مضيق هرمز الذهبي... وخطر انسداد شريان النفط العالمي

23.07.2019

تستفز الولايات المتحدة إيران لإغلاق مضيق هرمز، الذي تقول أنها أسقطت فيه الطائرة الإيرانية منذ أيام. يمكن أن يؤدي اختناق الشريان النفطي الرئيسي في العالم إلى أزمة اقتصادية عالمية وحرب عالمية في الشرق الأوسط. ولن تذهب طهران في هذا الاتجاه.

أهم الممرات المائية العالمية

يوجد العديد من المساحات المائية في العالم، والتي بدونها يكون الأداء الطبيعي للاقتصاد العالمي مستحيلاً. وتتواجد معظمها في أوراسيا. فيعتبر مضيق ملقا المليء بالقرصنة هو نافذة الصين واليابان إلى إفريقيا وأوروبا.

النقاط الإستراتيجية في الشرق الأوسط هي مضيق باب المندب، وقناة السويس المصرية. تسمح هذه المعابر الرئيسية المائية للسفن بالوصول من آسيا إلى أوروبا والعكس، دون الالتفاف على القارة الأفريقية الممتدة من الشمال إلى الجنوب. قامت الصين بسبب أهمية هذه الممرات، بعد الولايات المتحدة، ببناء قاعدة عسكرية في جيبوتي الأفريقية.

يؤدي الدور الرئيسي في أوروبا، مضيق جبل طارق والبوسفور مع الدردنيل. على الرغم من أن الحروب الاستعمارية أصبحت أساساً للتاريخ، إلا أن ورثة الإمبراطوريتين البريطانية والإسبانية ما زالوا يجادلون حول ملكية جبل طارق وهو قطعة أرض تبلغ مساحتها 6.5 ألف متر مربع. وتصاعد النزاع بسبب قرار بريطانيا بمغادرة الاتحاد الأوروبي. احتجز البريطانيون قبل أسبوعين الناقلة الإيرانية جريس 1 قبالة ساحل جبل طارق. وإذا كان جبل طارق البريطاني هو البوابة إلى البحر الأبيض المتوسط​، فإن البوسفور هو البوابة إلى البحر الأسود. زادت أهمية القناة التي تسيطر عليها تركيا بعد اندلاع الصراع الأوكراني ودخول سفن الناتو بشكل متكرر إلى البحر الأسود.

كما يتضح، فإن حصة الأسد من العقد الاستراتيجية تقع في آسيا.

توجد في نصف الكرة الغربي، قناة بنما، التي تربط بين المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي. وتم بناء القناة عندما كانت بنما محمية للولايات المتحدة. سلّم الأمريكيون في عام 1999 هذه القناة إلى الحكومة البنمية، لكن بحكم الواقع ظلوا مسيطرين عليها. قرر الصينيون من أجل عدم الاعتماد على واشنطن بناء قناة بديلة في نيكاراغوا المجاورة.

الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز

يحتل مضيق هرمز مكاناً مميزاً في هذه القائمة من الممرات المائية الرئيسية للاقتصاد العالمي. يقع مضيق هرمز بين إيران وعمان ويبلغ عرضه 33 كم في أضيق نقطة له، وهو ممر النفط الرئيسي في العالم. ويمر عبره 30 ٪ من النفط المنقول عن طريق المياه ونفس الكمية من الغاز الطبيعي المسال. تبلغ الكمية مقدرة بالبرميل 22.5 مليون برميل يومياً، وهو ما يمثل ربع الإنتاج العالمي، أو إجمالي إنتاج النفط في الولايات المتحدة وروسيا.

يعتبر مضيق هرمز بالنسبة لستة دول من أوبك، العراق والكويت والسعودية والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة، السبيل الوحيد لتصدير النفط. تصدر قطر من خلاله أيضاً معظم الغاز الطبيعي المسال. حوالي 80 في المائة من النفط المصدر موجه للأسواق الآسيوية.

المستورد الأكثر اعتماداً هو اليابان (80٪)، ثم دول أوروبا الغربية (23٪) والولايات المتحدة الأمريكية (13٪).

