البلقان والشرق الأوسط: التراث البيزنطي ومذهب الواقعية

01.04.2016

من أجل أن نفهم السوق الحالية أو الأوضاع الاقتصادية ومصالح مختلف المنافسين لايكفي فهم العمليات الجيوسياسية الجارية حاليا. هذا ينطبق بشكل خاص على منطقة الشرق الأوسط والبلقان. وهناك حاجة إلى تحليل عميق للنظم الإقليمية القائمة لتحديد عناصر الترابط وتطوير الاستجابات الممكنة لجميع أنواع التحديات.
ماذا يوحد وماذا يقسم الشرق الأوسط والبلقان؟، ليس فقط هناك صراع طويل الأمد بين الجهات والأطراف المسيحية والمسلمة من جهة، ولكن، من جهة أخرى، هناك أيضا التعايش بين المعتقدات الإسلامية والمسيحية التي وضعت في إطار من التأثير المتبادل لثقافات الشعوب المختلفة. هذه ليست مسألة تقارب أو تباعد. بل يمكن للمرء أن ينظر إلى هذه النقاط من زوايا مختلفة اعتمادا على وجهة النظر الأفضل.
يجب أن ننتبه جديا إلى أمرين. أولا، أن هناك جملة من التأثيرات الخارجية التي شكلت المنطقتين بحيث تبقيان تحت هذه التأثيرات. والعامل الثاني هو التراث التاريخي والسياسي المشترك الذي، يقدم حلولا لقضايا ومسائل حديثة.
في مناقشة تأثير هذه العوامل، فإنه من الضروري أن نبدأ من عملية الخيال السياسي الذي اعتمده الاستراتيجيون البريطانيون عند إنشاء مشروع الشرق الأوسط والذي فرض على بقية العالم. وتعرف هذه النظرية والتطبيق العملي بـ  "الاستشراق" الذي شرحه إدوارد سعيد بالتفصيل في كتابه. بررت الامبراطورية البريطانية سيطرتها على المنطقة تحت ذريعة نقل المفاهيم الغربية للحكم السياسي إلى شعوب الدول الأخرى باعتبارها الطريقة الصحيحة والوحيدة المقبولة. وهكذا بدأت السياسة التوسعية للغرب. "رالف بيترز" لاحظ بعقلانية  تماما أنه عندما تسعى الولايات المتحدة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، فإنها في البداية ترسل الهمبرغر من ماكدونالدز ومنتجات هوليوود السينمائية لبلدان أخرى. بعد ذلك فقط إذا لزم الأمر، يصبح الرصاص والقنابل أدوات للسياسة الخارجية.
في أي مواجهة جيوسياسية، ينبغي الأخذ بعين الاعتبار جّديا الوعي الذاتي للدول ونخبها. توضح هذه الملاحظة العادية تماما كيف تهيمن الجغرافيا السياسية على أفكار أخرى. هل هذه المنطقة، الشرق الأوسط، مفهومة من قبل دول الخليج العربي والبحر الأحمر نفسها على أنها "الشرق؟" لماذا  لم تقم الدول الغنية في الخليج العربي بعملية إنهاء الاستعمار كما حدث في الهند؟. على الرغم من أن القانون الإسلامي وقوى السلطة الهرمية تهيمن على المنطقة، هذا لم يمنع معظم الدول العربية من الاندماج في النظام العالمي الشامل الموضوع وفقا لبريطانيا، أو بالأحرى الأفكار التحرر الاسكتلندية.
عنصر صريح آخر من "التغريب" يمكن أن نجده في العلوم المعقدة للجغرافيا السياسية. أصر الكتاب الكلاسيكيون في الجغرافيا السياسية أن هناك في العالم، مايسمى " قلب الأرض" وذلك وفق نظرية الكاتب البريطاني ماكيندر (منطقة قلب الأرض هي هضبة التيبت والمنابع الجبلية لأنهار جنوب شرقي آسيا، والأجزاء الشمالية والداخلية من القارة الأوراسية. ويرى ماكيندر أن من يسيطر على قلب الأرض يتحكم في مصير العالم). و"الهلال الداخلي" والمعروف باسم "ريملاند"، والذي يشمل منطقة البلقان والشرق الأوسط. وحول "قلب الأرض" يوجد الهلال الخارجي.
