العلاقات الأمريكية الروسية.. منظور تاريخي حول المفاهيم المتغيرة

22.06.2016

وسط تراجع العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا يوجد اهتمام متزايد لفهم العوامل التاريخية والثقافية العميقة التي تؤثر على الإجراءات السياسة لكل طرف. هذه المحاولة لفهم "الآخر" هي ليست جديدة في نواح كثيرة - فمجالات الدراسات الأمريكية والروسية تعود إلى عام 1850 عندما بدأ العلماء في البلدين بمراقبة الاتجاهات السياسية والاقتصادية والثقافية في البلدين والعمل في منافسة  من أجل  المستقبل.
الكتاب الجديد حول الدراسات السوفيتية الروسية في الولايات المتحدة، والدراسات الأمريكية في روسيا، والذي حرره اثنين من الأساتذة البارزين وهما – إيفان كوريلا من الجامعة الأوروبية في سانت بطرسبرغ وفيكتوريا زورافيليفا من الجامعة الروسية الحكومية للعلوم الإنسانية (RSUH) في موسكو، يجتمع كبار الأكاديميين الروس والأمريكيين في محاولة لفهم أفضل لكيفية تطور العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا من وجهة  نظر العلماء في كلا البلدين خلال أكثر من 150 عاما.
ولادة الدراسات الروسية والأمريكية

في أواخر عام 1850، اجتذبت محاضرة عاطفية عن أمريكا لأستاذ جامعة خاركوف ديمتري كاخينوفسكي جماهير واسعة. سمع العديد من أفراد الجمهور هجوما ضمنيا على مبدأ العبودية من خلال التعرض لنظام العبودية الأمريكي. إنها مصادفة رمزية أنه في وقت ليس ببعيد، في خريف عام 1857، حاضر الدبلوماسي الشاب أندرو ديكسون وايت وحذر مواطنيه من شرور العبودية الروسية بينما كان ينتقد ضمنيا ممارسة الرق في بلاده.
كانت كلتا المحاضرتين تحذران: كان كاخينوفسكي يخفي رسالته المناهضة للعبودية بسبب الرقابة الحكومية، في حين أن نظيره الأمريكي كان أيضا يخفي آرائه بسبب ضغط الرأي العام السائد. ومع ذلك سمعت أصواتهم.
كان كاخينوفسكي ووايت من بين رواد الدراسات الأميركية والروسية. واكتشف العلماء أن التعلم من بلد آخر ليس مجرد مسعى مثير بحد ذاته، ولكنه أيضا يوفر منظورا جديدا حول الأشياء ويشكل مرآة تعكس عيوب المرء وإنجازاته. وكان هذا صحيحا بشكل خاص عندما تكون النظرة إلى  الوطن من خلال النظرة الجماعية للآخرين. مثل هذا الاختيار ينبع من القواسم المشتركة بين البلدين والمصالح المشتركة في الوقت الذي كانت فيه روسيا بحاجة إلى إصلاحات وكانت الولايات المتحدة على الطريق نحو دور أكبر في السياسة العالمية.
الدراسات الروسية السوفيتية في الولايات المتحدة، والدراسات الأمريكية في روسيا تمثل الاتصالات المتبادلة في المشاريع الأكاديمية من خلال تشابك قصص كاخينوفسكي ووايت وغيرهما من علماء القرن الـ19 والـ20 والمثقفين الآخرين الذين أسسوا لنشأة وتطور الدراسات الروسية والأمريكية والتخصصات الأكاديمية حول هذا الموضوع.

انعكاس مزدوج
هذا الكتاب يقدم ممارسة مثيرة للاهتمام في ما يسميه المؤلفون بـ"التفكير المزدوج" – ندرس الآخرين في نفس الوقت الذي يدرسوننا فيه. والكاتبان المشهوران في الدراسة الأمريكية يخبران القراء منذ البداية أن الكتاب ليس "حول العلاقات الروسية-الأمريكية"، ولكنه بدلا من ذلك يركز على البعد الأكاديمي في سياق تاريخي، إذ يركز على آليات تشكيل المعرفة المهنية حول روسيا والولايات المتحدة، مناقضا للتصورات غير الأكاديمية وغير الخبيرة حول هذا الموضوع.
الدراسات الروسية السوفيتية في الولايات المتحدة والدراسات الأمريكية في روسيا تتعامل مع الأثر الذي تحدثه جداول الأعمال الوطنية والدولية والموروثات التاريخية والتقاليد الثقافية الاجتماعية في عملية فهم الآخر.
الذي يجعل هذا الملف خاصا ومهما، أنه يضم مجموعة مثيرة للإعجاب من المؤلفين من خيرة علماء البلدين من المؤرخين وعلماء السياسة وعلماء اللغة الذين انضموا إلى الأصوات التي تدعو إلى "حوار متعدد التخصصات عبر الأطلسي".
وتتراوح الموضوعات من صورة أمريكا في أدب الأطفال السوفيتي إلى الدورات حول روسيا في كليات المجتمع الأمريكية. العمل يتألف من ستة عشر مقالا، ولكن المقالات الروسية والأمريكية لا تعكس صورة متطابقة عن بعضها البعض. لذلك يتم ربط كل هذه المواضيع المتنوعة في رواية متقاربة في المقدمة والخاتمة التي تحدد خمسة مواضيع شاملة: العلاقة بين البحث العلمي والبرامج الوطنية، وعملية تشكيل المعرفة لدى الخبراء، وأهمية المغتربين في دراسة أوطانهم الأصلية، وظاهرة تشكيل "المعرفة" عن الآخر، ودور "العامل البشري".

