الولايات المتحدة تبدأ رسميا إجراءات إدانة ترامب

18.07.2017

بدأت الولايات المتحدة إجراءات اتهام الرئيس دونالد ترامب بشكل رسمي. حيث قدم اثنان من الديمقراطيين في الكونغرس مادة إقالة الرئيس ترامب للنظر فيها من قبل مجلس النواب. وقد توصلوا إلى هذا القرار بعد أن حدثت فضيحة تتعلق بروسيا مرة أخرى. هذه المرة هي فضيحة تتعلق بدونالد ترامب الابن، الذي يمكن أن يتهم بخيانة الدولة. وبذلك يمكن للمشرعين الأمريكيين أن يتفوقوا حتى على ستالين ( الذي عرف بالدكتاتور السفاح)  والذي أعلن أن "الابن لا يتحمل مسؤوليات والده". وتأخذ  الولايات المتحدة هذا الأمر على محمل الجد وتقول:  إن الأب يجب أن يكون مسؤولاً عن تصرفات ابنه البالغ حتى وإن لم يكن موافقا عليها، و حتى لو لم يعترف بأنه فعل أي شيء خارج عن القانون. 
إن التحقيق الذي لم يبدأ بعد إضافة إلى عدم وجود أدلة كافية ليس له أدنى علاقة بهذه الاتهامات. فأمريكا  تعيش في عالم افتراضي مجنون تماما يتم خلقه من قبل وسائل الإعلام الرئيسية حيث يعتبر "صيد الساحر ( تصيد الوجوه الإعلامية المعروفة) " هو أعظم إنجاز وحتى أنه يعتبر واجباً وطنياً.

إنه مذنب و من الواجب معاقبته:
وفى وثيقة عرضت على مجلس النواب يوم الأربعاء اتهم شيرمان الرئيس ترامب بعرقلة العدالة أثناء التحقيق فى الحقائق غير الموجودة حول تدخل روسيا فى الانتخابات الأمريكية. ويعتبر عضو الكونجرس أن قرار ترامب برفض تدخل مدير مكتب التحقيقات الفدرالي، جيمس كومياس واحداً من هذه الحقائق. حيث تم اعتبار هذا القرار وسيلة لمنع جيمس كومياس من الحصول على الحقيقة. على الرغم من أن ترامب قرر اتخاذ هذه الخطوة فقط لأن كومياس قد انغر بنفسه كثيرا بعد هزيمة منافسته هيلاري كلينتون وبدأ يفكر ​ في القوى الرئاسية علناً.
و يعترف شيرمان بأن هذه المبادرة، التي نأى زعماء الحزب الديمقراطي أنفسهم عنها، والتي توافقت مع معاداة العديد من المشرعين الجمهوريين لترامب، هي بداية عملية طويلة جدا. لكنها ليست مخيفة، فقد استغرق الأمر عامين لطرد الرئيس ريتشارد نيكسون من البيت الأبيض بعد فضيحة ووترغيت. و في الوقت الحالي مهما كانت أسباب هذه الإدانة ضعيفة فإن الصحافة تقول أنها صحيحة ومعظم معارضي ترامب يوافقون على ما تقوله الصحافة.

هل يتحمل الأب مسؤولية أفعال ابنه؟:
لم يقدم شيرمان مادة الاتهام في مجلس النواب عن طريق الخطأ بعد يوم واحد من تصريح  ترامب الابن ​​بأنه و خلال الحملة الانتخابية التقى المحامية الروسية ناتاليا فيسلنيتسكايا لمدة 20 دقيقة، حيث أراد الحصول على معلومات منها حول مصادر مشكوك في تمويلها لحملة كلينتون الانتخابية، لكنه لم يحصل على أي شيء. في ذلك الوقت، لم تبدأ الهستيريا المناهضة لروسيا في الولايات المتحدة، ويبدو أن مثل هذا الاجتماع غير مؤذ بالمقارنة مع الانتهاكات الفظيعة والفساد الذي ساد في بيئة كلينتون، والتي أغضبت في نهاية المطاف قيادة مكتب التحقيقات الفدرالي المعروف.

عضو الكونغرس سعيد، فقد تم إيجاد الآلية القانونية لإزالة ترامب  ل"حماية البلاد من حالات إساءة استخدام السلطة وعرقلة سير العدالة وعدم التسامح والجهل" وسيتم تنفيذها فى المستقبل إذا تلقت هذه المبادرة دعما كافيا من الجمهوريين. و بشكل عام، تم وضع الألغام الموقوتة تحت الرئيس الأمريكي، وفي يوم ما ستنفجر.