نيكولا سبايكمان، في مراجعة المواقف الرئيسية لهالفورد ماكيندر، يعتقد أن منطقة "الهلال الداخلي" هي أكثر أهمية من "قلب الأرض" نظرا لطبيعتها المزدوجة: فهذه المنطقة الساحلية تواجه القارة الأوراسية، ولكن بنفس الوقت مفتوحة  على البحار الخارجية.
واصل زبيغنيو بريجنسكي هذا الخط من تشويه صورة المنطقة، وحولها إلى القوس الأوراسي من عدم الاستقرار ابتداء من منطقة البلقان وينتهي في جبال الصين. في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى، بريجنسكي أيضا يناقش العامل الإسلامي الذي يرتبط مباشرة بمشاكل هذا القوس، مشيرا كيف انتشر الإسلام في جزء من منطقة البلقان، والقوقاز، وآسيا الوسطى إلى منطقة "شينجيانغ" .
هل هناك أي أثر لصموئيل هنتنغتون ومفهومه لصراع الحضارات يتضح هنا؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فإنه في هذه الحالة، تحمل أنواع الحضارات التي تناولها دلالات دينية واضحة. وبالتالي، فإن النموذج الويستفالي، على أساس الفصل بين السلطة الدينية والدنيوية، هو مهزلة. ولذلك، فإن نتائج "التنوير" يجب أن يتم تفحصها وتنقيحها.
وفي الوقت نفسه، واحدة من نظريات العلاقات الدولية المألوفة في العالم، "الواقعية"، هي أيضا نتاج عصر "التنوير" الإيطالي السابق. يعتبر مكيافيلي الأب المؤسس لهذه النظرية ومفهوم "المصلحة الوطنية"، حيث روج لهذه الأفكار في كتابه الأمير. ولكن هل هذه الآراء جديرة بالتصديق؟. استمد مكيافيلي العديد من فرضياته من كتاب "استراتيجية العمل البيزنطي" للكاتب الذي يعرف باسم موريس أو شبه موريس. فمن غير المهم ما إذا كان هذا العمل ينتمي إلى الأمير موريس أو إلى أحد جنرالاته. ما هو مهم هو أن هذه النظرية البيزنطية "الواقعية" أرشدت القوة القائدة للعالم. غطت الإمبراطورية البيزنطية مساحة كبيرة وانتهجت سياسات ناجحة تماما. وعلاوة على ذلك، واجهت هذه الامبراطورية الحروب، والصراعات الدينية، والتناقضات الداخلية، والهجرة الكبرى التي يمكن مقارنتها مع الأزمة الحالية، وخاصة أزمة الهجرة في أوروبا.
يمكن أن يساعد التراث البيزنطي على العثور على سياسة ملائمة في حل العديد من المشاكل والتحديات القائمة. هذا ليس فقط اختزال للمدرسة الأفلاطونية المسيحية الحديثة التي وضعت وطورت المذاهب الميتافيزيقية في قضايا الإدارة والتنظيم، بل إنه لا مفر منه أيضا لعرض الفلسفة الإسلامية بمعزل عن الإمبراطورية البيزنطية. على الرغم من أن الإسلام الصوفي ومدارس الشرعية قد شهدت تغيرات مهمة، عدد من علماء المسلمين المعترف بهم، مثل ابن العربي، طوروا واستخدموا العديد من الأفكار الأفلاطونية الحديثة. وقد عالج مذهب ابن عربي في وحدة الوجود (وحدة الوجود) ليس فقط الصوفية، ولكن أيضا فقهاء المسلمين وعلماء الدين، وأولئك الذين في الحقيقة عملوا في قضايا السياسة العامة والعلاقات الدولية.
وبغض النظر عن أصلهم المسيحي أو المسلم، فإن أولئك اللذين يعملون ويدرسون اللاهوت، والصفات، والأسماء، وخصائص الله، والأفكار الخالدة للظهور الإلهي وظاهرة ما قبل الخلود، قادرون في نهاية المطاف أن تفهم مصالح واحتياجات الجانب الآخر بشكل أفضل من أولئك الذين يحصلون على الثقافة والعلم في جامعة أكسفورد أو هارفارد وفقا لقوالب الأنجلوسكسونية في التقاليد الليبرالية التي هي في جوهرها معادية للدين.