لبنان بين ألسنة اللهب المشتعلة والدولة "تائهة" بين الدخان

17.10.2019

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، فلبنان الذي عايش الكثير من الحوادث الأليمة والكوارث العابرة بات معتادا على وقوف أبنائه إلى جانبه في أصعب الأوقات، في ظل غياب الدولة غير القادرة على اتخاذ قرار مسؤول في وقت يعد الحدث امتحان للدولة وإمكانياتها.

يتغنى لبنان بشعراء الزمن الجميل الذين ضحوا بعمرهم ووقتهم بوصف لبنان "الأخضر"، فمن جبران خليل جبران إلى الیاس أبي شبكة وكتاباته عن الطبيعة وصولا إلى "عباقرة" الحالة اللبنانية كسعيد عقل الذي أوصل بلبنان إلى المكانة الإلهية قائلا: "ازرعيهم بالوعر أرز وسنديان وقوليلهن لبنان بعد الله يعبدوا لبنان"، بالإضافة إلى الأغاني عن لبنان والطبيعة الخضراء التي يتميز بها بدءا من فيروز إلى الأخوة الرحابنة وصولا إلى فناني العصر الحالي.

ليطمئن هؤلاء أن لبنان الذي يشبه شعرهم وأغانيهم أصبح أوراقا كلماتها محروقة  أخذت بطريقها "الأخضر واليابس" ولم يتبق منها سوى بضعة شجيرات من الأرز بينهن واحدة على العلم اللبناني الذي بات عملة نادرة في بلد نهشته الأحزاب والطوائف والمذاهب وتحرق فيه ما تبقى من وطن وسط النيران المشتعلة.

الدولة الغائبة وسط الدخان

تتناقض تصاريح "رجالات" ومسؤولي الدولة في لبنان مع الواقع على الأرض المحروقة بفعل الإهمال وعدم الاكتراث لأدنى المستويات، فالعودة إلى أصل المشكلة عموما اليوم بات حلا بعيدا، وفي دولة يصل أعلى مستوى تفكيرها إلى حسابات التطييف والمذهبية في أدنى مراكز التوظيفات خوفا من "إستعلاء" و"غلبة" طائفة معينة على طائفة أخرى في نصوص مكرسة تاريخيا باتت للبعض أعراف لبناء الدولة "الناجحة".

ففي سياسة الدولة اللبنانية قرارات مفتعلة بعوامل طائفية تعجز من خلالها السلطة توظيف حراس الأحراج، الوظيفة البعيدة كل البعد عن وظائف الفئة الأولى والثانية ينتمون إلى فئة سادسة لا تشملهم المناصفة الطائفية، لكن الصراعات السياسية اللبنانية ولامبالاة المسؤولين عجل بوقوع الواقعة التي لم يحسب لها حساب، بالإضافة إلى قضية شغور في أعداد عناصر الدفاع المدني وإهمال الدولة لأبسط حقوق هؤلاء الذي دقوا ناقوس الخطر منذ سنوات.

أما المصيبة الأكبر، هي المفاخرة بطائرات متخصصة اشترتها الدولة اللبنانية عبر مساعدات وهبات مالية انتهى مصيرها في مطار بيروت تستخدم لتصوير الكليبات الفنية واكتفاء المسؤولين اللبنانيين برمي المسؤولية على بعضهم البعض سعيا لتبييض صورتهم أمام المواطنين المنكوبين في المناطق التي طالتها الحرائق.

لم تتحرك الدولة بالمعنى الحقيقي للكلمة اقتصرت على تحركات خجولة بدت للبعض استعراضات ليس أكثر من ذلك ومسؤولين آخرين اعتبروا الأمر "أفعال خيرية" يقدموها للمواطنين بمنية، بالإضافة إلى طلبات إنقاذ رسمية من دول مجاورة بعد أن باتت الدولة عاجزة عن أقل واجباتها.

غابت الجماهير والحشود الغفيرة لأحزاب السلطة التي دفنت رؤوسها في الرمال وكأن شيئا لم يكن، وبذلك وضعت القيادات السياسية جمهورها في موقف محرج لمرة جديدة أمام مواطنين منكوبين لم يجدوا إلا منكوبين مثلهم في هذا الوطن المحترق لديهم كل يوم يصارعون فيه مسؤولين عاجزين عن تقديم أقل الحقوق المتوجبة عليهم في وطن باتت فيه الصورة كناية عن أرزة وحيدة وشعب يحترق ودولة تائهة بين الدخان.