الأردن على صفيح ساخن

04.08.2019

لماذا يخشى الملك عبدالله الثاني من زوال الأردن، ولا يهتز جفن للطبقة السياسية عندنا بالرغم من أن معلومات الفاتيكان وقد تكون المعلومات الفرنسية لا تستبعد أن يكون لبنان الضحية الأولى لصفقة القرن ؟

المملكة التي أنشئت أساسا لتكون السكين في الخاصرة السورية وثائق لا تحصى تحدثت عن "اللقاءات الدافئة" بين الملك عبدالله الأول وغولدا مئير التي كانت تتنكر بثياب رجل ابان حرب 1948 .

مئير التي ربما كانت المرأة الأكثر يهودية في التاريخ  ربما الأكثر قباحة في التاريخ  حين رآها فرنسوا ميتران , وكان رئيساً للحزب الاشتراكي الفرنسي،  قال مذهولاً أمام مساعده اليهودي جاك آتالي "يا الهي ... لعلها سقطت للتو من مؤخرة يهوذا" !

الأردن،  ومنذ قيامه قدم خدمات هائلة للمعسكر الغربي, بما في ذلك اسرائيل التي وقّع معها اتفاق وادي عربة  بكل ملحقاته الفضائحية هو الآن مهدد بالسقوط من الخريطة،  الانكليز سرّبوا الى الملك بأن "صفقة القرن" تلحظ العودة  تدريجا إلى مشروع ييغال آلون حول الوطن البديل.

تلك الطريقة في التعامل تدخل في تركيب العقل السياسي والعقل الاستراتيجي الأميركي  كلمة "براغماتية" هي الغلاف المخملي للماركنتيلية والزبائنية والمكيافيلية، لا قيم تحكم العلاقات بين الولايات المتحدة والآخرين . غالباً ما يوضع الحلفاء على طريق الجلجلة.

لبنان مشكلة بالنسبة إلى الأميركيين الساعات الدراماتيكية صيف 2006 حين كان ديك تشيني وكوندوليزا رايس وبول وولفوويتز يراهنون على تحويل لبنان الى ضاحية الصفيح بعد اجتثاث "حزب الله" وترحيل قياداته الى غوانتنامو (البوارج الأميركية كانت تنتظر في عرض البحر).

تاليا, احياء اتفاق 17 أيار الذي يضع البلاد تحت الوصاية الاسرائيلية  ربما كان ينتظرنا ما هو أسوأ بكثير من هذا الاتفاق . الأوروبيون تحدثوا عن ترحيل جماعات بكاملها إلى سوريا والاقامة في المخيمات.

الأردنيون , وهذا ما تؤكده شخصية قريبة من البلاط  يعتبرون أنهم واللبنانيين على حافة الاحتمال . الصفقة تلحظ تفكيك "حزب الله" بعملية قيصرية تضع المسيحيين أمام خيارين : دويلة على شاكلة الغيتو أو الانتقال الى بلدان غربية مختلفة .

أكثر من مرة أشرنا الى أن الفاتيكان الذي على بيّنة من كل تفاصيل (وآفاق) الوجود المسيحي في لبنان  يرى أن التلويح بالكانتون المسيحي يعني تحويل هذا الكانتون إلى صومعة  أو إلى زنزانة  أو إلى مقبرة .

لاحظنا موقف الدكتور سمير جعجع  وهو الحليف الذي لا غبار عليه لذلك المعسكر (معسكر الصفقة ) وقد رفض اي محاولة للتوطين واعادة التشكيل الديموغرافي والجغرافي والدستوري للدولة اللبنانية .

هذا لا يتعارض فقط مع رؤية البابا يوحنا بولس الثاني للبنان كنموذج للتفاعل بين الثقافات وبين الأديان في عالم تحكمه نظرية صمويل هانتنغتون "صدام الحضارات" (في الواقع ... صدام الديانات) بل أنه يضع المسيحيين أمام خيار وجودي مروع .

بالرغم من الفرز الطائفي الذي أنتجته الحرب الأهلية (1975 ـ 1990 ) , أين الرابط الجغرافي بين بشري وجزين , بين جديدة مرجعيون ودير الأحمر  بين القبيات وصغبين وهكذا دواليك ؟ شيء ما يشبه "الولادة من الخاصرة" , الولادة القاتلة لأي كانتون مسيحي , في حين أن الدور يتوهج بالتواصل , وبالتداخل , مع الطوائف الأخرى التي تدين للمسيحيين بدفع لبنان الى الحداثة .

لا أحد الا ويعلم أن "مصيبة" الصفقة  المصيبة الكبرى  هي وجود "حزب الله" على الأرض اللبنانية من هنا كان الاجترار الاسرائيلي  ولطالما تقاطع مع كلام جهات لبنانية حول "الحالة الايرانية"  كما لو أن الحزب هنا لم يحرر صور بل حرر بندر عباس , وكما لو أن الحزب لم يحرر النبطية وبنت جبيل , وجزين  بل حرر أصفهان وشيراز وتبريز .

آرون ديفيد ميلر , الديبلوماسي الأميركي , اليهودي , المخضرم , لاحظ أن كل الضبابية , وكل الضوضاء , في الشرق الأوسط مبرمجة بدقة . الغاية منها تهريب صفقة القرن على قرع الطبول . يفترض بايران أن تعود الى الهضبة الفارسية . لا مكان لها لا على ضفاف البحر الأبيض المتوسط , ولا على ضفاف البحر الأحمر .

من هنا العقوبات الهوجاء  تحطيم ايران اقتصادياً لا بد أن تكون له تداعياته الكارثية على "حزب الله" كقوة لا تثير الارتباك فحسب داخل هيئة الأركان الاسرائيلية بل وتثير الهلع أيضاً .

الشخصية الأردنية تقول "لقد تورطنا في تخريب سوريا ربما كنا مرغمين على فعل ذلك حين تتفكك سوريا لا بد أن يتفكك الأردن ولا بد أن يتفكك لبنان لا نحن تنبهنا لذلك ولا أنتم لو تسنى لجلالة الملك أن يزور دمشق في هذه اللحظة لما تردد على الاطلاق مثلما يحظر على رئيسكم أن يدير وجهه الى سوريا يحظر على ملكنا أن يفكر حتى أن يفكر بالتوجه الى سوريا".

ميلر يعتبر أن التغريدات الفوضوية للرئيس دونالد ترامب لا يمكن أن تفضي الى "نهاية سعيدة لأزمة الشرق الأوسط".

الأزمة بأبعادها السياسية والتاريخية واللاهوتية أكثر تعقيدا بكثير من أن توضع بين أيدي الهواة (أي بين أيدي جاريد كوشنر بشخصيته الضحلة والمسطحة) الديبلوماسي المخضرم لا يقول , مثل الآخرين , أن ايفانكا هي صفقة القرن . لو حلت محل زوجها , في جولته , لكان بالامكان تمرير الفيل من ثقب الابرة.

الأردن مثلنا على صفيح ساخن . تقهقر سياسي , وتقهقر اقتصادي . ماذا يحمل اليوم التالي ؟