الغوص في الخفايا: ماذا جنت المخابرات الأمريكية من اغتيال الجنرال قاسم سليماني؟

07.01.2020

   إنّ سؤالاً كهذا، يستهدف الوقوف على المكاسب التي حققتها المخابرات الأمريكية من عملية اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني؛ الذي أعتبره الأمريكيون تهديداً مباشراً لمصالحهم وحلفائهم في منطقة الشرق الأوسط بما كان يملكه من مؤهّلات شخصية قيادية استثنائية، قلّ ونذر أن تتواجد في شخصٍ أخر، من حيث التمتّع بالذكاء العالي والخبرة وبعد النظر، علاوة على نشاطاته التي شكّلت مصدر رعب عند أعداء محور المقاومة، وقيمته في النفوس لدى التابعين والمخالطين له، ورتبته العسكرية الخطيرة التي أهلته لمستوى الجلوس مع رؤساء دول على طاولة واحدة ، ومكانته لدى القادة الكبار الإيرانيين، فقد كان مديراً ناجحاً للأزمات، ومخططاً عسكرياً بارعاً، وخبيراً بالعمل الاستخباراتي، ويعرف من أين تؤكل الكتف، متعمّق بالتخطيط الاستراتيجي، والكمائن الاستراتيجية في الأزمات السياسية، ومديراً متقناً للمناورات والحروب النفسية ضد أعداء محور المقاومة لا سيما العدو الإسرائيلي والأمريكي وأدواتهم، وتواجده في كل مكان وزمان أقتضى وجوده، لذا كان {الجنرال قاسم سليماني رحمه الله} مصدر رعب حقيقي لأعداء دول محور المقاومة، ومن هنا نشأ التفكير بإزالة هذا التهديد عند المخابرات الأمريكية والإسرائيلية القابعة في الظل ليس لشيء إلا لخوفهم منه ومن الفيلق الذي كان يقوده،.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل زال الخطر عن مصالح بني صهيون وحلفائهم باغتيالهم للجنرال سليماني؟ وجوابي لا لم ولن يزول، وذلك للأسباب الأتية الذكر:

أولاً: إنّ الروح الثورية متأصّلة في اللاشعور الجمعي للشعب الإيراني، وهذا بمثابة ظاهرة وليست حالة فردية، فعلى سبيل المحاكمة المنطقية، هل سليماني إلا نسخة عن جدّه الإمام الخميني أو نسخة عن مرتضى مطهري أو نسخة عن الثائر محمد مصدّق أو .. أو .. أو إلخ.

ثانياً: إنّ المرتكز الإيديولوجي يتميّز بالثبات والرسوخ، فهو ماثلٌ في طبيعة النظام السياسي الإيراني متمثّلاً برؤية الإمام الخميني ومنظّري الثورة الإسلامية له، وماثلٌ في تركيبة مؤسسات الدولة الإيرانية، ولا حاجة للأمثلة وللتدليل، وماثلٌ في العقلية الإيرانية؛ الأمر الذي تجلّى بالشخصيات الحاكمة وتلك التي تدير مؤسسات الدولة الإيرانية.

ثالثاً: الشخصيات الموثوقة صاحبة الولاء المحض لمشروع الثورة الإسلامية ولولاية الفقيه ولا نبالغ إذا قلنا لماضي الأمّة الفارسية، وهم أغلبهم نسخاً عن قاسم سليماني ومثله، وينتمون إلى التيار المحافظ، الذي ولد مع ولادة الثورة الإسلامية الإيرانية وتطوّر من يمين تقليدي إلى تيار محافظ، وإلى هذا التيار ينتمي أغلب أفراد المجتمع الإيراني حتى التيار الإصلاحي، فإنّه معمّم يؤمن بمبادئ الثورة الإسلامية أي إنّ المجتمع الإيراني يضم الاف مؤلّفة من أمثلة الجنرال قاسم سليماني.

رابعاً: مبادئ الثورة ثابتة لا تتغيّر منها دعم المستضعفين حتى خارج نطاق الحدود الإيرانية أنّ هذا مشروع مضمّن دستورياً لا يظهر بظهور شخص ما ولا يختفي باختفائه، بل إنّه نهجٌ مستمر.

خامساً: إنّ مؤسسة الحرس الثوري الإيراني مليئة بالشخصيات الثورية والعسكرية القوية والمحنّكة، فمنهم مثلاً أحمد وحيدي القائد السابق لفيلق القدس الذي اشتهر بالحنكة والمهارات القيادية أيضاً.

