مصالح إسرائيل فوق أمريكا.. عندما ضربت البارجة.. "لكن يا سيدي، إنها سفينة أمريكية".. "لا يهم، إضربها!"

14.06.2019

لقد مرت عقود على تعرض حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس ليبرتي" للهجوم من قبل طائرة تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي. "يو إس إس ليبرتي" هي سفينة لجمع المعلومات الاستخباراتية التابعة للبحرية الأمريكية. أسفر الهجوم عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود الأمريكيين. تلاها تستر وصمت دائم في هذا الشأن من جانب الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية. ومع ذلك، فإن الأدلة التي تم تجميعها على مر السنين أكدت أن الهجوم لم يكن مبنياً على "أخطاء بشرية، أو عن طريق مصادفة مؤسفة وإخفاقات في المعدات لدى الجانبين الأمريكي والإسرائيلي"، كما جادل مايكل أورين، السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة. بل كان عملاً متعمداً من قبل قادة إسرائيل. هذا مقتطف من مقال كتبته في عام 2017 بعنوان "حرب الأيام الستة: الأسطورة والواقع".

  وجاء في محادثة بين طيار إسرائيلي وغرفة حرب الجيش الإسرائيلي.

"لكن يا سيدي، إنها سفينة أمريكية".

"لا يهم، اضربها!"

يكمن الاستخدام العنيف للدعاية كوسيلة لتمويه أهداف إسرائيل الحقيقية وراء واحد من أكثر الأحداث سيئة السمعة في حرب الأيام الستة: غرق السفينة الأمريكية. ولقد تم التقليل من شأن هذا العمل العدواني من إسرائيل ضد حليفتها، الولايات المتحدة.

كانت سفينة "يو إس إس ليبرتي" تتجول قبالة ساحل مصر في الثامن من حزيران عندما هاجمتها مجموعة من القوات الجوية والبحرية الإسرائيلية. قُتل 34 من طاقمها وأصيب 174 آخرون. وقد وقع الهجوم، الذي أمر به بشكل شبه مؤكد الجنرال ديان، في أكثر مراحل الحرب حساسية.

وصل الإسرائيليون، الذين حاربوا الجيش المصري، إلى العريش حيث تم إعدام المئات من الجنود المصريين الأسرى. وقد أجبر البعض على حفر قبورهم بينما دفن آخرون من قبل رجال القبائل البدوية بعد أن أطلق الجنود الإسرائيليون النار عليهم وتركوا الجثث تتعفن في شمس الصحراء. كانت السفينة في وضع جيد يسمح لها بمعرفة هذه الأحداث بالنظر إلى أن العريش هي مدينة ساحلية على ساحل البحر المتوسط.

المسألة الأخرى ذات الأهمية الحاسمة تتعلق بإدارة إسرائيل الاستراتيجية للحرب. فبعد احتلالها لشبه جزيرة سيناء، كانت نية إسرائيل أن تأمر العديد من وحداتها بالتحول وإعادة الانتشار من أجل تعزيز السيطرة على الضفة الغربية وأيضاً تقديم الدعم للوحدات المكلفة بمهاجمة سوريا والاستيلاء على مرتفعات الجولان.

بعيداً عن التفكير في الصراع مع أعدائها العرب والذي قد يؤدي إلى إبادة جماعية لمواطنيها، كانت الحسابات الإسرائيلية تستند إلى تحقيق نصر معين. ومع ذلك، سيتعين تحقيق ذلك خلال فترة زمنية محدودة. وأدرك القادة بعدها أنه يجب تنفيذ وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الأمم المتحدة.

حصلت إسرائيل على مباركة الرئيس ليندون جونسون لخوض الحرب، لكنها لم تحصل على موافقة أمريكا فيما يتعلق بالسيطرة على الضفة الغربية والأراضي السورية. فمثل هذه الأعمال قد تثير تدخل الاتحاد السوفيتي.

وهكذا، مع النصر الكامل في سيناء وتبقي يومين على الحرب، لم يكن الإسرائيليون يريدون أن يتجسس الأمريكيون عبر سفينتهم عندما يتم إعادة توجيه قواتهم شمالاً. كانت الهدف وراء هذه هي السرية التوغل المخطط له في سوريا والذي لم يصرح عنه ديان لرئيس الوزراء إشكول حتى بعد أن أمر بالهجوم على مرتفعات الجولان.

بعد أن تم رصدها عن كثب من قبل طائرات الاستطلاع الإسرائيلية، تعرضت السفينة الأمريكية "يو إس إس ليبرتي" لهجوم مستمر استمر لمدة ساعتين تقريباً. عانت السفينة من موجات من الهجمات عن طريق الطائرات النفاثة والقذائف التي أطلقت من قوارب الطوربيد الآلية. وتم استهداف الطاقم الذي حاول إطلاق قوارب النجاة بالرشاشات وقنابل النابالم. بدا أن القصد هو غرق السفينة وعدم ترك أي ناجين. وهذا من شأنه أن يترك الهجوم على مصر مفتوحاً.

وبأعجوبة، تم الإبقاء على السفينة وأرسلت إشارة استغاثة. وتم استدعاء اثني عشر طائرة مقاتلة وأربع طائرات ناقلة متمركزة على حاملة الطائرات الأمريكية ساراتوجا، والتي هي حاملة طائرات للأسطول السادس الأمريكي القريب، للدفاع عن السفينة، وتم ذلك من قبل وزير الدفاع الأمريكي روبرت ماكنمارا. بمجرد أن علم الإسرائيليون أن الأسطول الأمريكي قد تلقى معلومات عن الهجوم، سارعوا بإبلاغ الأمريكيين بأن سفينتهم قد تعرضت للخطأ.

قامت إدارة جونسون بالتستر تحت ضغط من اللوبي الإسرائيلي والذي هدد بتشويه سمعة جونسون بتهمة القتل. إلى جانب هذا الادعاء سترفض المنظمات اليهودية تمويل جونسون إذا اختار الترشح لإعادة انتخابه في العام التالي.

على الرغم من استمرار التستر على الهجوم على سفينة "يو إس إس ليبرتي" حتى يومنا هذا، فإن العديد من المسؤولين الأميركيين البارزين على مر السنين قد خالفوا فكرة أن الهجوم كان عن طريق الخطأ، وكان دين روسك، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، والأدميرال توماس مورر الذي كان رئيساً لهيئة الأركان المشتركة وقت وقوع الحادث، من بين أبرز هؤلاء المعترضين.

وجاء في مقال مدرج في عمود "بريسكوب" لمجلة "نيوزويك" بتاريخ 19 حزيران 1967:

على الرغم من أنه تم قبول اعتذارات إسرائيل رسمياً، إلا أن بعض كبار المسؤولين في واشنطن يعتقدون أن الإسرائيليين كانوا يعرفون قدرات السفينة ويشتبهون في أن الهجوم ربما لم يكن عرضياً. تقول إحدى النظريات رفيعة المستوى أن شخصاً ما في القوات المسلحة الإسرائيلية أمر بإغراق السفينة الأمريكية لأنه اشتبه في أنها أرسلت رسائل توضح أن إسرائيل بدأت القتال.

حصل مسؤولون أمريكيون على تسجيلات لحوار الأفراد الإسرائيليين خلال الهجوم بعد فترة وجيزة من وقوع الحادث. وتم سماع صوت يحدد بوضوح "يو إس إس ليبرتي" كسفينة أمريكية. لم يعد الموقف المتمثل في أن تدمير السفينة "يو إس إس ليبرتي" خطأ مأساوي أمراً قابلاً للتصديق.