السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط (خلق نزاعات أهلية ذات أبعاد دينية)

13.10.2019

سقط البعد الأخلاقي الذي تدعيه السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط سواء في فلسطين أو لبنان أو العراق أو أفغانستان أو السودان والصومال .. الخ من نواحي الشرق الأوسط الكبير.

ففكرة شرق أوسط جديد ينعم بالأمن والاستقرار والسلام والتنمية والحرية والديمقراطية تسعى إليه السياسة الخارجية الأمريكية ما هو إلا شعار زائف يغطي على الأهداف الحقيقية التي ترمي وتسعى إليها السياسة الخارجية الأمريكية.

دائماً ما تسعى الولايات المتحدة من خلال سياستها التي تبدو مضطربة في الشرق الأوسط إلى إدامة قضاياه ومشاكله وأزماته ذلك ما يوفر لها الظرف المناسب لإحكام سيطرتها عليه والإبقاء على تدخلها السافر في شؤونه العامة الداخلية والخارجية.

ويتزايد الدور المحدد الديني كلاعب رئيسي في عملية صنع القرار الأمريكي تجاه منطقة الشرق الأوسط، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتنامي قوة التيار اليميني المسيحي، خلال إدارة الرئيس الأمريكي "جورج دبليو بوش" وتحالفه مع تيار المحافظين الجدد.

وظهر هذا الدور في قضايا الصراع العربي - الإسرائيلي، ومكافحة الإرهاب. إذ عكست هذه القضايا بعدا دينيا واضحا في السياسة الخارجية الأمريكية، عبرت عنه طريقة معالجة الإدارة الأمريكية لهذه القضايا.

وهناك  كتاب يحمل عنوان ( محمد : مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين )، المثير أن مؤلف هذا الكتاب ( جورج بوش ) 1796 - 1856 وهو الجد الأكبر لجورج بوش الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية كان أستاذاً في جامعة نيويورك متخصصاً في اللغة العبرية وكان من البارزين في دراسة حفريات النصوص القديمة وأسفار ( العهد القديم ) " التوراة كما كان واعظاً دينياً في علم اللاهوت والأديان ، وقد انحصرت على ما يبدو معظم نشاطاته في المراكز العلمية والدينية والمؤسسات الجامعية ومازالت هذه الدراسات في الجامعات الأمريكية والغربية عامة تمثل المصدر والمرجع للعديد من الأبحاث الجامعية التي شكلت بعد ذلك اتجاهاً عاماً للعديد من الدارسين الذي تخرجوا واستلموا مراكز قيادية.

وهذا الفهم الخاطئ للإسلام اعتنقته المؤسسات السياسية، واستخدمت القوة للسيطرة على عالم الإسلام والمسلمين، وهي في ذلك متأثرة بأفكار وآراء ما يتضمنه ذلك الفكر والخطاب الديني والعلمي الذي احتوته تلك الدراسات.

إن المحدد الديني في السياسة الأمريكية قد تم دعمه بقوة في الولايات المتحدة من خلال الديمقراطية والحرية اللتين هما قيمتان مستمدتان من الدين‮ ‬لذلك،‮ ‬من‮ ‬غير الصحيح القول إن العلمانية في الولايات المتحدة تعني تهميش الدين،‮ ‬أو تنفي وجوده،‮ ‬بل على العكس تماما هدفت وثيقة الحقوق عام‮ ‬1791 لحماية الدين وليس إقصاءه من الحياة العامة‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

وبالتالي،‮ ‬ليس مستغربا أن تشمل السياسة الأمريكية بعدا دينيا خلال فترة الرئيس الأسبق‮ "‬بوش‮" ‬الابن‮. ‬حيث تجلي دور المحدد الديني من خلال تلاقي الأهداف بين اليمين المسيحي‮ - ‬الذي له مسيرة طويلة منذ بداية الدولة الأمريكية،‮ ‬وحاول أن يقدم القوة للدين في المجتمع ويمزجه في شخصية الدولة‮ -  ‬وتيار المحافظين الجدد الذي ظهر ليرضي أطيافا مختلفة من اليمين‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬.