سادساً: إنّ القضية الفلسطينية التي أنشئ لأجلها فيلق القدس ذات أهمية محورية في السياسية الإيرانية من الأدبيات والنظرية إلى الممارسات العملية، لذا إنّ هذا الفيلق مستمرٌ في وجوده ونشاطه، ويحظى بالدعم اللازم.

سابعاً: إنّ السياسة العامة لإيران داخلاً وخارجاً ترتسم من قبل المرشد الأعلى يعاونه مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهذا نص دستوري أي لا يقررها شخص بعينه مهما كان قوياً وذكياً كالجنرال سليماني مثلاً.

ثامناً: إنّ المسائل الهامّة والسرية المعقّدة في نطاق المسائل الخارجية يعالجها مجلس الأمن القومي الإيراني، وهذا المجلس مختص ويتابع المسائل الدقيقة والهامّة كالملف النووي، لذلك إن الخطط تولد من هنا جمعاً، وبالنسبة للتنفيذ، فإنّ فُقِدَ منفّذ، سيتواجد الكثير من المنفّذين بدلاً عنه.

تاسعاً: استهدفت المخابرات الأمريكية شخصية عسكرية محورية، ولكنها لا تستطيع إلغاء النهج الثوري لإيران، ولا الإيديولوجيا الخمينية، ولن تلغي الخطط الكفيلة بحماية الأمن القومي في وسط توتّرات مع الأمريكي في منطقة ساخنة، وجميع الاحتمالات السيئة، ومفتوحة عند الطرف الإيراني.

عاشراً: إن محور المقاومة ودوله بدء من إيران إلى سورية إلى العراق إلى لبنان ممثّلاً بحزب الله يقوم على: (ايديولوجيا- وفكر وروح ثورية- مشروع وأدوات متعدّدة- أماكن وأزمنة متعدّدة)، لذا إنّ استشهاد سليماني لن يلغي{مقاومة دول محور المقاومة}، ولا ننسى أنّ "اسرائيل" مرعوبة من حزب الله الذي سبق أن خسر قائداً محورياً ألا وهو عماد مغنية، فظهر بدلاً منه ألاف مؤلفة بذات الكفاءة والشجاعة والتشدّد بالمعتقد.

  إذاً بعد هذه النقاط العشر يمكننا الاستنتاج بأنّ الاغتيال الأمريكي للجنرال قاسم سليماني قد أثّر على المعنويات فقط، أما العزيمة والإيديولوجية الثورية الإيرانية ومقارعة الأمريكي والإسرائيلي وحلفائهم في منطقة الشرق الأوسط، فإنّها مستمرّة وبوتيرة أشد ، وبنهجٍ ثابت، وبالنسبة لطبيعة الرد الإيراني، فمع احترامي الشديد لقدسية رفع الرايات الحمر ومعناها العظيم عندي، وللتصريحات المندّدة بالانتقام، وللدول التي أعلنت المؤازرة الدبلوماسية، فإن الحديث عن حرب شاملة تعلنها دول محور المقاومة بقيادة إيران ضد الصهيو- أمريكي، أمرٌ مستبعد، لأنّ هذا أمر مخطط له أمريكياً هدفه استجرار المحور لمثل هذه الحرب التي لن يدفع ثمنها إلا دول محور المقاومة، دون أن ننخدع بما يسمى حليف أو صديق أو شريك، فعند اندلاع الحرب سنبقى وحيدين ؛ الحرب التي لا تفيد فيها الأبواق الدبلوماسية، وأما توقعاتي فإنّ الرد سيكون بتهديد وضرب مصالح حيوية إما للأمريكي أو لحلفائه في أماكم وأزمنة متعدّدة.

  ولا مجال للحديث عن اغتيال شخصية بشخصية أخرى، فحذاء الشهيد سليماني يساوي رؤوس القادة الأمريكيين والخليجيين والاسرائيليين، وأخر المطاف، رحمة الله عليك يا سيدي الجنرال قاسم سليماني وألحقك بقافلة العشق الحسيني، وأشهد أنك أديت الرسالة الحسينية قولاً وفعلاً، فاستحقيت بجدارة وسام الشيعي الثائر الرافع لراية الرسول محمد وآل محمد عليهم السلام.