الإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة

25.07.2016

لفترة طويلة كان هناك مفهوم محدد للإستراتيجية الكبرى في الولايات المتحدة. كان ذلك يشكل نوعا من المظلة التي تخفي تحتها جميع الاستراتيجيات والعقائد المختلفة الأخرى والتي تعمل تحت وجهة نظر عالمية بشكل مشترك مع المصالح الأيديولوجية والوطنية. الخبير العسكري البريطاني باسيل ليدل هارت، الذي اشتهر من  خلال كتابه "الإستراتيجية: مدخل غير مباشر" قدم هذا المصطلح. 
دور الإستراتيجية الكبرى "هو تنسيق وتوجيه جميع موارد الأمة، أو مجموعة من الدول، من أجل تحقيق الهدف السياسي للحرب". في الوقت نفسه فإن القوة العسكرية للدولة هي إحدى الوسائل المستخدمة لإضعاف إرادة العدو، جنبا إلى جنب مع أنواع الضغوط الدبلوماسية والأيديولوجية والمالية والتجارية وغيرها. أحد الجوانب الهامة لهذا المفهوم هو تحضير النظام العالمي لما بعد الحرب في المستقبل، والتي تهدف إلى تحسين السلامة وتجنب مختلف المخاطر، بما في ذلك عدم الرضا المحتمل بين الأطراف المتحالفة في النظام العالمي المستقبلي.
يشير المفهوم الحديث للإستراتيجية الكبرى على حد سواء إلى الجوانب العسكرية وإلى أبعاد أخرى أكثر  تعقيدا، والتي تتعلق بعقيدة الأمن القومي. هاري يارجر من معهد حفظ السلام والاستقرار في الجيش الأمريكي يعتقد أن المفهوم  "هو فن وعلم لتطوير واستخدام القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والعسكرية للدولة وفقا للتوجه السياسي من أجل  إيجاد التأثيرات التي تحمي أو تعزز المصالح الوطنية للدولة  والجهات الفاعلة في مختلف الظروف ". 

منذ عام 2004، وذلك بفضل جهود مختلف اللوبيات السياسية والمراكز الفكرية، لدى الولايات المتحدة ظهرت خمسة اتجاهات بديلة منفصلة عن الإستراتيجية الكبرى:
· الانعزالية الجديدة
· الانتقائية
· الأممية الليبرالية
· التفوق
· حالة الإمبراطورية
كل من هذه الاستراتيجيات يعتبر أساسا منطقيا من وجهة نظر بعض الجماعات الأيديولوجية.
وفقا للانعزاليين الجدد فإن الولايات المتحدة الأمريكية معرضة للخطر استراتيجيا، وبالتالي يجب أن تكون جميع الالتزامات السياسة الخارجية بالحد الأدنى ويجب سحب جميع البرامج العسكرية من خارج البلاد، ويجب أن تتوقف مشاركة الولايات المتحدة  في الكتل العسكرية والسياسية الدولية.
الممثلون البارزون لهذه الإستراتيجية هم إي لوردلينغر و ب بوكانان و ت كاربنتر. على وجه الخصوص عرض كاربنتر ترك جميع المهام الأمنية في أوروبا للأوروبيين، وتحويل أو حتى حل حلف شمال الأطلسي.
وضع أنصار مدرسة الواقعية السياسية نظرية التعامل الانتقائي، الذي يوفر الوجود العسكري الأمريكي في تلك البلدان التي تعتبر مهمة من الناحية الإستراتيجية ومن ناحية المصالح الوطنية. ويشمل هذا الاهتمام أيضا العمل على تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكنه يعتبر أن أي تدخل عسكري للدفاع عنهم هو أمر غير مقبول.
ويعتقد الأمميون الليبراليون أنه لا يجوز للولايات المتحدة أن تحافظ  ولا أن تنفق على تفوقها دون الحاجة لذلك. يجب على الولايات المتحدة أن تستثمر في هذا التفوق وتتشارك مع الحلفاء.
ينبغي أن تستخدم الطاقات لأغراض الليبرالية بشكل واضح، لأن الأممية الليبرالية تؤكد أن الليبرالية السياسية والاقتصادية ممكنة لجميع الدول الأخرى أيضا. ذلك لن يحدث على الفور، ولكن بعد فترة طويلة من التنمية. على سبيل المثال، كان الهدف من أنشطة إدارة كلينتون هو التوسع بالمشاركة بين جميع المجتمعات الديمقراطية ذات اقتصادات السوق الحر. بالنسبة للأمميين الليبراليين، فإن التحدي الرئيسي هو حقيقة أن الولايات المتحدة لا تستخدم تفوقها لبناء عالم يعتمد النظام الليبرالي، ولكن لبناء نظام إمبراطوري.
وأضاف الأمميون الليبراليون بعض التحديات العابرة للحدود الوطنية وغير التقليدية، والتي تتركز في الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل إلى التهديدات التقليدية. وبالتالي فإن بناء نظام عالمي جديد يتطلب التعاون من خلال التعددية والمساعدة الدولية لمنظمات محددة. التعددية هي الإستراتيجية التي تم الإعلان عنها في أولويات الرئيس باراك أوباما. الآن يمكننا أن نرى أن هذه البراعة لا تتجلى فقط في الاستمرار باحتلال العراق، ولكن أيضا في حرب جديدة في أفغانستان، فضلا عن قصف ليبيا ومحاولة تدمير سوريا وانقلاب في أوكرانيا وما شابه ذلك من التحريض في البلدان الأخرى. ينبغي أن يكون الدور الرئيسي هو توفير الأمن للمجتمعات الديمقراطية عبر الأطلسي، (أي توسع الناتو). الأمميون الليبراليون يوافقون على إمكانية بناء شيء مشابه لذلك الذي تم إنشاؤه بعد الحرب العالمية الثانية.
بالنسبة لتلك الجماعات التي تدعو لإستراتيجية أميركية تعتمد عقيدة التفوق، الهدف لديهم هو الدفاع عن الهيمنة التي تضمن المصالح الأميركية في أفضل حال.
ونتيجة لذلك، من المهم الحفاظ على وضعية " الأحادية القطبية". لذلك فمن الضروري منع ظهور أية قوة مساوية أو حتى تطمح لأن تكون على قدم المساواة مع الولايات المتحدة، مثل الصين والاتحاد الأوروبي وروسيا، وربما الهند. أي عمل من اللاعبين الرئيسيين في العالم يهدف إلى التعاون  ويحمل في طياته دلائل على التوازن مع الولايات المتحدة يجب الشك فيه. ينظر لهذه المجموعة من الدول بأنها دول منبوذة، أما التهديدات غير التقليدية فهي لا تزعجهم. الحفاظ على الهيمنة الاقتصادية هو ما يعني قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضا الهيمنة العسكرية على هذه المجموعة أيضا.
استخدم مصطلح "الإمبراطورية" في السابق بالمعنى السلبي لانتقاد السياسة الخارجية للولايات المتحدة ولوصف الاتحاد السوفيتي. بعد تفكك الاتحاد السوفيتي تكيف القوميون والمحافظون الجدد الأمريكيون مع الظروف الجديدة.
أصبحت الدلالات التاريخية السلبية لمعتنقي فكرة الإمبراطورية الأمريكية من الماضي، لأن الامبراطورية الأمريكية الليبرالية "الجيدة" قاومت في حين اختفت إمبراطورية "الشر" القديمة.