لذا،‮ ‬فإن العلاقة بين الطرفين علاقة متشابكة‮. ‬فبالرغم من أنهما يفترقان في ساحة العمل،‮ ‬فإن الأهداف الدينية واحدة،‮ ‬وأهمها الدعم اللامحدود لإسرائيل،‮ ‬باعتبارها‮ "‬الأرض التي سيتحقق عليها القدوم الثاني للمسيح‮"‬،‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ مما يضفي أهمية لمنطقة الشرق الأوسط‮. ‬وعمل التياران،‮ ‬من خلال جماعات الضغط ومراكز الفكر والرأي المرتبط بهما،‮ ‬على التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط.

إن أبلغ تأثير للدين في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط وهو حربها على الإرهاب في الشرق الأوسط  فإنها اكتسبت أهمية كبيرة في إدارة "بوش" الابن لسببين رئيسيين، أولهما اعتناق الرئيس لأفكار اليمين المسيحي حول المنطقة، ورغبته في كسب تأييد هذه الفئة، مما جعله أكثر ميالا لرسم مخططاتهم كأهداف غلفت السياسة الأمريكية في عهده، والتي تلاقت مع أهداف تيار المحافظين الجدد في منطقة الشرق الأوسط.

أما السبب الثاني والأهم هو ما وفرته أحداث سبتمبر من فرصة سانحة لأن يصبح الشرق الأوسط المكان الذي يحقق فيه "جورج دبليو بوش" التفوق والزعامة، وتلبية حاجات نفسية لديه وتميزت هذه الفترة بأنها الأجرأ والأكثر واقعية في السياسة الخارجية الأمريكية، من حيث الأهداف وأسلوب تنفيذها من تدمير العراق، وإظهار الفتنة الطائفية في المنطقة، وإطلاق يد إسرائيل في فلسطين تحت ما يسمي الحرب علي الإرهاب.

ومن أهم مظاهر البعد الديني  للغرب أجمع وأمريكا بخاصة هو ما كان واضحًا (الحملات الصليبية ) من احتلال القدس. فليس في القدس نفط ولا معادن ثمينة ولا حبوب الشرق الإسلامي وبهاراته وتوابله ولا هي تقع على ممر بحري للتجارة الدولية وليس فيها شيء يذكر سوى أهميتها الروحية للمسلمين فكان من المهم بالنسبة للصليبيين تجريد المسلمين من هذه الرمزية الروحية التي تعنيها لهم القدس. وفي هذا دليل تاريخي بأن الغرب ينظر للإسلام على أنه يمثل خطرًا جيو-استراتيجيا كما أن فيه دليلا على أن الغرب ليس علمانيًا بالمعنى الذي يحاول أن يشيعه بيننا وأن ثمة بعدًا دينيًا حادًا لسياساته وحملاته العسكرية.

وهو ما أكده نيكولاس وراى في مقالتهما أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط اتسمت منذ سبعينيات القرن المنصرم بالاختلاف تجاه أنظمة المنطقة، فلم يكن هناك أي مجال للخطأ؛ وفى مقدمتها إيران، ووصول الإسلاميين لسدة الحكم في نوفمبر 1979 المعادين بشدة للولايات المتحدة، وهو ما تجلى أثناء الحرب الباردة، عندما صرح كارتر " بأن أي تهديد لحرية حركة النفط في الشرق الأوسط سوف يُرد عليه من قبل الولايات المتحدة بالوسائل العسكرية، إذا لزم الأمر" خاصة في ظل اقتناع الإسلاميين بأن أمريكا هي (الشيطان الأكبر).

أما بالنسبة للنزاعات الأهلية والداخلية بالشرق الأوسط فقد  اعتمدت إدارة بوش في حل النزاع علي مبدأ عدم التدخل، وترك الجانبين يعملان علي تسوية نزاعاتهما، علي عكس الإدارات السابقة التي كانت تعمل علي
مبدأ التوازن بين مطالب الطرفين. كما كان لبوش علاقات خاصة مع زعيم الجناح اليميني الإسرائيلي المتشدد "أرييل شارون"، وتوافقا علي اعتبار عرفات والسلطة الفلسطينية كيانا إرهابيا، وينبغي معاملتهما علي هذا النحو. وهو ما يظهر مدي البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه مناطق الشرق الأوسط.

