الاستقرار السوري القلق ... مسعى أمريكي باستغلال الجهود الروسية

28.12.2017

لا يزال الملف السوري يتأرجح بين الحالة الصلبة (تجميد التصعيد) والحالة السائلة كحالة معاكسة، فمع كل خطوة إلى الأمام في الحل السياسي يرافقها خطوة أو خطوتين إلى الوراء غالباً، حتى أضحى بلوغ الحل النهائي أمراً سديمياً يخدع الناظر والمراقب بمسافته الزمنية الحقيقية، حيث شهد ملف التسوية السياسية مسارات عدة منها جولات طويلة ومحبطة من جنيف ومحاولات لتسويات أخرى أجهضت قبل ولادتها، ومحاولات جديدة تحاول أن تشق طريقها إلى النور كحال مؤتمر سوتشي المرتقب، بينما تخضع سورية لثلاث أنظمة وقف إطلاق نار ثابتة وذات فعالية:
أولها نظام وقف الأعمال العدائية 22/2/2016 والمكرس بقرار مجلس الأمن "2268"والذي لا يزال إلى حد الآن تنضم إليه قرى وبلدات جديدة.
وثانيها نظام الهدنة 30/12/2016 والذي مهد لسلسلة مؤتمرات أستانا.
وثالثها نظام وقف إطلاق النار في الجنوب السوري 09/09/2017 المعلن في قمة هامبورغ من قبل بوتين وترامب، بالإضافة إلى العديد من التفاهمات الفرعية الأخرى، كتفاهم التحليق العسكري شرق وغرب الفرات، والعامل المشترك الذي يجمع كل هذه التفاهمات والاتفاقيات هي المبادرة الروسية التي مهدت لكل واحدة منها على حدى، ولكن ما يثير الاستغراب أن هذه الاتفاقيات والتفاهمات الثابتة نسبياً كانت تلقى موافقةً وحتى دعماً أمريكياً في غالب الأحيان، وحالما يتطور المسار ليحصد نتائج سياسية كفيلة ببدء العد التنازلي للأزمة السورية، تقف واشنطن الموافق والداعم لتفاهمات وقف إطلاق النار بشكل غير مباشر ضد أي محاولة من الممكن أن تكتب لها النجاح، ما يدفع للتساؤل عن ماهية التكتيك الخاص لواشنطن في سورية، فهي تدعم تجميد القتال وبذات الوقت تعرقل أي حل سياسي ممكن أن ينتج عنها.

هذا يعني أن الدور الوظيفي لاتفاقيات الهدنة هو موضع شك حقيقي، فصحيح أنها في مرحلة من المراحل كانت تخدم تقليص عدد الجبهات والتركيز على محاربة داعش والقضاء عليه، وهي من مصالح الحكومة السورية، إلا أن استمرارها بعد دحر داعش والتجنب المستمر لكل من تركيا والتحالف للنصرة ليس من مصلحة الحكومة السورية في شيء، فالواقع الميداني السوري يشير إلى تكتيك أمريكي مزدوج يحضّر لموجة ثانية في الحرب ضد سورية، حيث أن تفاهمات أستانا سمحت بوجود خرق تركي بإدخال جيشها بدل الشرطة العسكرية ليصل إلى دارة عزة وبعدها حريتان تحت ذريعة تطويق أكراد عفرين، والذي فشلت الجولة الأخيرة من استانا في معالجة الدور التركي،ما يعني أن تركيا قريبة من مدينة حلب أكثر من أي وقت مضى في تاريخ الأزمة السورية، حيث لا يفصلها أكثر من بضعة كيلومترات، وبالنسبة لواشنطن قليل من التعديل لنقاط القوة في الميدان السوري كفيل بأن يخلق نقطة جذب لأنقرة تطيح بكل تفاهماتها مع المحور الأوراسي، فمع وجود المبادرة الأمريكية الجديدة بإعادة إحياء ما يسمى جيش سورية الجديد من بقايا المجموعات المسلحة تحت إشراف الاستخبارات العسكرية في البنتاغون، وتحجيم قوات سورية الديمقراطية للحد من مخاوف أنقرة، تصبح واشنطن على أتم الاستعداد لخلع تركيا من تفاهماتها الحالية بمغريات الدخول الخاطف لمدينة حلب وإحياء المبادرة التركية بتشكيل جيش موحد في الشمال يضم النصرة، وذلك من خلال تصعيد أمريكي على كامل الميدان السوري، وإسقاط كل اتفاقيات الهدنة دفعة واحدة، على مبدأ قلب الطاولة، بعد إعادة ترتيب وفرز المجموعات المسلحة واستنهاضها من جديد، خاصة مع المنفذ الجديد للأسلحة الفتاكة الذي خلقته واشنطن مؤخراً لكييف والذي يتيح إمكانية وصول السلاح النوعي من جديد إلى المجموعات المسلحة،بعد انكشاف طرق التسليح القديمة مثل طريق بلغاريا، ما يوضح أن الهدف الرئيس لواشنطن في سورية لم يتغير وإنما دخل بمسار فرعي بسبب الانشقاق غير المتوقع في تنظيم القاعدة وظهور داعش بأجندة خاصة استدعى التعامل معه بعد فشل الاستثمار المباشر به، ومن ثم العودة للمواجهة من جديد.