وأشار ماكس بوت أن " الإمبريالية الأمريكية كانت أعظم قوة للخير في العالم خلال القرن الماضي".
مفكر آخر من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، روبرت كاغان (زوج سيئة السمعة فيكتوريا نولاند من وزارة الخارجية الأمريكية، والتي كانت تعطي الكعك في ميدان وأوصت السفير الأمريكي في أوكرانيا ل* كلمة بذيئة * الاتحاد الأوروبي) كان يدعو الولايات المتحدة "بإمبراطورية الخير"، أدخل هذا المفهوم في أحد مقالاته في مجلة السياسة الخارجية. أنصار الإمبراطورية الأمريكية يعتقدون أنه نتيجة للحرب الباردة، لم تقتصر الولايات المتحدة على القوة العظمى الوحيدة والمهيمنة، بل أصبحت كقوة إمبريالية. وفقا لأندرو روس، الذي يعتمد مزيجا في نظريته من الواقعية الهجومية واستقرار الهيمنة. آلية مراقبة النظام العالمي  تتوافق مع آلية سيطرة الإمبراطورية الأمريكية، حتى أن النظام العالمي الجديد هو أمر أمريكي، وما هو جيد لأمريكا، هو جيد لجميع الآخرين.
لا يوجد خلافات خطيرة بين مصالح الولايات المتحدة وبين مصالح الدول الأخرى في العالم من وجهة نظر الإمبريالية الأمريكية. يجب أن تتحول العولمة إلى نوع من الأمركة. إدارة وتوسيع وتعزيز العولمة هو إدارة وتوسيع وتعزيز الحكم الإمبراطوري الأمريكي. وبالإضافة إلى ذلك ينبغي على الولايات المتحدة أن تكون حرة ويحق لها أن تفعل ما تريد. لذلك فكل ما حدث بعد 9/11، الهجوم على أفغانستان وإعلان الحرب على الإرهاب وغزو العراق كان من أجل العالم. الحروب الصغيرة وتصرفات الشرطة الإمبراطورية في الولايات المتحدة لا تحتاج إذنا من أحد.
وعلاوة على ذلك، خلال العقد الماضي في إطار الإستراتيجية الكبرى، تم التركيز  بشكل خاص  على عنصر المعلومات. يستخدم خبراء الولايات المتحدة النوسفير (المجال الفكري) على نطاق أقصى، ويشمل الأفكار والمعلومات والاتصالات، بحيث تصبح السيطرة عليه وصفة لتحقيق النصر في الصراعات المستقبلية.
في دراسة نشرتها جامعة السلاح الجوي الأميركي، تظهر أهمية البعد النفسي في الإستراتيجية الأمريكية وتشير إلى أن العمليات النفسية والسياسية يجب أن تكون موجهة ليس ضد العدو فقط بل ضد الدول المحايدة والحليفة وهو ما يعني أن واشنطن تستخدم أشكال التخريب وطريقة "القوة الناعمة" ليس فقط ضد الدول التي تم تحديدها على أنها تهديد، بل ضد جميع البلدان في العالم.