المشاكل الجيوسياسية

يعتبر مضيق هرمز ليس فقط أهم ممر اقتصادي، ولكنه أيضاً أحد أكثر المناطق المتنازع عليها في العالم. لا تزال الإمارات لا تستطيع المشاركة مع الإيرانيين في الجزر الثلاث: الطنب الكبرى، الطنب الصغرى، وأبو موسى. مقابل هذه السواحل هاجمت القوارب الإيرانية الناقلة البريطانية البريطاني، ولكن فرقاطة من البحرية الملكية لبريطانيا العظمى تصدت لهم.

أصبح مضيق هرمز كارثة بالنسبة للسفن الأجنبية، خلال الحرب الإيرانية العراقية 1980-1988. فبعد أن انفجرت الفرقاطة الأمريكية صموئيل روبرتس بواسطة الألغام الإيرانية، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية عملية السرعوف وأغرقت الفرقاطة الإيرانية سخند وعدة سفن أصغر. قام الطراد الأمريكي Vincennes في عام 1988 نفسه، بتدمير سفينة الركاب الإيرانية Airbus A300.

هاجم تنظيم القاعدة ناقلة نفط يابانية في مضيق هرمز في عام 2010. وكانت جمهورية إيران الإسلامية في هذا الوقت تهدد بشكل متكرر بإغلاق المضيق رداً على العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وقع الوسطاء الدوليون الستة في عام 2016، بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والولايات المتحدة، "صفقة نووية" مع إيران لتهدئة التوتر. ولكن بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في العام الماضي وفرض عقوبات نفطية ضد إيران، استؤنفت الحوادث.

تهديدات بإغلاق مضيق هرمز

تعرضت أربع سفن في منتصف أيار من هذا العام للهجوم قبالة ساحل الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك ناقلتان سعوديتان. وتم أيضاً بعد شهر، في 13 حزيران، الهجوم على ناقلتين نرويجية ويابانية. واتهمت الولايات المتحدة الإيرانيين بذلك. بعد أسبوع، دمرت جمهورية إيران الإسلامية الطائرة الأمريكية بدون طيار فوق مجالها الجوي. وأبلغ دونالد ترامب أن سفينة أمريكية في مضيق هرمز أصيبت بواسطة طائرة بدون طيار إيرانية على بعد 900 متر.

ترافقت الاشتباكات في المنطقة بتهديدات إيرانية لإغلاق أبواب الخليج العربي.

يجمع البنتاغون رداً على ذلك، تحالفاً من الشرق الأوسط ويوضح أنه مستعد للدفاع عن ناقلات النفط وحرية الملاحة.

لماذا تغلق إيران مضيق هرمز؟

لم تتغير دوافع طهران. إنها اقتصادية. كما كان الحال قبل توقيع "الصفقة النووية"، فإن إيران تقع تحت ضغط العقوبات. على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي الآن، بعد الولايات المتحدة ، لم يفرض عقوبات بل يحمي خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران، إلا أن الخوف من معاقبتها من جانب واشنطن أجبر الشركات الأوروبية (توتال وإيني وسيمنز) على إنهاء أصولها في إيران.

بموجب شروط خطة العمل المشتركة، لا ينبغي على إيران تطوير أسلحة نووية في مقابل إلغاء العقوبات الدولية. أوفت إيران بجزء من الاتفاقية، لكنها لم تتلق العوائد الاقتصادية الموعودة. بالنظر إلى أن طهران ليس لديها أدوات أخرى للتأثير على منتهكي الاتفاق، فإنها تنتقل إلى الاستعمال العنيف لنفوذها، وتهدد بإغلاق أبواب الخليج العربي.

ماذا يحدث إذا أغلقت إيران المضيق؟

يعتقد بعض الخبراء أن الولايات المتحدة تستفز إيران عمداً لإغلاق المضيق. وتستفيد الولايات المتحدة من خطوات إيران القاسية لإقناع شركائها الأوروبيين بالانضمام إلى العقوبات.

