التداعيات الجيوسياسية لاستفتاء كردستان

17.09.2017

بعد سلسلة التصدعات التي شهدتها الامبراطوريات الكبرى عبر التاريخ وما أعقبها من تفكك للدول عقب الحرب العالمية الثانية وعقب ذلك تفككات ما بعد الحرب الباردة كالحالة التي شهدتها يوغسلافيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا ، نشهد أيضا توجها "جديدا قديما" بعد حروب "الربيع العربي" من الإرادة في تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ كإرهاصات لسلسلة من الأحداث والظروف الإقليمية والدولية كما نرى في حالة كردستان العراق التي يدعوا زعماؤها وعلى رأسهم مسعود البارزاني إلى استفتاء تقرير المصير .

هذا الاستفتاء ولو أنه ليس  استفتاءا تنفيذيا وبالرغم من شكليته إلا أنه قد يوجه الرأي العام الكردي نحو الذهاب للانفصال بشكل فعلي مستقبلا ، نظرا للظروف الصعبة التي تمر بها بغداد ودول الإقليم الأخرى التي يدخل المكون الكردي في صلب تركيبتها الاجتماعية ، ونقصد هنا إضافة للعراق دولا أخرى كتركيا، وسوريا وإيران . مما يجعلنا نطرح تساؤلا فحواه: لماذا في هذا الوقت بالتحديد؟، أو بالأحرى لماذا جاء هذا الاستفتاء في الوقت الذي حقق فيه العراقيون والسوريون انتصارات مبهرة في مواجهة تنظيمات إرهابية كداعش وغيرها؟ وهل دخلت الولايات المتحدة الأمريكية من بوابة الإثنيات كورقة بديلة عن ورقة الإرهاب الراديكالي الفاشل على الأرض وفي الميدان؟
- قبل أن نخوض في مسألة التأثير الخارجي ، يجب أن نُخضع المسألة لمقاربات الجغرافيا السياسية المختصة بدراسة المقدرات الجغرافية السياسية -الثابتة- للدول . فثمة في الأدبيات الأمريكية دراسات مفصلة تتناول ثلاثة موضوعات تهمها كثيرا وأصبحت متخصصة بها هي : الأرض السياسية ، والفضاء البحري والدولة الوطنية ، ويبدوا على كتب الجغرافيا السياسية المنتظمة ، وفقا للصيغة التي تستخدم لتمييزها عن غيرها وكأنها تنتمي إلى عائلة واحدة وهي عائلة القائمة Catalogue وتتخذ شكلا موسوعيا ، لكنها لا تقدم بداية  تفسير الحياة الدولية ، لكن لا أحد يمكنه الشك في وظيفتها المعلومية .

أما المرجعية الوضعية للجغرافيا السياسية المنتظمة ، أي وصف الوقائع السياسية المدرجة في الفضاء ، أو التي تحددها الجغرافيا ، فنجدها في الجغرافيا الفرنسية المعاصرة، وتنطوي أساسا على التشديد على مقولات الوقائع المتماهية مع الديمومات الجيوسياسية /ديمومة الحالة الجغرافية ، والهوياتية، وهي أكثر عرضة للنقاش ، وتلك المتغيرة في الزمن من حيث قيودها، ورهاناتها، أي الموارد الطبيعية/. وهذه المقاربة المغرقة في التحليل، تبقى ساكنة وإلى حد ما حتمية حتى حينما يتم الرجوع إلى وجود منظومة دولية، أو حينما تؤخذ بعين الاعتبار، الثورات التقنية التي تشكك بأولوية الدولة -الأمة.
-إن مثل هذه المقاربات الجغرافية السياسية والحديث عن ديمومة الحالة الجغرافية والديمومة الهوياتية ، أصبحت أكثر عرضة للاختراق والتفكيك في الزمن الحاضر ، خاصة في تلك الدول التي تعيش أزمات عقدية واقتصادية وسياسية.
إن المشروع الذي وُجِّه للعراق عبر جرعات مختلفة القوة، فشل في تحقيق أهدافه المرجوة، فالاحتلال الأمريكي الذي أراد أن يخرج من العراق ويتركه مقسما لكانتونين مذهبيين (سني وشيعي)، والمشروع الثاني الذي أرادت نفس الأيادي أن تقسم العراق من خلال الإرهاب الراديكالي، والذي كان يريد أن يخلق سدا جيوسياسيا بين دمشق /بغداد /طهران، وأراد أيضا أن يقسم العراق إلى ثلاثة كانتونات عرقية ومذهبية (كردي ،عربي سني وعربي شيعي) فشل هو الآخر، جاء الدور الآن لخطة ومشروع آخر يتمحور حول إعلان كردي لاستفتاء "شكلي" لتقرير المصير. وهو ما أثار جدلا كبيرا في العراق، ووصل الأمر إلى المستوى الذي يتم فيه الحديث عن حرب أهلية قريبا إذا تم هذا الاستفتاء والذي يعد أمرا خطيرا يهدد كينونة ووحدة العراق بحدوده المتعارف عليها دوليا وأمميا في المستقبل القريب ، لأن التشكيل الجغرافي للبلاد معرض لمشكلة أمنية خطيرة في مواجهة هذا التحدي .