ففي تاريخ الولايات المتحدة، كان هناك ثلاثة رؤساء قريبون جدا من الإدانة.  أندرو جاكسون في عام 1868 وبيل كلينتون في عام 1998. ولكن  مجلس الشيوخ، لم يكن بمقدوره فعل شيء في كلتا الحالتين لأن نسبة الثلثين من الأصوات لم تتحقق. أما في عام 1974، فقد استقال الرئيس ريتشارد نيكسون من تلقاء نفسه لتجنب الإدانة الوشيكة.

رسوم المحامين:
إن مثل هذه الإدانات تسعد المحامين أيضا لأنه ليس من الصعب عليهم خلق الانطباع بالذنب أو البراءة لشخص ما. وهم يعرفون كيفية القيام بذلك. فمعارضو الرئيس الأمريكي الحالي لديهم موارد مالية ضخمة، وبالتالي فإن قصة عابرة لترامب الابن تعتبر بمثابة هدية حقيقية بالنسبة لهم.
لذلك، يعتقد بول ريان، وهو ممثل المنظمة العامة للرقابة العامة، أن نجل الرئيس يمكن أن يتهم بانتهاك القانون الاتحادي بشأن الحملات الانتخابية، حيث يحظر على الأجانب المساهمة في الحملات السياسية في الولايات المتحدة كما يحظر عليهم تقديم طلبات للحصول على هذه المساهمات، حتى وإن كانت مساهمات غير مادية. ويعتبر هذا المحامي أن رد "ترامب الابن" الحماسي للحصول على أدلة مماثلة على حملة كلينتون على أنه "طلب مساهمة ".
ويعتقد أستاذ كلية القانون بجامعة كنتاكي "جوشوا دوغلاس"، أن نشر مراسلات ترامب الابن يزيد من فرص بدء الإجراءات الجنائية ضده. و يقول أندرو رايت، وهو أستاذ كلية الحقوق في جامعة سافانا: "إن موافقة ترامب الابن على مقابلة فيسلنيتسكايا لمناقشة الإجراءات غير القانونية في حملة كلينتون من المفترض أن تكون سببا كافيا لبدء عرض التهم ضده "بدء المؤامرة".

الجمهوريون في الكونغرس الأمريكي ليسوا مستعجلين للتخلص من ترامب:

وقال ميتش ماكونيل وهو زعيم الاغلبية الجمهورية فى مجلس الشيوخ: " إنني أثق بلجنة المخابرات فى هذه القضية و التي تعمل على اتخاذ الإجراءات المناسبة بكاملها". ورفض التعليق على الاتهامات الموجهة ضد ترامب الابن، مشيرا إلى أنه يتعين عليه أن يعالج قضايا أكثر تحديدا وأهمية فى البلاد.
ووصف عضو مجلس الشيوخ الجمهوري أورين هاتش الاتهامات الموجهة الى ابن الرئيس بأنها "هراء لا يؤثر على إدارة ترامب".
وتساءل تشارلز جراسلى وهو رئيس اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ ولجنة مكافحة المخدرات عن كيفية دخول فيسلنيتسكايا إلى الولايات المتحدة. ولفت عضو مجلس الشيوخ الانتباه إلى أن المحامية الروسية المذكورة  لديها مشاكل في الحصول على التأشيرة الأمريكية، ولكن الإدارة السابقة هي المسؤولة عن هذا: ترامب لم يكن رئيسا وقتها وبالتالي لم يكن قادراً على التأثير في هذا الأمر  على الإطلاق، وهذا  السؤال يجب أن يوجه لأوباما ومسؤوليه.
"وقد رفض الرئيس ترامب تدخل مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي - ولكن ليس مكتب التحقيقات الفدرالي نفسه –  في هذا الأمر، فمكتب التحقيقات الفيدرالي سوف يغوص إلى عمق كل شيء، وأعتقد أنه سوف يكشف عن محاولات روسيا للتدخل في انتخاباتنا، وإذا دخل شخص ما في اتفاق معهم عليه أن يواجه العدالة، ولكن كل هذا هو تكهنات حتى يكمل مكتب التحقيقات الفيدرالى تحقيقاته". وأوضحت هذه المبادرة أنه إذا كان مكتب التحقيقات الفدرالي، الذي أساء له ترامب  بطرده لكومياس، قد أعلن أن ترامب الابن مذنب،  سيقع الرئيس ترامب في المشاكل.

الديمقراطيون لديهم نهج مختلف:
يتوقع الديمقراطيون فى الكونجرس الامريكى المزيد.