الكتاب مهتمون بالتركيز أكثر على موضوعات البحوث والمناهج المستخدمة. وبدأ الباحثون دراسة لمعرفة المزيد من الدوافع والعوامل التي تجعل الناس يتوجهون لدراسة بلد آخر وتأطير النتائج التي توصلوا إليها بطريقة معينة. لذلك ليس من المستغرب أن الكثير من الاهتمام قد تم إيلاؤه إلى المحور الخامس "العامل البشري" الذي يتجلى بطرق مختلفة.
وتركز بعض مقالات على الشخصيات التي تركت بصماتها على دراسة الأمم الأخرى - مثل اليزابيث رينولدز هابجود، بيتيريم سوروكين، وغيرهما من الكثيرين الذين وضعوا الأساس للدراسات الروسية والأمريكية والتخصصات العلمية الأخرى. بعض الفصول الأخرى أضافت لمسات شخصية أكثر  مثل ريتشارد تي دي جورج وويليام ب ويزينهونت اللذان أضافا مشاركة خاصة حول تجربتهم في التدريس والبحث وحل القصص التي توضح الاتجاهات العامة في تطوير تخصصاتهم.
بذكر المجلد كل المعلقين الذين كانوا رومانسيين في وصفهم لبلد الآخر، وأولئك الذين جرحوا. هو يسلط الضوء على أهمية المؤسسات البحثية ومؤسسات الفكر والرأي وكذلك الجامعات والكليات. وهو يغطي فترات مختلفة من المرحلة قبل الأكاديمية إلى مرحلة التخصصات الأكاديمية الكاملة ويتعامل مع المدارس البحثية المختلفة والأجيال المختلفة.

وهناك ميزة جذابة جدا لهذا الكتاب وهي أن المؤلفين أنفسهم ينتمون إلى أجيال مختلفة، ويمثلون مجموعات متنوعة من المراكز الأكاديمية والمواقع الجغرافية - من موسكو إلى سمارة، من هلسنكي الى سان بطرسبرج، من واشنطن العاصمة الى كانساس. وقد شكل  الأكاديميون من قدامى المحاربين مثل نورمان شاول وفلاديمير سورغين الوجه الحالي للدراسات الروسية والأمريكية، في حين أن زملائهم الأصغر سنا والمشاركين معهم يضعون حجر الأساس لاتجاهات البحوث المستقبلية في هذه التخصصات.
هذا الوقت الذي يسود فيه التوتر بين البلدين هو الوقت المناسب لكتابة مثل هذا الكتاب والوقت المناسب لقراءته أيضا. لقد درس الروس والأمريكيون بعضهم البعض منذ عقود، ولكن كما يقول مؤلفو الكتاب أن "المعرفة الجيدة من قبل الخبراء قد لا تترجم دائما إلى سياسات جيدة".

من الناحية المثالية فإن المعرفة الأكاديمية والخبرة يجب أن تشكل أجندة واقعية جديدة للعلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا. بدلا من ذلك، يمكن للمرء أن يرى أن كثيرا من الأجندات السياسية تمليها الأولويات الموضوعية والنهج والتصورات وزوايا البحوث التي كانت قائمة أثناء الحرب الباردة وما قبلها.
وهناك، أسباب أخرى للقلق الشديد وفقا لهذا الكتاب، سببها الفجوة بين الأجيال ونقص التمويل للتعليم والبحث وعدم اهتمام الحكومة في الاستماع إلى وجهات نظر الأكاديميين. ومع ذلك فهذا الكتاب نفسه من خلال موضوعه ونطاقه متعدد التخصصات وفريقه المتنوع  يلهم التفاؤل بشأن الحاضر والمستقبل من خلال الدراسات الأكاديمية الروسية والأمريكية عن بعضهم البعض.