وإنجاح مثل هكذا سيناريو لا يتطلب إلا تحقيق استقرار قلق أو مؤقت في الميدان، والإبقاء على سقف التفاوض العالي الذي لا يعكس الواقع الميداني لجماعات المعارضة -كحال بيان وفد الرياض2- بالتالي تصبح ردة فعل الحكومة السورية خاضعة للاستقراء المسبق، وبمجرد تعرض الحرب السورية لهزة جديدة بهذه القوة في ظل الظروف الأقليمية الحالية، يعني فتح المجال أمام انقضاض إسرائيلي على جنوب غرب سورية والذي يعتبر بالنسبة للكيان الاسرائيلي مسألة وجودية مع اقتراب محور المقاومة أكثر فأكثر من حدود الجولان المحتل، والنشاط العسكري السوري المتزايد في تلك المنطقة والذي يقض مضاجع حكومة الاحتلال.

ومايثير الريبة أكثر في احتمال واقعية هذا السيناريو هو تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مقابلة على قناة روسيا اليوم باعتباره أن النهج الغربي في سورية غير واضح، والإعراب عن خوفه من إعادة استخدام المجموعات المسلحة وفلول الإرهابيين لمحاولة إسقاط النظام من جديد، ما يعني أيضاً أن موسكو لا تمتلك في الوقت الراهن الروادع المطلوبة بشكل واضح في حال شروع واشنطن بتنفيذ مثل هكذا خطة، وهو سر التصعيد الروسي حول شرعية وجود القوات الأمريكية في سورية ووجوب سحبها والمسارعة الروسية في حصد أي نتائج سياسية لتفاهمات الهدنة مهما بلغ حجمها، لإبطال المشروع الأمريكي الجديد قبل أن يبدأ، واحتواء جماعات المعارضة كأداة أمريكية رئيسية في السيناريو القادم، ولكن من المؤكد أن هذه الإجراءات وحدها لا تكفي، ومن المؤكد أيصاً أن السيناريو الأمريكي لو تحقق قد لا يأتي بكامل النتائج المتوقعة رغم الضرر الكبير الذي سيحدثه، حاله كحال السيناريوهات التي سبقته.

إلا أن مايميز هذا السيناريو هو ارتباطه بأزمات خطيرة أخرى تعد لدول الجوار لن نخوض فيها في هذا المقال، ما يترك خياراً وحيداً أمام كل من الحكومة السورية والمعارضة وهو تقديم التنازلات المتبادلة، بوعي ومنطقية، واعتماد مستقبل الحرب وكارثيتها مرجعية تفاوضية، بدلاً من اعتماد ساحة المعارك الحالية والتوازن الدولي والأقليمي غير المستقر بشكل مطلق في سورية، لتجنيب كل الأطراف معاناة جولة جديدة من الحرب لن تكون ذات نتائج سارة لأي طرف، ولن تؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والتأخر وانعدام الأمل في النهوض.