الثورة اللبنانية وتشكيل الحكومة

07.12.2019

طالبت الثورة باستقالة الحكومة وتشكيل حكومة محايدة للإنقاذ الوطني مؤلفة من تقنيين غير حزبيين من خارج الاصطفاف الطائفي أو الحزبي الضيّق تستثني كل الفرقاء. وفي اليوم الثالث عشر أعلن الرئيس الحريري استقالة الحكومة فتحقق بذلك الهدف الأول من أهداف الثورة.

موقف الثورة من تشكيل الحكومة:

والثورة التي حرصت على عدم تشكيل اي قيادة لها وعلى عدم تسمية أي مشارك في الحكومة تَرَكَت التسمية للنواب في الاستشارات الملزمة وللرئيس المُكلّف في التأليف محتفظة بحق الاعتراض على الأسماء التي لا تملأ المواصفات والمعايير المعلنة من قبلها. ومن هذا المنطلق رَفَضت جميع الأسماء التي طُرِحَت لرئاسة الحكومة لغاية الآن، كما رَفَضَت الطريقة التي جاءت بهذه الأسماء تمسكاً منها بتنفيذ الدستور، وإيماناً منها بأن الشباب اللبناني المثقف قادر على إدارة الملفات بحِرَفِيّة وشفافية وقادر على انتشال البلد من قعر الأزمة.

تنسيق الثورة:

والثورة ليست على تنسيق مع أي جهة سياسية في الحكم أو مع أي اسم متداول كمرشح لرئاسة الحكومة أو أي جهة خارجيّة. فهي تعتبر أن الرئيس الحريري وكل الشخصيات الأخرى التي تداول الإعلام بأسمائها من ضمن فريق السلطة الفاشلة الفاسدة التي شاركت في الوصول إلى ما نحن عليه من انحدار. والثورة براء من تهمة الإملاءات الخارجية الأميركية أو غيرها برغم بعض التصريحات التي صدرت عن جهات معيّنة أو بعض محاولات استغلال الثورة من قبل بعض أحزاب السلطة الفاسدة أو الفاشلة المرفوضة أصلاً من قبلها.

المتضررون من الثورة:

موقف الثورة هذا أربك السلطة ودَفَعَ رئيس الجمهورية إلى خيار تأجيل الاستشارات النيابيّة الملزمة المنصوص عليها في الدستور، ريثما يتم الاتفاق من خارج الاستشارات على اسم الرئيس المكلف، وفَتَحَ الباب واسعاً أمام التجاذب بين أهل السلطة على التكليف وعلى التشكيلة. وكأن الظروف عادية وتسمح لهم بإعادة تحاصص الوزارات، وتصنيفها إلى سيادية وخدميّة، ورئيسية وثانوية، وهزيلة ودسمة، واختيار ما يناسبهم منها، وترك الباقي كحسنة لغيرهم أو للوزراء الذين يحسبونهم ممثلين للثورة.

الواقع إن كل الطبقة السياسية الحاكمة متضررة من الثورة. لأن كل مكوّناتها كانت تسرح وتمرح في إدارة الملفات واقتسام كل شيء وخصوصاً المال العام، والاستفادة الشخصية منه دون حسيب أو رقيب، ودون وازع. أما المتضرّرون البارزون فهم حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، فإنهم يسعون إلى العودة إلى الحكومة على حصان المطالبة بحكومة تكنوسياسية، ويفضلون أن يترأّسَها الرئيس الحريري لأنه يشكل تغطية وحجّة لمشاركتهم فيها، لمخالفة ذلك مبدأ الثورة “كلن يعني كلن”. وأيضاً لأنهم يعتقدون بأنهم ما زالوا يمثلون قسماً كبيراً من الجمهور. وهم يصرّون على تمثيل هذا الجمهور في الحكومة أسوة بتمثيل جمهور الثورة بالرغم من أن الثورة لم تطالب بتمثيل كهذا.

المستفيدون من الثورة:

ربما كان الرئيس الحريري يعتبر نفسه مستفيداً اولَ من الثورة. فهو يقول إن التركيبة التي فرضت عليه في الحكومة المستقيلة لم تكن تناسبه ولا تناسب حلفاءه الإقليميين والدوليين لذلك يتمسك الآن بتأليف حكومة تكنوقراط سواءٌ كان هو رئيسَها أم غيره، ربما ليس حباً بالثورة وإنما استبعاداً لخصومه الحاليين شركاء الأمس في الفساد والفشل. وتتماهى هذه الاستفادة مع استفادة بعض الدول التي تعارض مشاركة حزب الله والمقاومة عموماً وتعتبرها منظمة إرهابية وتسعى إلى محاصرتها وعزلها “وتنشيف” مصادر تمويلها تمهيداً لإضعافها كي يسهل ضربها وتدمير قوتها العسكرية.

أما المستفيدون الآخرون، من فريق المشاركين في الحكومة المستقيلة، وهم تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي فهُم أيضاً يتساوون في رفض حكومة تكنوسياسية ليس حباً بالثورة وإنما استبعاداً للفريق الآخر وسعياً للمحافظة على القسم المؤيد للثورة من جمهورهم، والظهور أمام الشعب اللبناني بمظهر الضحية.

ومن المستفيدين من الثورة أيضاً بعض الأحزاب غير المشاركة في الحكم وبعض النواب المستقلين وبعض الشخصيات الوطنية المستقلة.

والمستفيد الأول والحقيقي من الثورة هو الشعب اللبناني تغييراً ووعياً واصلاحاً في إدارة البلاد على صعيد القضاء والمال والاقتصاد والسياسة، ووقفاً للسرقات والهدر، وحفظاً لثروات الوطن.

أعداء لبنان الخارجيون لا يستفيدون من الثورة بقدر ما يستفيدون من الفوضى والخلافات وتزكية النعرات وتحويلها إلى ثورة مسلحة. لأن نجاح الثورة يكمن في المحافظة على سلميتها من قبل مكوناتها، واستبعاد قمعها من قبل السلطة، لأنها تشكل في الوقت الحاضر، المعارضة الوحيدة الفعّالة، والبوتقة الصالحة لصهر الشباب في وحدة وطنية جامعة، تمثل تطلعات الشعب اللبناني إلى مستقبل مستقر آمن ومزدهر.