لماذا يعتبر خصوم ترامب أنه أفضل الرؤساء الأمريكيين؟

لماذا يعتبر خصوم ترامب أنه أفضل الرؤساء الأمريكيين؟
10.05.2020

في العلوم العسكرية هناك جانب بالغ الأهمية يتم تدريسه والعمل به، لما له من دورٍ في حسم المواجهات، وهذا الجانب يُسمّى "تقدير العدو"، ويشمل استطلاع ودراسة إمكانيات وخطط العدو والظروف المحيطة بعمله، ليتم تخطيط المعارك حسب تلك الدراسة، وقد تضطر بعض الجيوش للاستطلاع بالنار لكشف قدرات العدو وخططه.

وبالتأكيد هذا الجانب ينسحب على العمل السياسي، ولذلك تلجأ الدول حتى إلى زرع الجواسيس لكشف سياسات خصومها وتوجهاتهم، كما ينسحب ولو بدرجةٍ أقلّ على غيرهما من الأعمال. والسؤال هنا: لماذا يعتبر معظم خصوم واشنطن وأعداؤها أن الرئيس الحالي دولاند ترامب هو أفضل الرؤساء الأمريكيين، كما قال الرئيس السوري بشار الأسد في أحد لقاءاته؟

يرى معظم المتابعين للشأن الأمريكي، أن ترامب خلال وجوده في البيت الأبيض ارتكب الكثير من الأخطاء التي كشفت الولايات المتحدة بحجمها الحقيقي لا بالحجم الدِعائيّ والإعلاميّ. قد يكون خطأ ترامب هو أنه قاد السياسة الأمريكية بعقلية مدير شركةٍ خاصةٍ لا بعقلية رئيس دولة عظمى، ولكن الخطأ الأكبر هو أنه كان واضحاً أكثر مما يجب، لدرجة أنه جعل السياسة الأمريكية مكشوفة أمام الجميع، ففقدت ثقة الأصدقاء وأعطت للخصوم أوراقاً مجّانية ليبنوا سياساتهم على أساسها.

ومن يتابع سياسات ترامب لا يستطيع إلّا أن يربط بين تلك السياسات وبين الشعار المُلفت الذي طرحه جيمس كارفيل أثناء الحملة الانتخابية الناجحة للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في انتخابات عام 1992، وبالتالي وصوله لزعامة البيت الأبيض، هذا الشِعار الذي يقول "إنّه الاقتصاد أيّها الغبي"، رُفع في وجه الرئيس الأسبق جورج بوش الأب الذي نافس كلينتون على الرئاسة، معتمدا على نجاحاته في غير مجال وخاصة في حرب تحرير الكويت، ولكن أسقطه فشل سياساته الاقتصادية.

ويبدو أنّ هذا الشعار سكن عقل ترامب خلال حملته الانتخابية وحتى بعد وصوله للحكم، وعندما عمل به كان عمله بطريقة خاطئة تعتمد على العقوبات كما حصل مع الصين وروسيا وإيران وغيرهم، والإهانات والتهديد كما حصل ويحصل مع السعودية، ولم يستثن أحدا بما فيها الدول الحليفة للولايات المتحدة مثل تركيا والدول الأوروبية، الأمر الذي جعل معظم الدول تتلاقى للتخفيف من آثار الهجمات الاقتصادية الأمريكية، وكانت النتيجة أن تجد الولايات المتحدة نفسها تواجه بمفردها ردودا كان بعضها مُؤثرا بالاقتصاد الأمريكي، كما هو الردّ الصيني الذي ترافق مع العبث الأمريكي بأمن الخليج مما أدى إلى زعزعة الأسواق في الفترة الأخيرة، الشيء الذي دفع البنك المركزي الأمريكي الاحتياطي إلى خفض أسعار الفائدة للتخفيف من آثار ذلك، وبذلك ظهر الاقتصاد الأمريكي على حالته الحقيقة بأنّه اقتصاد يمكن أن يكون في خطر حقيقي ولاسيّما في ظِل النمو الاقتصادي السريع للدول المنافسة.

هنا قد يأتي من يقول ولكن السياسة الاقتصادية الأمريكية الحالية ساهمت برفع مستوى الاقتصاد الأمريكي، ودليله قول ترامب عبر تغريدة بأنّ "بعض أفضل الأرقام الاقتصادية في بلادنا على مدى تاريخها يحدث الآن".  وطبعاً هذا الكلام يجافي الواقع، بدليل أن نسبة النمو في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الربع الثاني من عام 2014 أي خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما بلغت 5,5%، بينما تراجعت إلى 2,1% في الربع الثاني لعام 2019، وما هذه التغريدات سوى كذبة من أكاذيب ترامب الهائلة والتي بلغت 9014 كذبة أو تصريحاً مُضلّلاً خلال 773 يوماً أمضاها في البيت الأبيض وذلك بحسب ما جاء في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية.

عدم نجاح ترامب في السياسة الاقتصادية يرافقه فشلٌ ذريعٌ في السياسة العسكرية، وفي سياسة بناء الثقة مع الحلفاء، ففي الجانب العسكري ظهرت الولايات المتحدة دولة تخشى النزاع العسكري حتى مع دول أقل منها شأناً، وأضحت تجترع الإهانات المتتالية لعدم قدرتها على توجيه ضربة قويّة لسوريا، إلى هروب جنودها بشكلٍ مهينٍ من مُعظم الشمال السوري، إلى تراجعها العسكري أمام الموقف الإيراني الصارم في الخليج العربي، وخاصة بعد القصف الإيراني لقاعدة "عين الأسد" الأمريكية في العراق، هذا الأمر الذي لم يحدث أن تلقته الولايات المتحدة من قِبل دولة منذ الحرب العالمية الثانية. يضاف إلى ذلك عدم قدرتها على حماية مواقع النفط عند أفضل حلفائها الخليجيين، وذلك في ظِلّ عجز وسائط الدفاع الجوي الأمريكية التي اشتراها كُلّ من يتبع للولايات المتحدة، هذه الأسلحة التي تبيّن أنّها أضعف بكثيرٍ ممّا رُوّج لها، حالها كحال نظام الطوارئ الذي كشف للعالم بعد جائحة "كورونا" هشاشة الدولة الأمريكية في معظم مفاصلها، ولهذا فقد خرجت الولايات المتحدة من دائرة الثقة لدى معظم حلفائها، وبدت عاجزة عن حمايتهم. وقد تكون هي المرّة الأولى الذي يُبدي فيها سياسيون إسرائيليون على الإعلام العبري، خشيتهم من أن تتخلى الولايات المتحدة عن "إسرائيل" كما تخلت عن الأكراد في كُلٍّ من العراق وسوريا، وعن السعودية في أكثر من مكان.

وقد يكون أهم ما كشفته سياسات ترامب هو زيف الادّعاءات الأمريكية التي كانت تتغني بعملها على حريّة الشعوب وديمقراطيتها، وإذا به يُعري كلَّ شيءٍ ليقول عَلناً بأنّ الأمريكيين يريدون المال والنفط بصرف النظر عن مصالح الشعوب. وبكل الأحوال يبدو أن نظرية فولتير التي تقول أن "السياسة هي أول الفنون وآخر الأعمال"، قد وصلت للرئيس ترامب بشكل معكوس، أو أنه عمل بها بشكل معكوس، الشيء الذي لم يكن ليحلم به أشد خصوم وأعداء الولايات المتحدة الأمريكية.