إذا أغلقت إيران مضيق هرمز، فسوف يتم تفسير تصرفاتها، بموجب القانون الدولي، على أنها انتهاك لحرية الملاحة. وستهاجم الولايات المتحدة على الأرجح السفن الإيرانية لحماية حلفائها، مما يعيق الطريق أمام الناقلات. فيوجد في البحرين مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية. وسوف يتم دعمهم من الجو بواسطة مقاتلين أمريكيين متمركزين في قاعدة العريض الجوية في قطر.

لا يمكن لإيران التنافس مع الولايات المتحدة، سواء في البحر أو في الجو، لكن يمكنها أن تواجه حلفاء أمريكا. فيمكن أن يقوم الحوثيون في اليمن بتجديد القصف على المدن السعودية، في حين يمكن للشيعة السعوديين التمرد في المحافظات الشرقية والغربية للمملكة. ويمكن أن يكون حزب الله أكثر نشاطاً ضد إسرائيل من أراضي سوريا ولبنان. ويعاني الجيش الأمريكي من مشكلة أيضاً في العراق، لأن لإيران تأثير على القوات الشيعية المحلية.

إذا بدأ الأمريكيون في مهاجمة الأراضي الإيرانية مباشرة، فيمكن لإيران أن تضرب صواريخها الباليستية على القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة (الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والبحرين) وعواصم حلفائهم.

إيران لن "تطلق النار على نفسها"

سيؤدي إغلاق مضيق هرمز إلى حرب إقليمية كبيرة ستتسبب في أضرار اقتصادية، ليس فقط لإيران والإمارات العربية المتحدة وبقية دول أوبك، ولكن للعالم أجمع. يمكن في يوم واحد، أن يفقد العالم ربع إمداداته النفطية. وسيؤثر هذا النقص في الوقود، إلى جانب ارتفاع الأسعار، على أكبر الاقتصادات المعتمدة على الطاقة في العالم - الصين والاتحاد الأوروبي - وقد يؤدي إلى أزمة مالية عالمية.

على الرغم من كل استياء الغرب، لن تغلق إيران مضيق هرمز. تصدر إيران معظم نفطها من خلال هذا الممر مثل الإمارات والكويت وبقية دول المنطقة. إغلاقها يشبه "إطلاق النار على نفسك".

طرق بديلة

يفهم جميع اللاعبون الإقليميون الكارثة التي سيؤدي إليها تقييد حرية الملاحة في الخليج العربي. ومع ذلك، يقومون بتطوير طرق بديلة لتوصيل النفط والغاز. فتحت الإمارات العربية المتحدة في عام 2012 خط أنابيب نفط من أبو ظبي إلى الفجيرة، وحددت المملكة العربية السعودية خط أنابيب للغاز يربط محطة في البحر الأحمر بحقول في المحافظات الشرقية. ويشارك الإيرانيون أنفسهم أيضاً في تنويع طرق النفط. فافتتحوا ميناء تشابهار على شواطئ المحيط الهندي.

من الضروري هنا الإشارة إلى أن الحرب الحالية في سوريا هي نتيجة مباشرة لرغبة إيران والمملكة العربية السعودية وقطر في تجاوز مضيق هرمز. عندما رفضت دمشق للسعوديين والقطريين في بناء خط أنابيب للغاز يذهب مباشرة إلى شواطئ البحر المتوسط ​​، واختارت مشروع إيران والعراق وسوريا، بدأت هذه الدول في دعم الإسلاميين الذين كانوا يحاولون الإطاحة بالدولة السورية.

إن إغلاق مضيق هرمز يحمل معه خطر حدوث أزمة اقتصادية عالمية وحرب إقليمية كبيرة. تفهم إيران أن هذه الأزمة ستدمر اقتصادها، فمن غير المرجح أن تتخذ مثل هذه الخطوة، التي، رغم ذلك، لا تمنعها وبلدان أوبك الأخرى من البحث عن بديل لمعبر النفط الرئيسي في العالم.