرية العريقة لم يتطرق منظروا الحزب إلى تحرير الأسرة من قيودها الموروثة فبقيت تمارس دورها كخلية لتفريخ نفس النسخ البشرية القديمة التي تعيش خارج قوانين التطور.

وبحجة احترام رجال الدين وشيوخ الطوائف، لم يقم منظروا الحزب على صعيد الواقع بأي جهد لتحرير الشباب من سيطرة شيوخ الطوائف وحقنهم بالحقد على بقية مكونات المجتمع. واكتفوا بولاء رجل الدين للسلطة ودعائه للسيد الرئيس بالتوفيق والنصر بعد كل خطبة جمعة أو احتفال بالمولد النبوي، أما ما كان يقوم به رجل الدين بعد ذلك فالدولة لم تعلم به وإن علمت لم تهتم به.

ولأننا شعوب تقتات على الشعارات وتتقيئ الفشل، ولأننا بنينا وطنا بلا هوية أساسه الشعارات وجدرانه النفاق، انهار الوطن فوقنا عند أول محنة تعرضنا لها.

دور الأسرة

أسرتنا فشلت ببناء مواطن متجانس مع نفسه ومع الآخرين. فالفرد في البيت طائفي وفي الاجتماعات الحزبية بعثي وفي نفسه منافق. وهذا المجتمع الذي يتكون من هكذا مواطنين سيكون مجتمعا مشروخا وغير متجانس ومهددا بالتفتت لأنه يفتقد إلى قيم إنسانية عليا يمكن للجميع أن يتفقوا عليها.

الأغلبية العظمى من أطفالنا ينشأون في أسر تربي أولادها على عادات وتقاليد أنانية لا تصلح لبناء دولة مثل:

ميت أم تبكي ولا أمي تبكي.

ميت كلمة جبان ولا كلمة الله يرحموا.

إذا شفت أعمى طبو مانك أرحم من ربو.

إمشي حيط بالحيط وقول يارب الستر.

فخار يكسر بعضو.

فهل ننتظر من طفل يتربى على مثل هذه الاخلاقيات أن يكون رجلا غيورا على وطنه؟ نربي أولادنا أن يمشوا في وطنهم من الحيط للحيط مثل اللصوص حتى يستر الله عليهم، نعلمهم أن لايتدخلوا بشيئ لأن كل شيئ عندهم هو فخار يكسر بعضه بعضا ونريد منه أن يكون مواطنا غيورا على بلده؟ 

ومن أبشع العادات التي تلقنها الكثير من الأسر لأولادها هي عادة الجشع.

مثلا: إذا لم يرغب رياض بالأكل، نمد اللقمة إلى أخته سعاد ونقول: خدي يا سعاد كلي أحمد مابدو، ثم نهرب اللقمة قائلين: لا لا لا ، ونخاطب أحمد قائلين له: خود كول قبل ما تاكلها سعاد. فيأكل أحمد ليس لأنه جائع بل، حتى لا يطعم أخته، أرأيتم كيف نعلم الابن الشبعان على سرقة  لقمة الطعام من فم أخته؟

شعب يغرس الأنانية والجشع وعدم الرحمة في نفوس أولاده منذ الصغر وعشرات الالاف من علماء النفس والتربية وووو لم نسمح لهم بالقيام بدورهم بمحاربة مثل هذه العادات إذا، فكلنا مسؤولون عما يحدث اليوم في الوطن الدامي، كل منا من موقعه، والشريف منا يمكنه أن يدعي بأنه أقل ذنبا ولا يمكن لأحد أن يدعي البراءة. الإرهاب لوحده لا يمكن أن يهدم وطنا، الإرهاب كان الإبرة التي فجرت البالون المحتقن.

دور رجال الدين

أما بالنسبة لرجال الدين، فهم  فشلوا ببناء إنسانية الإنسان في نفوس الناس فشلا ذريعا.

إنسانية أي فرد ترتبط طردا مع مدى إحترامه لشيوخه. أي شخص مهدد بالتكفير من قبل أي شيخ شبه أمي عند أقل انتقاد لموروثه الديني الطائفي، ومهدد بحياته وماله وعرضه عندما ينتقد، طائفة أخرى. وبالتالي، فرجل الدين ضحى بإنسانية الإنسان في سبيل فكر ديكتاتوري تسلطي موروث يعتبر أن طائفته هي الأفضل. فتحول الدين من وسيلة لرفع قيمة الإنسان إلى حزب فاشي يبحث عن المبررات التي تبيح له الانقضاض على جاره وذبحه ونهب ماله وإنتهاك عرضه. أوليس هذا مايجري اليوم؟ 

الشيوخ يدعون أنهم يعلمون الناس على مكارم الأخلاق ولكن عند أول امتحان إكتشفنا بأن معظمنا لصوص وخونة ومنافقين وجواسيس وقطاع طرق وقتلة مأجورين. هل ظلمت مجتمعنا بهذا التوصيف؟

واستنادا إلى ما سبق نخرج بنتيجة وهي:

نحن بنينا جماعات ولكننا لم نبن مجتمعا.

نحن أسسنا سلطة لكننا لم نؤسس دولة.

نحن مستوطنون ولسنا مواطنين.

وهكذا حولنا سوريا من وطن إلى مستوطنة نسكنها عندما تكون بخير ونهجرها وقت الشدة. فجاء يوم الحساب على أخطائنا عندما أمر رجل الدين أتباعه بشرخ هذا المجتمع -المشروخ أصلا- لإسقاط الدولة. وكل ذلك مما زرعته أيدينا جميعا. 

في الحرب العالمية الثانية دمر ثلثي الاتحاد السوفيتي ولكن لم يهاجر أحد منهم تاركا وطنه، ألمانيا سويت بالأرض ولكن لم يهاجر الألمان من وطنهم، اليابان قصفت بقنبلتين ذريتين، لكن اليابانيين لم يتركوا وطنهم، والنتيجة هي أن هذه الدول الثلاث من أعظم دول العالم اليوم. أما نحن، فبدلا من حمل السلاح والدفاع عن الوطن جنبا إلى جنب مع الجيش تركناه وهو ينزف لنتحول إلى قطعان من المتسولين ينتظرون ما يتكرم به أعداء وطننا علينا. والسؤال الذي يحيرني الآن هو: هل نستحق هذا الوطن السوري الشريف ونحن بمثل هذا النفاق؟ أولسنا نحن من ربينا هؤلاء المنافقين؟ 

مشكلتنا تكمن في العقلية العربية البدوية الاقصائية، والعقلية الإسلامية الشمولية التي لم نخضعها للنقد بل، على العكس تماما قامت السلطة بالتحالف مع أربابها لتثبيت نظام الحكم بأي ثمن.