المشروع النووي المصري... مقياس جودة العلاقات بين القاهرة وموسكو

13.08.2018

يمثل المشروع النووي المصري انتقالا لمرحلة جدية، ليس فقط في مجال الطاقة، ولكن في مجال التكنولوجيا والتطور، وفي الوقت نفسه يعتبر المقياس الأكثر حساسية للعلاقات المصرية الروسية، على مدار نصف القرن الماضي.

لقد ارتبط المشروع النووي المصري منذ كان مجرد فكرة بتطور العلاقات مع روسيا، فكلما كانت العلاقات المصرية الروسية أكثر متانة، كلما اقترب المشروع النووي المصري من التحقق، وكلما فترت تلك العلاقات صار المشروع أكثر هامشية.

رئيس المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم حسين الشافعي يقول لوكالة "سبوتنيك" "بالنسبة لمصر تعد روسيا دولة مثالية للتعاون في مجال التكنولوجيا النووية، لأن روسيا تمتلك مائة بالمائة من التكنولوجيا النووية، من استخراج اليورانيوم، وحتى معالجة النفايات، أي أن مصر في تعاونها مع روسيا في الطاقة النووية لن تحتاج إلى طرف آخر أو تعاون مكمل للتعاون مع روسيا، لذا كان الخيار المصري بالتعاون مع روسيا، رغم أن المشروع كان مطروحا على دول أخرى مثل أمريكا وفرنسا وألمانيا، إلا أن العرض الروسي كان الأفضل من كافة الجوانب".

ويضيف الشافعي "المشروع النووي المصري ارتبط صعودا وهبوطا بالعلاقات بين القاهرة وموسكو، ففي مرحلة التحالف الاستراتيجي بين القاهرة وموسكو في ستينيات القرن الماضي، قطعت مصر شوطا هاما في إنجاز مشروعها النووي، وكان أبرز ملامح ذلك هو مفاعل الأبحاث في أنشاص، فضلا عن تدريب وتأهيل الكثير من الكوادر بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي وقتها. وعندما تراجعت العلاقات بين القاهرة وموسكو، تراجع المشروع النووي المصري، وأصبح خاضعا للضغوط الخارجية والداخلية ولم يحدث فيه أي تقدم".

ويؤكد الشافعي "ليس من الوارد الآن التراجع لا في العلاقات المصرية الروسية ولا في المشروع النووي، فالعلاقات المصرية الروسية الآن هي تعبير عن مصالح مشتركة، واحتياجات مشتركة، فمصر بحاجة للتكنولوجيا الروسية والتي لا ترتبط بضغوط سياسية مثل دول أخرى، وروسيا بحاجة لحليف قوي في الشرق الأوسط في مرحلة هامة تتشكل فيها الأوضاع في المنطقة".

لا يبدأ المشروع النووي اليوم من الصفر، فقد راكم التعاون المصري السوفياتي في ستينيات القرن الماضي خبرات وكوادر علمية وفنية متميزة توفر جهدا ووقتا كبيرا. كما أن بناء مفاعل الأبحاث النووي في 1961 بالتعاون بين مصر وروسيا وفر لمصر فرصة ذهبية لإعادة إنتاج كوادر علمية وفنية طوال الفترة من الستينات إلى الآن. ووجود أقسام الفيزياء النووية والهندسة النووية في الجامعات المصرية، والتي تلقى كوادرها تعليمهم في الاتحاد السوفيتي يخلق أرضية جيدة للمشروع النووي على صعيد القدرات البشرية.

ورغم ما يؤكده نائب رئيس هيئة المحطات النووية السابق مجدي بدر الدين في دراته من تأخر مصر في مشروعها النووي عن دول مثيلة، مثل الهند وباكستان وكوريا، إلا أن فرصة اللحاق بالعصر النووي تبدو اليوم مواتية.

ويشير بدر الدين في أكثر من دراسة إلى أن إسرائيل حافظت دائما على أن تكون سباقة في امتلاك التكنولوجيا النووية في المنطقة لتضمن تفوقا نوعيا على الدول العربية مجتمعة، لذا بدأت فور إعلان قيام إسرائيل عام 1948 بالعمل على بناء مشروعها النووي.

