الحرب السورية وضعت نظرية الأسد لربط "البحار الخمسة" قيد التطبيق

31.08.2018

منذ أن بدأت الحرب السورية منتصف مارس /آذار 2011، خرجت إلى العلن مفاهيم ومصطلحات جديدة، وطرأت تغيرات عديدة، طالت كل شيء، في منطقة الصراع في الشرق الأوسط، والساحة الدولية، بدء من شكل الحرب ذاتها، والتي قامت على استخدام نمط ما يعرف اليوم، بحروب الجيل الرابع أو الحرب "اللا متماثلة" ، والتي تقوم على: "الحرب بالإكراه ، إفشال الدولة ، زعزعة استقرار الدولة ثم فرض واقع جديد يراعي المصالح الأمريكية"، بحسب البروفيسور الأمريكي "ماكس مايوراينك"، أول من أطلقها في معهد الأمن القومي الإسرائيلي. 

وصولا إلى تطوير آلية المجابهة والرد، من قبل الأطراف المعنية بهذه الحرب (سوريا وحلفاؤها)، والتي ابتدأت باستيعاب هذه الحرب، وتطويق الهجمات ومحاصرتها، وإفراغها من مضامينها، ثم إعادة السيطرة عليها، بطرق عسكرية أو تصالحية/ سياسية في الغالب.

استمرار هذه الحرب ودخولها عامها الثامن، وانتقالها من ضفة الصراع على سوريا، إلى الصراع مع سوريا ومحورها، وبحكم فعل السيطرة - شبه الكامل - على الميدان، من قبل الدولة السورية وحلفاؤها، خاصة بعد إنجاز معركة الجنوب والجنوب الغربي مؤخرا، وبزمن قياسي، ربما خلق الحاجة على ما يبدو لدى المحور الروسي الإيراني السوري، لفتح جبهة المواجهة كاملة، وعلى مصراعيها، مع أطراف الصراع الدولي والإقليمي، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية.

فهل حانت الفرصة التاريخية الأنسب لتطبيق "نظرية التشبيك"، التي أطلقها الرئيس السوري بشار الأسد عام 2004، والهادفة إلى الاستفادة من موقع سورية الجغرافي، ووضعها في مركز شبكة الطاقة والنقل الإقليمية؟

خاصة وأن حالة التوازن والتفوق التي عمل على مراكمتها هذا المحور، خلال سنوات الحرب، والتي بدأ يستشعرها الأمريكي على وجه الخصوص، باتت تتكلم عن نفسها بنفسها، وما جملة المواقف والأفعال التالية، التي صدرت مؤخرا، إلا ترجمة لهذه الحالة وتأسيس عليها:

"البحر الأحمر لم يعد آمنا للوجود العسكري الأمريكي"، كانت هذه رسالة قائد فيلق القدس في الجيش الإيراني قاسم سليماني، 26 يوليو/تموز الماضي،  مخاطبا الإدارة الأمريكية.

أما قائد سلاح البحرية في الجيش الإيراني الأدميرال حسين خانزادي، كان قد صرح في 2 أغسطس /آب الجاري، بأن مضيق هرمز "لن يكون آمناً" لمن يستخدمون أموال النفط المار من المضيق "لتهديد" أمن إيران، مؤكدا أن بقاء مضيق هرمز "مفتوحاً"، مرهون بتأمين "المصالح" الإيرانية، ووفاء المجتمع الدولي "بتعهداته" حيال إيران.

12 أغسطس /آب الجاري، تم فيه اجتماع رؤساء الدول الخمس لمحيط بحر قزوين، وبدعوة من روسيا، وبعد مفاوضات شاقة امتدت لأكثر من عشرين عام، وقعوا اتفاقا أقل ما وصف به أنه "تاريخي"، يحدد وضع بحر قزوين، ويضع حدا للنفوذ الأمريكي في المنطقة.

صحيفة "الديلي تليغراف" البريطانية كشفت أمس الأول، أن: "روسيا​ حشدت على الأقل 10 بوارج حربية وغواصتين في منطقة الشرق المتوسط، فيما يعتبر أكبر حشد عسكري بحري للقوات الروسية، منذ بدء التدخل العسكري الروسي في ​سوريا​ عام 2015".

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، يوم الخميس 30 أغسطس/آب، أن روسيا ستجري "مناورات واسعة" في البحر المتوسط خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر/أيلول القادم، بمشاركة 25 سفينة و30 طائرة.

بالمتابعة لجملة المواقف والأفعال هذه، وغيرها – والتي جاءت تباعا - لا يرجح أن تكون مجرد ردات فعل، تتوزع هنا وهناك، ردا على تصريحات الإدارة الأمريكية "الترامبية" الحالية، فالأمر ليس مختصرا بذلك، ولا يجب أن يختصر بعد اليوم على هذا النحو، هذه المواقف من أطراف المحور المناهض للوجود والهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، تتجاوز كونها رسائل شديدة اللهجة تحذر واشنطن، بأن ما أمست به هذه المنطقة، من تفاهمات وشراكة، ليس باستطاعتها بعد اليوم إنكاره أو تجاوزه.

فالأمر قاب قوسين أو أدنى من تحقيق نظرية الأسد الإستراتيجية في "التشبيك"، والتي ستكون دمشق عقدة ربطها، وكل من إيران وروسيا جناحا أمنها وأمانها، وباقي دول المنطقة حاكمة في توازناتها، ما يعني بالضرورة، الانتقال من حالة الاشتباك القديمة القائمة، إلى حالة التشبيك الراهنة والقادمة.

والحاصل في الوقت الحالي، والذي تختصره معركتي إدلب، السياسية الحالية، والتي هي في ذروتها وأشدها الآن، بما تحمله من احتمالات، والعسكرية المنتظرة على جمر الاستعداد "ساعة صفرها"، أهم المعارك وآخرها على الأرض السورية - لما تمثله من "وأد" لجيل واشنطن الرابع من الإرهاب لغير رجعة، يلخص ويفسر التخبط الذي تعانيه واشنطن وحلفاؤها، سواء فيما بينهم (أمريكا – تركيا والسعودية - قطر)، أو مع دول المحور الروسي الإيراني السوري، لإدراكهم حقيقة أن "التشبيك" و"الربط"، التي كانتا مجرد "رؤية" إستراتيجية، غدت الآن أمرا واقعا بشكل أو بآخر ...