مقبرة الجيوش الكلاسيكية...أهلا بكم في الشرق الأوسط الجديد

مقبرة الجيوش الكلاسيكية...أهلا بكم في الشرق الأوسط الجديد
10.10.2019

شهدت منطقة الشرق الأوسط تغيرات جذرية خلال السنوات العشر الأخيرة طالت العديد من البلدان العربية المتواجدة في هذا الإقليم الجغرافي الضيق الذي اتسم بالصراعات والحروب التاريخية المستمرة تاريخيا نظرا لأهمية المنطقة الاستراتيجية والجيوسياسية في العالم بالإضافة إلى الموارد الطبيعية الكثيرة الموجودة في هذه البقعة من الأرض.

أدى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما تلاه من أحداث في المنطقة إلى نشوب حريق كبير انتشرت شرارته لتشمل دولا عربية لطالما تميزت بهدوئها وعاش شعبها بسلام دون ذكر الأمور والمشاكل الحياتية للناس التي بدأت بالتفاقم مع السنوات ودخول عناصر وأدوات اجتماعية جديدة على المجتمعات جعلت من السلام فوضى عامة استطاعت خلاله إسقاط رؤساء وزعماء وأنظمة لها تاريخ وباع طويل في منطقة الشرق الأوسط.

وفي غمرة هذه التحولات والتغيرات في المنطقة برزت حالة مستجدة في ثقافة الحروب ألا وهي الجيوش غير النظامية والتقليدية والتي تسمى أيضا بغير الكلاسيكية، حيث ظهرت وتصاعدت تدريجيا على حساب الجيوش النظامية التي برهنت أن عصرها توقف مع تاريخ أخر معركة بين جيشين كلاسيكيين في منطقة الشرق الأوسط.

وبحسب دراسات عسكرية دولية أشارت أن الجيوش الوطنية لم تعد هي المحتكر الشرعي الوحيد للقوة العسكرية في بعض دول في منطقة الشرق الأوسط، حيث شهدت السنوات الأخيرة تعاظم تأثير العناصر المسلحة غير النظامية إلى درجة إطلاق الأدبيات عليها بالجيوش الموازية والتي تتألف من مجموعات وكتائب وتنظيمات مسلحة متدربة تدريبا يضاهي تدريب الجيوش التقليدية وتعلوه بالكفاءة والامكانيات العسكرية.

هذه الظاهرة وسعت من دائرة انتشارها نتيجة الفوضى والحروب والنزاعات الذي بدوره انعكس على ضعف الأنظمة والدول ما أدى إلى سيطرتها على مساحات جغرافية في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة بدول كبرى، بالإضافة إلى امتلاكها للموارد المطلوبة والقدرات التسليحية والمالية عدا عن العلاقات الإقليمية والدعم الخارجي لها.

ومن أبرز هذه الظواهر المنتشرة في دول عربية شهدت أحداث جذرية منها سوريا التي ظهرت فيها تنظيمات إرهابية كـ"داعش" وفصائل الجيش السوري الحر وغيرها من الفصائل وأخرى موالية للدولة السورية ومنها قوات الدفاع الوطني بالإضافة إلى فصائل كردية سيطرت على مناطق شاسعة وبات لها نفوذ كبير ومنها "قوات سوريا الديموقراطية" وفي العراق ظهرت قوات الحشد الشعبي والتي كان لها دور كبير بمحاربة التنظيمات الإرهابية في ظل تفكك الجيش العراقي ولبنان الذي خرج من حرب أهلية بقيت فيه سلطة الدولة ضعيفة مع انتشار حكم الأحزاب والتنظيمات ومن بينها "حزب الله" الذي ساهم بتحرير البلاد من الاحتلال الإسرائيلي وخاض حرب تموز 2018 ضد أقوى جيوش العالم واستطاع فرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة لردع إسرائيل.

كما في ليبيا ومع سقوط القذافي دخلت البلاد في حرب تنظيمات ومليشيات متنوعة قسمت البلاد إلى مناطق ودويلات خاصة والوضع في اليمن الشبيه بالسيناريو الليبي لكنه أكثر اتساعا من خلال دائرة التأثير الخارجي التي وصلت إلى حدود دول إقليمية متعددة أبرزها السعودية وإيران والإمارات.

ايجابيات وسلبيات الجيوش غير الكلاسيكية وتأثيرها على دول منطقة الشرق الأوسط

استطاعت الأحداث والحروب الأخيرة من إظهار حالة هامة للجيوش والتي أصبحت تشكل قوة عسكرية يُعتد بها وأصبح مصدر قوة في بعض بلدان ومنها في لبنان كـ"حزب الله" نظرا لعدم إمكانية الجيش اللبناني على مواجهة الجيش الإسرائيلي.

دفعت الأحداث والحروب التنظيمات إلى التطور في الميدان العسكري من خلال تعلم تقنيات عسكرية جديدة قادرة اليوم على تغيير معادلات هامة في منطقة الشرق الأوسط بحيث أصبحت الولايات المتحدة عاجزة عن شن حرب جديدة في المنطقة مثلما كان ذلك خلال حرب غزو العراق.

وساهمت هذه الظاهرة إلى تشكيل تحالف عسكري جديد بين جبهات عسكرية في دول عربية مختلفة لديها نظرة واحدة على الكثير من الأمور الجيوسياسية والاستراتيجية في المنطقة  جمع خلالها تنظيمات من لبنان وفلسطين وسوريا والعراق وصولا إلى اليمن.

أما أبرز سلبيات ظهور الجيوش غير الكلاسيكية في دول الشرق الأوسط لعله سيؤثر على إبقاء الدول وأنظمتها ضعيفة وبدون قرار موحد قادر على اتخاذه، والتأثير الخارجي على المكونات الأقوى أي التنظيمات التي تطبق مصالح الدول الأخرى على أراضيها.

كما سيساهم الوضع الراهن بتعميق الفوضى في المجتمعات المنقسمة داخلياما يمثل نتيجة مباشرة لضعف بنية الدولة واختراق القوى الاجتماعية لها بما يؤدي إلى اتساع ظاهرة الولاء إلى ما دون الدولة.

كما ستساهم الظاهرة بانتعاش السوق السوداء للأسلحة خصوصا مع تفكك الجيوش النظامية واستيلاء شبكات أو جماعات مصالح اقتصادية على أسلحة الجيوش، والتي تقوم بالاتجار بها في السوق السوداء وبيعها للتنظيمات المسلحة المختلفة.

وأخيرا يمكن لهذه الظاهرة أن تزيد من حدة الصراعات الداخلية العربية المسلحة بعد تصاعد التنافس بين الجيوش الموازية وليبيا مثالا على ذلك. بالإضافة إلى الإزدياد التدخلات الدولية والإقليمية في الشؤون الداخلية للدول، حيث لم تعد السيادة الوطنية تحظى بأهمية وقدسية خاصة، وباتت بعض القوى الإقليمية والدولية تدعم أحد الجيوش غير الكلاسيكية داخل هذه الدولة أو تلك على نحو ساهم في تحويل مسارات الصراعات المسلحة في الإقليم من النطاقات الداخلية إلى الأبعاد الإقليمية الممتدة، والنتيجة أن التسوية صارت مرهونة بتوازنات إقليمية وتفاهمات دولية.