وقال عضو مجلس الشيوخ تيم كاين، الذي كان داعماً لكلينتون خلال الحملة، والذي كان سيصبح - في حال فوزها -  نائب الرئيس الأمريكي: "كل شيء يتحرك نحو شهادة زور وشهادة زائفة وربما خيانة".
وقال كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي مارك وارنرسيد: " نحن نتحدث عن محاولات السلطات الروسية في تشويه سمعة كلينتون ومساعدة ترامب"،  وأعرب عن رغبته بأن يقوم ترامب الابن بالإدلاء بالشهادة شخصيا.
وقد أكد كبير الديمقراطيين في لجنة الخارجية على الكلام الذي وجهه بن كاردين لترامب الابن: "إن الذهاب إلى هذا الاجتماع يعني التضحية بنفسك.  ولكي تفعل الشيء الصحيح، كان يتوجب عليك أن تبلغ السلطات حول هذا الاتصال، ولا أستطيع أن أفهم لماذا ذهب ترامب الابن إلى هذا الاجتماع ومن نصحه بأن يفعل ذلك". إن هذا التلميح واضح جدا: بطبيعة الحال، طلب ترامب من ابنه أن يجتمع مع محامية الحكومة الروسية. وبالمناسبة قال ترامب نفسه إنه قد عرف عن هذا الاجتماع قبل بضعة أيام فقط من حدوثه وأنه معجب بصراحة ابنه الذي نشر مراسلات إلكترونية بشأن هذا الاجتماع وأنه مستعد للإجابة على جميع الأسئلة التي طرحها مجلس الشيوخ و المدعي الخاص في روسيا.
هذا وقد نفت فيسلنيتسكايا بأنها كانت تعمل لصالح الحكومة الروسية في المقابلة التي عرضتها القناة التلفزيونية الأميركية (ان بي سي NBC ) يوم الثلاثاء، وذكرت أنها لا تملك أي دليل على كلينتون. ولهذا  السبب قال ترامب الابن عن الاجتماع القصير الذي أجراه معها بأنه "مضيعة للوقت" . وقال أعضاء الكرملين أيضا أنهم لا يعرفون هذه المحامية.
وأكدت فيسلنيتسكايا في المقابلة التي أجريت معها أن ترامب الابن قد سألها سؤالاً واحد فقط وهو: "هل لديك أية وثائق مالية يمكن أن تثبت أن الأموال المستخدمة لتمويل حملة الديمقراطيين (حملة كلينتون) جاءت من مصدر غير لائق؟". ووفقا لأقوالها، فقد دافعت خلال المحادثة  عن مصالح الشركة التي تعمل فيها، والتي عانت من "قانون ماغنتسكي" (وهو القانون الذي أقره مجلس الكونغرس الأمريكي والذي يسمح بفرض عقوبات على الشركات التي تزعم واشنطن أنها تورطت بقضايا الفساد)، ولكن ترامب الابن لم يكن مهتما بذلك على الإطلاق. كما ذكرت أنها لم تطلب من أحد هذا الاجتماع ولم تعرف اسم الشخص الذي ساعدها في تنظيمه.

من هو هذا "الشرير"؟:
ووفقا لمراسلات ترامب الابن التي نشرها، فقد تم تدبير هذا الاجتماع من قبل  الناقد الموسيقى روب غولدستون، الذي بدوره، نقل هذا الطلب نيابة عن المطرب الروسي إيمين أغالاروف، والذي يعرفه ترامب الابن شخصيا. و وفقا ل (أر تي RT )، فإن محامي المغني لا ينكر أنه تم تمرير هذا الطلب ولكن لا شيء أكثر من ذلك. كل ما يتعلق ب "التنازل عن الأدلة" حول كلينتون هو كذبة. فالمحامية الروسية التي تعمل لصالح شركة خاصة لم يكن ولا يمكن أن يكون لديها أي أدلة مساومة على وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة. ويبدو أن شخصا ما قد اختلق هذا الموضوع لجذب انتباه محيط ترامب والحصول على موافقة للاجتماع من أجل مناقشة شيء آخر تماما.

هل يعمل الهواة في المخابرات الروسية؟:
إذا كانت روسيا تريد حقا أن تساعد ترامب بهذه الطريقة، فإن موسكو لن تستخدم مثل هذه الطريقة المشكوك بها لإجراء الاتصالات - البريد الإلكتروني العادي- لتقول لترامب الابن : " سنقدم لك بعض الوثائق والمعلومات الرسمية من أجل تجريم كلينتون مع روسيا وهذا سيكون مفيدا جدا لأبيك ".
ومع ذلك، فإن أي هراء متعلق بترامب يتم قبوله على الفور في الولايات المتحدة، ويعتبر حقيقة من قبل منتقديه. وهذا بطبيعة الحال بعيد عن عبارة "أدلة مساومة".

ومن المثير للقلق أن الفترات الفاصلة بين الفضائح حول ترامب تتناقص. و قريبا سوف تتحول إلى فضيحة مستمرة ترتبط فقط مع روسيا. إنها حالة مرضية متفشية، ولكن ماذا يمكننا أن نفعل؟.