وهو ما كان أيضا في مصر ففي العام التالي لثورة 1952 بدأ التمهيد للمشروع النووي المصري، وفي شباط/فبراير 1955 صدر قرار رئيس الوزراء بتشكيل لجنة الطاقة الذرية وتحديد اختصاصاتھا وترأسها جمال عبد الناصر بنفسه. وفي العام نفسه بدأت مصر في إرسال أعداد كبيرة من الطلاب لتلقي العلوم والتدريب في مجال الطاقة النووية بفروعها المختلفة، وكان الاتحاد السوفياتي في مقدمة الدول التي استقبلت الطلاب المصريين. وفي عام 1956 اختارت لجنة الطاقة الذرية 15 طالب من أوائل الثانوية العامة لإيفادهم للاتحاد السوفياتي للدراسة في مجالات الفيزياء النووية والكيمياء النووية والمفاعلات.

وكانت أهم التطورات في التعاون بين القاهرة وموسكو في مجال الطاقة النووية في عام 1956، بتوقيع مصر والاتحاد السوفيتي عقد تحصل بموجبه مصر على الأجهزة العلمية التي يحتاجها قسم الطبيعة النووية، مثل معجل الفان دي جراف، وجھاز مطياف الكتلة، ومطياف بيتا، وجھاز النيتروجين السائل، وفي العام نفسه اختارت لجنة الطاقة الذرية منطقة على مساحة أربعة كم مربع في أنشاص بمحافظة الشرقية كموقع لإنشاء مركز البحوث النووية بكافة منشآته.

وشملت الإنشاءات بناء مفاعل نووي بقدرة 2 ميغاوات وتم توقيع عقد إنشائه مع الاتحاد السوفيتي، واكتمل العمل به وتم افتتاحه في 1961، وشارك في إنشائه بجانب الخبراء الروس كوادر الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وبدأ بالفعل تشغيله نوويا بعد افتتاحه بأيام.

واستمرت مصر في تطوير قدراتها في مجال التكنولوجيا النووية بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي حتى توقفت جراء حرب حزيران/يونيو 1967، وهو التوقف الذي استمر عقودا لاحقة، فعلى الرغم من انتهاء فترة الحرب، إلا أن العلاقات بين القاهرة وموسكو كانت تراجعت بشدة بعد وصول الرئيس الأسبق محمد أنور السادات للسلطة في 1970، وانتقاله من التحالف الاستراتيجي مع الاتحاد السوفياتي إلى التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتّحدة، ورغم استمرار المؤسسات النووية العلمية والفنية التي تأسست في الستينات في عملها في تلك الفترة، إلا أنها لم تظهر أي بوادر لاستئناف المشروع النووي المصري في تلك الفترة، واللافت أن كل ما يرد عن النشاط النووي المصر في ظل السادات هي مفاوضات سرية بين السادات والولايات المتّحدة لدفن نفايات نووية في أحواض الملح الجافة في الصحراء الغربية، أوردها الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل في كتابه عن السادات (خريف الغضب).

واستمر غياب المشروع النووي بعد رحيل السادات وكان أول طرح له في مؤتمر الحزب الوطني الحاكم وقتها عام 2006، من جانب رئيس لجنة السياسات بالحزب ونجل الرئيس الأسبق حسني مبارك، ما اعتبره مراقبون وقتها محاولة من مبارك الابن للحصول على شرعية توليه الرئاسة عبر إنجاز المشروع النووي، ولم يحدث تقدم ذو شأن بالمشروع، فيما عدا تحديد موقع الضبعة شمال غرب البلاد لبناء المشروع، والذي لم يقم له قائمة.

عودة العلاقات المصرية الروسية في أعقاب 2013 إلى مستوى تعاون قريب من فترة الستينيات أعاد إلى الساحة المشروع النووي بقوة، مستدعيا التعاون السابق في المجال النووي، وكذلك الخبرات والكوادر العلمية والفنية التي تراكمت في تلك الفترة، بحيث بدا إبرام الاتفاق على إنشاء محطة الطاقة النووية في الضبعة في 2015، ثم توقيع عقود المشروع في 2018، كما لو كان استئناف لمسيرة توقفت أكثر من نصف قرن.