وهو ما جعل بروز  البعد الديني في عهد الرئيس السابق بوش الابن بشكل صارخ كان نتيجة لتكامل أربعة عوامل رئيسية هي: بروز اليمين الديني كقوة ظاهرة في انتخابات الرئاسية عام 2000، ووجود المحافظين الجدد ذوي الميول اليمينية المتشددة، وحرص "بوش" علي استمالة اليمين الديني إليه، ووقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر. كل هذه العوامل تضافرت علي أن تعطي دفعة قوية للمعتقدات الدينية لأن تملي أفكارها علي السياسة الأمريكية في الداخل والخارج.

كما إن سياسة الولايات المتحدة تجاه منطقة الشرق الأوسط لم تتغير حتى وإن غيرت التكتيك، ولكن ويبقى الهدف واحداً بإحكام السيطرة على هذه المنطقة لضمان إحكام السيطرة على مصادر النفط وأمن دولة إسرائيل ورسم خريطة المنطقة بما يضمن تحقيق تلك الأهداف، والولايات المتحدة لا تخفي ذلك في تصريحاتها الرسمية. فما بين ضرب الأنظمة غير المتجاوبة مع السياسة الأمريكية، وتقديم الدعم لدول التعاون تبقى الولايات المتحدة غير متنازلة عن تحقيق أهدافها في هذه المنطقة حتى وإن اضطرت لخوض حرباً جديدة في المنطقة، أو تقديم العون والمساندة لحليفتها لشن هذه الحرب. فباتت سياسة الولايات المتحدة تجاه منطقة الشرق الأوسط قليلة الصبر تجاه مصادر الخطر والنزاع في المنطقة، وأصبحت الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام كامل نفوذها وجل قوتها للتخلص مما قد تعتبره مصدر تهديد لأمنها ومصالحها، لتعود بذلك للمربع الأول بفرض الاستقرار حتى لو اضطرت لفرضه قسراًً وعنوة، كما يحدث حاليا في محاربة تنظيم داعش بالعراق وسوريا.

أهم مظاهر البعد الديني في السياسة الأمريكية تعبر الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون عن قلقه من الإسلام والمسلمين من خلال كتابين نشرهما. أولهما عنوانه (نصر بلا حرب Victory without war) وثانيهما عنوانه: (انتهزوا الفرصة Seize the moment) يقول نيكسون في هذين الكتابين أنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي 1992م سيواجه الغرب والولايات المتحدة خصوصًا (ماردًا آخر) هو الإسلام فينبغي على الولايات المتحدة أن تعمل وبسرعة على الإمساك بما أسماه بِـ(الريادة الروحية Spiritual Leadership) في العالم قبل أن "يفيق المارد الأخضر من نومه" حسب تعبيره.

ولابد أن يدرك العالم جيداً أن الكنيسة عبر التاريخ قد حافظت على موقفها الثابت من المسألة اليهودية إذ كان دعم الغرب المسيحي للحركة الصهيونية يتخذ أشكالاً متعددة ومجالات شتى .بل إن تأثير هذه التيارات الدينية وأفكارها الأصولية في العلاقة مع الغرب أمر لم يعد بالإمكان تجاهله خاصة أن هذا التيار قد بدأ فعلا في نقل معتقداته من حيز الإيمان إلى حيز الفعل والتنفيذ. وهم يستخدمون الآليات الحديثة والتقنية المتطورة لخدمة عقائدها وأهدافها
وها هو مارتن كريمر Martin Kramer   مدير مركزز موشى دايان في جامعة تل أبيب سابقًا وأحد أخطر المفكرين الاستراتيجيين الصهاينة الأمريكان وحاصل على جنسية مزدوجة أمريكية وإسرائيلية وكثير الحضور في الأوساط الجامعية الأمريكية.

