معركة الجنوب السوري الكبرى ... لا اتفاق قبل انسحاب القوات الأمريكية من التنف

02.06.2018

أكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم اليوم أنه لا اتفاق في الجنوب السوري قبل انسحاب القوات الأمريكية من التنف.

يبدو أن المعارك المفصلية ضد الإرهاب ومستثمريه في أتون الحرب السورية، سواء معركة استعادة حلب، التي أصبح ما بعد تاريخ تحريرها غير ما قبله، أو معركة الغوطة الشرقية، التي غيرت وأعادت رسم الخارطة السياسية في العالم، تشكل مفاصل وتحولات استراتيجية في تاريخ سوريا الحديث.

في هذا الصدد، تندرج التحذيرات الأمريكية الأخيرة في 25 مايو الماضي، بقولها أنها ستتخذ "إجراءات حازمة ومناسبة" ضد القيادة السورية، حول نيتها المعلنة في حسم ملف الإرهاب في الجنوب السوري (درعا - القنيطرة)، والتي عمليا دخلت حيز التنفيذ، ولو بشكل لوجستي حتى الآن.

التصعيد الذي رافق معركة تحرير الغوطة الشرقية، من الهجوم الثلاثي والانتهاكات الإسرائيلية، وكل ما عقبها من تحرير باقي المناطق في دمشق وريفها، وصولا لإعلانهما مناطق خالية من الإرهاب لأول مرة، منذ عام 2011. على ما يبدو، لم يكن أكثر من حركة استباقية، قامت بها كل من واشنطن وحلفائها، لمنع الجيش السوري وحلفائه، من الوصول لفتح معركة (الجنوب) بحجم هذه المعركة الجوهرية والأساسية، في سياق الصراع العربي – الإسرائيلي. فالوصول لهذه المرحلة من الحسم، يعني شيئا واحدا فقط، هو موت الحلم الإسرائيلي الذي ولد وعاش وسيموت إرهابيا، أقلها حسبما تقول الوقائع الميدانية ... 

التحركات المكوكية على جميع الأصعدة، وفي جميع الاتجاهات، التي واكبت وجهة الجيش السوري ما بعد دمشق وريفها، لم تزل مستمرة على أشدها من قبل أطراف العدوان، تحت ذريعة أساسية هي ضرورة إلغاء (التواجد الإيراني  المزعوم) في الجنوب السوري، مقابل عودة الجبهة الجنوبية إلى ما كانت عليه، عند خط فصل القوات عام 1974، والذي انتهكته إسرائيل، من خلال دعمها إرهابيي النصرة وغيرهم، على مدى عمر الحرب.

ربما يفسر ذلك، زيارة أفيغدور ليبرمان وزير الأمن الإسرائيلي الأخيرة إلى موسكو، على رأس وفد أمني يوم الخميس 31 مايو الفائت، وما تبع الزيارة من تصريحات الكرملين، عن اتصال بين  بوتين - نتنياهو حول  آخر التطورات، وخاصة على الصعيد السوري.

كذلك تأكيد مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، خلال مؤتمر عقده أمس الجمعة، في مقر الأمم المتحدة، بمناسبة تولي روسيا رئاسة مجلس الأمن الدولي لشهر يونيو الحالي، التوصل لاتفاق حول سحب القوات الإيرانية من جنوب غرب سوريا قرب الحدود مع إسرائيل، وتوقع تطبيقه خلال أيام.

وبغض النظر عن هذا الجدل حول - الوجود الإيراني - الذي تؤكده القيادة السورية على أنه استشاري ومحدود وشرعي، وتنفيه على أنه عسكري ( قواعد وقوات)، فإن الاتفاق بحد ذاته، أسقطه وزير الخارجية السوري وليد المعلم، في مؤتمره الصحفي الذي عقده ظهر السبت 2 يونيو الجاري، بالضربة القاضية، بقوله: "لا تصدقوا أي تصريح، أو اتفاق بشأن الجنوب، قبل انسحاب القوات الأمريكية من التنف". 

ليربط بذلك ماهية أي اتفاق يتم الحديث عنه، أو التوصل له، من قبل أيا كان من أطراف حليفة أو غيرها، بهذا الانسحاب، فالانسحاب الأمريكي هو عنوان أي مرحلة قادمة سلما أو حربا، بحسب رسائل المعلم، رأس الدبلوماسية السورية..!

ما فات الأمريكي وحلفاؤه خاصة الإسرائيلي منهم، أن ماء خوذهم البيضاء التي غسلت كيمائي "النظام" المزعوم، في أكبر مسرحية هزلية عرفها تاريخ سياساتهم الفاشية، للتدخل في مصير الشعوب حتى اليوم، لم يجف بعد عن ارض دوما، إمارتهم السابقة في الغوطة الشرقية، ولا عن غيرها من الأراضي السورية، التي عاث فيها إرهابيهم أو وجودهم طيلة سبع سنوات ماضية. 

ما يعني بالضرورة، أن كل اتفاق لا يكون عنوانه رحيل الأجنبي  وزوال الإرهاب ومظاهره عن كامل الأرض السورية، هو اتفاق غير ملزم للقيادة السورية، مهما كانت أطرافه.

"هذه أرضنا، وهذا حقنا، ومن واجبنا تحرير تلك المنطقة. وعلى الأمريكيين أن يغادروا، وسيغادرون بشكل ما. أتوا إلى العراق دون أساس قانوني، وانظر ما حل بهم. عليهم أن يتعلموا الدرس. العراق ليس استثناء، وسورية ليست استثناء. الناس لم يعودوا يقبلون بوجود الأجانب في هذه المنطقة."

كانت هذه رسالة الرئيس بشار الأسد لأمريكا وأدواتها، حول تواجدها الغير شرعي في بلاده، في أخر إطلالة له خلال مقابلة أجرتها معه قناة روسيا اليوم، نشرت صباح الخميس 31 مايو الفائت، فهل وصلت الرسالة؟ وهل سيتعلموا الدرس هذه المرة، بشكل أفضل؟

بين مؤشرات الخروج الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني، وما خلّفه من قلق في العلاقة مع الشريك الغربي للسياسات الأمريكية، وصولا للتجاذبات الأخيرة، الحاصلة في المسألة الكورية وتطوراتها، وما بين ذلك من حروب اقتصادية كبرى، لا زال الرماد يسيطر على نيرانها حتى الآن، وصولا للفقدان الشبه تام للمناورة في الملف السوري، يبدو أن الارتباك الاستراتيجي الأمريكي يتفاقم بزعامة ترامب وصقوره. 

فهل هي بداية الحصاد المر لأمريكا، وهزيمة سياساتها في هذا الشرق؟ وهل شاءت الأقدار أن تكون سورية هي منصة إعلان هذه البداية..! كما كانت عبر التاريخ، أرض الانطلاقات والحضارات خيرا ونصرا ...