الملك الخائف على ابنه

04.10.2018

كنا ننتظر منه، وهو الذي يفاخر بكونه حفيد عبد العزيز آل سعود , أي حفيد السيف , أن يلقي القفاز في وجه دونالد ترامب , ويقول له "أيها المخبول ... لولانا لما كان لك موطئ قدم في هذه الأرض" .

مرة أخرى , ليست هناك دولة في العالم قدمت خدمات للولايات المتحدة (وحتى في غواتيمالا بذريعة التصدي للشيوعية) أكثر من المملكة العربية السعودية . حطمت جمال عبد الناصر , وفككت الوحدة بين مصر وسوريا , وقضت على كل حالة ثورية , أو نهضوية , في القارة العربية .

لعل محترفي هز البطن حول البلاط قرأوا تلك التعليقات التي صدرت في واشنطن . قالت ان ترامب اصطحب زوجته ميلانيا , وابنته ايفانكا , الى الرياض , ليس فقط لتعودا مرصعتين بالماس من أعلى الرأس والى أخمص القدمين . أيضاً لزيارة ذلك "المتحف البشري" . ريتشارد بيرل قال "قطع أثرية وتعود الى القرون الوسطى" .

من لا يعلم أن الرئيس الأميركي يتقمص شخصية "شايلوك" في مسرحية "تاجر البندقية" لوليم شكسبير . عودوا الى ماضيه . رجل يفتقد أي خلفية أخلاقية . حياة بين حلبات المصارعة , والكازينوات , والغانيات .

انه يزدري العرب . لا يرى فيهم أكثر من "حثالة بيولوجية" (اسألوا فريد زكريا وحتى جيفري غولدبرغ) . لا ينظر اليهم كحلفاء بل كعبيد ومرتزقة .

كل تلك الخدمات "الجليلة" التي قدمتها المملكة على مدى ثمانية عقود لا تعني له شيئاً . بكل تلك الصفاقة , الاهانة تلو الاهانة . أمام الجمهور قال لصاحب الجلالة ... لولانا لما كان باستطاعتكم الصعود الى طائراتكم الخاصة والفرار .

لم يجد في سلمان بن عبد العزيز سوى صاحب التريليونات . قيل لنا "لولا خوف الملك على ابنه لأمر بازالة أي أثر لأميركا في السعودية" . ما العمل ؟ الأميركيون في جدران قصر اليمامة , تحت السجاد الفاخر , بل وفي العباءات القشيبة .

الطريقة المثلى , البقاء تحت المظلة الأميركية . غداً يرحل دونالد ترامب وتبقى أميركا !

ولكن ألم يقل لهم باراك أوباما , وكان رجل هارفارد في البيت الأبيض لا رجل لاس فيغاس , "المشكلة فيكم " . ليست في اي مكان آخر . في البنى الايديولوجية العفنة التي لا تنتج سوى الرؤوس , وهي تتدحرج بين الكهوف والأقبية.

الأميركيون هم من يقولون الآن ان الحداثة ليست في جون ترافولتا , ورقصة الروك اند رول , ولا في اقامة الكازينوات , ولا في تسويق ثقافة الترفيه , وانما في اعادة النظر في هيكلية السلطة بحيث يكون الناس شركاء , لا أرقّاء , لا سبيل أمامهم سوى الولاء للبلاط على أنه الوجه الآخر للولاء لله .

من أجل أميركا , رأى من رأى , أن الطريق الى أورشليم (وهو طريق العروبة وطريق الاسلام) , أقرب من الطريق الى دمشق , والى الدوحة . بطبيعة الحال الى ايران التي مازلنا نصرّ على أن التفاهم معها هو السبيل لاعادة التوازن الاستراتيجي الى المنطقة .

ليس صحيحاً أن دونالد ترامب هو الوحيد الذي يستنزف حتى عظام المملكة . كل ما في الأمر انه يمتلك مواصفات المهرج. الاستنزاف المالي , والأخلاقي , والسياسي , للمملكة جزء من الفلسفة الاستراتيجية للولايات المتحدة .

لنتصور أن المبالغ التي ذهبت الى البنوك الأميركية , والى المصانع الأميركية , والى البورصات الأميركية , والى الكازينوات الأميركية , تم توظيفها في بناء الدولة , وفي بناء المجتمع . ماذا كان ينقص المملكة أن تكون مثل كوريا الجنوبية ؟ لن نقول مثل اليابان .

الذي ينقصنا الانتقال من الارث القبلي الى المفهوم الديناميكي للدولة . من منطق الحاكم ـ الاله الى منطق الحاكم الذي تأتي به صاديق الاقتراع لا الحقائب الديبلوماسية .

كلام دونالد ترامب عرّانا جميعاً . من أجل عبارات صيغت بمنتهى اللياقة حول حقوق الانسان , أعلنت السعودية الحرب على كندا . لاحظتم كيف تزعزع وجه عادل الجبير , واعترض على انتهاك السيادة , كما لو أن ما تفوّه به دونالد ترامب لا ينتهك فينا الانسان , وينتهك فينا الكرامة , ولا ينتهك فينا القيم . نحن الضنينون ببني قومنا .

الحل (الحل المستحيل) أن تخرج المملكة من العباءة الأميركية . عادة تزحف الدول الى واشنطن من أجل التسول. أي منطق ألاّ تكون للسعودية , وهي العملاق المالي, استقلاليتها , وقوتها , بل وسيادتها ؟ أن تكون الرائدة في التعامل مع المعايير الفلسفية للحداثة .

(ولكن ...) , بالخط الأحمر العريض . انزعوا من لاوعيكم كلمة "ولكن" . هي أميركا التي تذكّركم في كل لحظة بأنكم الريشة في مهب الريح . خيارات كثيرة لتكونوا الصخرة ...

ارفعوا رؤوسكم ولو مرة واحدة !!