فإذا ربطنا هذه الأحداث بما يقع الآن في سوريا من تقدم لما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية في ريف الرقة ومحافظات الشمال الشرقي لسوريا ذات الأغلبية الكردية ، وهو الفصيل العسكري الذي يتشكل عصبه الرئيسي من حركات كردية مسلحة لديها نزعة انفصالية مما يوحي بأن المعركة المقبلة والتي ستُؤرَّخ "بما بعد الحرب على داعش" ، قد تكون هذه المرة تحت عنوان "حرب الاستقلال الكردية" على العديد من الجبهات ، وكل المؤشرات تذهب بنا إلى هذه الخلاصة "الواقعية إلى حد بعيد" . والمفروض هنا أن تُقدِّم تركيا تنازلات كبيرة عن توجهاتها الخارجية تجاه دمشق وبغداد وأن تسير في نهج التعاون مع الحكومة السورية وأن تعمق شراكتها الاستراتيجية والعسكرية مع كل من إيران وروسيا الفاعلتين في سوريا خصوصا . لمنع هذه الحركات الانفصالية من تحقيق مآربها في المنطقة ، لأنها إن وصلت لتحقيق أهدافها في الانفصال عن العراق ستقع تركيا وسوريا في مأزق أمني جسيم إضافة للتهديدات الأمنية التي تعيشها الدولتان حاليا وقد يمس هذا التهديد وحدتها الترابية، كما يجب على الحكومة العراقية في بغداد أن تتعامل من موقع مالكة السلطة على كل التراب العراقي من أربيل إلى البصرة ، لا من منطق الحكومة المنسقة مع أربيل ، وكذا إدماج البيشمركة الكردية تحت لواء وزارة الدفاع العراقية ، وما أقصده هنا هو تفعيل بغداد لسلطتها على كامل التراب العراقي -وإن كان هذا الأمر متأخرا- ، كما يجب على الشركاء الإقليميين والدوليين أن يلعبوا دورا فاعلا وإيجابيا لإيجاد حلول سياسية ودبلوماسية فاعلة للحد من النزعة الانفصالية لهذه الاثنيات التي تدخل في صلب المكون المجتمعي للعديد من الدول في المنطقة والتي قد تفتح الباب على مصراعيه لبقية المكونات الأخرى للمطالبة بالانفصال عن الدولة-الأمة مما قد يؤدي لحالة أكبر من التشرذم والفوضى ، ولنكون على قدر لابأس به من الصراحة فإسرائيل "الجار السيء" تسعى إلى تحقيق الحلم الكردي للانفصال عن العراق وبقية الدول الأخرى التي تتكون من هذا المكون العرقي لكي تكون "دولة كردستان" بمثابة "الحديقة الاسرائيلية" والخط الإسرائيلي الأمامي والمتقدم لمحاصرة بعض الدول التي تعد كأقطاب امتياز -إن صح التعبير- في المنطقة وأقصد هنا تركيا وإيران.