ويؤكد كريمر بأن على الولايات المتحدة أن تعمل على استئصال الحركة الإسلامية بكل أطيافها من الوجود حتى لو وصلت إلى الحكم عن طريق الاقتراع السري والمنهج الديمقراطي كما حصل في الجزائر وفي تركيا أيضًا. ويقول كريمر في ورقة نشرها معهد أسبن The Institute Aspen   في واشنطن 1998م بأنه يتوجب على الإدارة الأمريكية والبيت الأبيض عدم إضاعة الوقت في فتح حوار مع الحركات الإسلامية بل يحث الإدارة الأمريكية على دعم الأنظمة العربية بكل الوسائل الضرورية لقمع واستئصال تلك الحركات. ويقول كريمر إنه لا يجد صعوبة كبيرة في (تفهم) الإدارات الأمريكية الجمهورية والديمقراطية لذلك فعلى الإدارة الأمريكية أن تدرك أن استخفاف سياستها بدول وشعوب المنطقة العربية لن يقود إلا إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار، وقد تجلى هذا الاستخفاف مؤخرا في سياستها القديمة الجديدة تجاه العراق والتي لخصها وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس (( بتأهيل العراق ليصبح سداً منيعاً أمام الأطماع الإيرانية في المنطقة العربية )) تأتي هذه السياسة الأمريكية بعد أن دمرت العراق الدولة والشعب والمؤسسات تدميراً كاملاً وبعد أن وضعته تحت السيطرة الفعلية للجماعات والمليشيات الموالية لإيران !!! هل يمكن لعاقل أن يصدق مثل هذه السياسة التي بشر بها روبرت غيتس ؟! إنها السياسة الأمريكية المستخفة والمستغفلة لشعوب وحكومات المنطقة العربية الشرق أوسطية.

إنها سياسة تفتقد لأي بعد أخلاقي ولا تقيم وزناً لأي مصلحة عربية ، إنها تحقق المصلحة الأمريكية الإسرائيلية فقط وإنها لا تستند إلا إلى شرعية القوة والهيمنة والنفوذ ، إنها سياسة ذات بعد واتجاه واحد وهو البعد الديني.

* وارى كباحث :
1- أن مشروع الشرق الأوسط الجديد – والذي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقه بمساعدة الدول الغربية وإسرائيل من خلال إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط مرة أخرى – يشكّل مشروعاّ مضاداً لمشروع وحدة
الدول العربية. حيث ستعمل الدول الغربية – بلا أدنى شك – على عرقلة هذا المشروع بكل الوسائل المتاحة لأنه لا يعقل أن تقوم الدول العربية بإنشاء دولة عربية موحّدة في الوقت الذي تسير فيه الدول الغربية قدماً في مشروعها، فالزيت لا يمكن أن يمتزج في الماء هنا، وإذا ما أريد لمشروع الشرق الأوسط الجديد أن يصبح أمراً واقعاً، فإنه سيكون بكل تأكيد على حساب مشروع الوطن العربي الكبير.

2-  لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد – والذي ظهر للجميع مع نهاية عقد التسعينيات من القرن الماضي – فإنه يتطلب القيام بالعديد من الخطوات المهمة، ولعل تغيير الأنظمة القائمة الآن في دول الشرق الأوسط إحدى أهم هذه الخطوات، فالولايات المتحدة تريد حكومات شرق أوسطية ليبرالية – معتدلة تخرج من قلب شعوبها، وبالتالي فإنها ستضمن ولاء هذه القيادات الجديدة بعد دعمها في ثوراتها.

3- أنها تسعى جاهدة لطمس الهوية الإسلامية من خلال اظهر أتباع الدين بمظهر الإرهابيين الذين يخططون لتدمير دولهم واستقرار موطنيها لذا تحاول خلق نوع من النزاعات الأهلية الداخلية فى المجتمعات العربية وتحول هذه النزاعات إلى نزاعات ذات بعد طائفي ديني ولعل اصدق مثال على ذلك حركة داعش فى العراق وما يحدث فى لبنان والسودان من انقسامات ذات أبعاد دينية والامثله على ذلك كثيرة .ثم توسعه نطاق هذه النزاعات مما يتيح للتدخل الدولي للقيام بعمليات عسكرية ويترتب عليها تقسيم المجتمعات العربية بما يضمن امن إسرائيل فى النهاية