أخطار الحرب السورية وانعكاسها على تركيا

20.04.2017

أدت الحرب في سوريا إلى انعكاسات شملت كل الدول التي ساهمت في إشعال وتأجيج الصراع.

ولعبت تركيا منذ اللحظات الأولى للأزمة والحرب دورا أساسيا ومحوريا في إشعال وتأجيج الصراع في سوريا من خلال فتح حدودها مع سوريا بشكل مطلق أمام الجهاديين القادمين من كل دول العالم للدخول إلى سوريا والمشاركة في المعارك ضد الجيش السوري، كما فتحت مطاراتها ومراكز ومنظمات دعم هؤلاء الجهاديين بشكل علني وسري، مع تقديم كل الدعم اللوجستي لكل التنظيمات التي تقاتل ضد الدولة السورية. 

إلا أن هذه السياسة التركية سببت لها مشاكل لا تعد ولا تحصى، ابتداءا من المشكلة الكردية في الجنوب التركي ذات الطابع العسكري والسياسي والبنيوي، إلى مشكلة الصراع مع داعش الذي بدأ يعتبر أن تركيا عدوا له، بالإضافة إلى العلاقات التركية الإيرانية والتركية الروسية، ومحاولة الانقلاب في تموز الماضي التي قال الأتراك أنها بتخطيط من تنظم فتح الله غولن الذي يعيش في أمريكا.

ونشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في 18 كانون الثاني تحقيقا حول الانعكاسات المدمرة الكثيرة للحرب السورية على تركيا، ومما جاء في التحقيق:

جاءت الهجمات في تركيا متسارعة وراء بعضها: قنبلتان في ملعب كرة قدم، وقتل دبلوماسي روسي، وبعد ذلك ببضعة ايام، اطلق مسلحون النار على ملهى ليلى في اسطنبول ليلة رأس السنة.
كانت الهجمات التي نفذت على مدى ثلاثة أسابيع وبدأت في كانون الأول / ديسمبر، بمثابة تذكير صارخ بوضع تركيا الخطير وتأثرها بالحرب المجاورة لها في سوريا، من خلال اسلوب التدخل في هذا الصراع وعلاقته في الشؤون الداخلية والخارجية التركية.
هاجم الانفصاليون الأكراد استاد اسطنبول، في حين أكدت داعش مسؤوليتها عن مذبحة النادي الليلي، محذرة تركيا من العمل العسكري في سوريا. وفي أنقرة أطلق ضابط شرطة بشكل مقصود، النار على السفير الروسي في 19 ديسمبر / كانون الأول وأرداه قتيلا.
أدت الاضطرابات في سوريا إلى تعميق خطوط الصدع السياسي والاجتماعي في تركيا، وجلبت العنف إلى مدنها، وعزلتها عن الحلفاء التقليديين. القوات التركية تقاتل وتموت في معارك مع تنظيم داعش في سوريا، وعلاقات تركيا مع عدد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة، متوترة بشكل ملحوظ.
قال هارون شتاين، وهو زميل مقيم في مركز رفيق الحريري في الشرق الأوسط التابع لمجلس الأطلسي، "إن أي جهود لمعالجة الصراع في سوريا ستأثر على السياسة الداخلية التركية".
وتتقاسم تركيا حدودا طولها 500 ميل مع سوريا.
لكن غياب اي حل سياسي "يعني اننا نواجه المزيد من دوامات العنف"، مضيفا أن "تركيا ليس لديها إجابات" حول كيفية حل النزاعات التي لا تعد ولا تحصى في الداخل أو في المنطقة.

كيف تحولت الأحداث بهذا الشكل الفظيع نحو الخطأ المأساوي
كانت تركيا من أوائل الدول المتضررة من النزاع السوري، حيث استقبلت حوالي 3 ملايين لاجئ، ودعت إلى إنشاء منطقة آمنة دولية للمدنيين ولم تنجح بذلك.
وحثت تركيا في البداية الرئيس بشار الأسد على الامتناع عن القضاء على ما يسمى "الاحتجاجات السلمية" في عام 2011. لكن رجب طيب إردوغان الذي كان رئيسا للوزراء آآنذاك، قطع العلاقات مع دمشق، وسرعان ما ألقى ثقله خلف "المعارضة" السورية.
وزاد قراره باستقطاب تركيا، بتأجيج الصراع والتمرد. واعترض خصومه اليساريون على ما قالوا انه سياسة خارجية مغامرة ودعوا اردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم الى وقف الدعم للمتمردين الاسلاميين المتشددين في سوريا.

ورغم سياسات إردوغان وتصريحاته في عام 2011 بأن "أيام الأسد معدودة"، إلا أنه وبعد 6 سنوات، الأسد لا يزال في السلطة، وتركيا هي المنطقة الإقليمية، التي تعمل استراتيجيتها على دعم المسلحين الإسلاميين السوريين - وهو ما نفاه المسؤولون الأتراك بشدة. 
وقال سونر كاغابتاي، مدير برنامج البحوث التركية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "أصبحت الحرب في سوريا أكبر تحد للسياسة الخارجية في تركيا منذ نهاية الحرب الباردة". "نتيجة لمحاولتها الفاشلة للإطاحة بالحكومة السورية، فإن ما يميز أنقرة هو الكره من جميع الأطراف الرئيسية في الصراع السوري، الأكراد و [داعش] ومؤيدي الدولة السورية.
في محاولة لكسر عزلتها، خففت تركيا مؤخرا خطابها ضد سوريا، وتشارك الآن مع روسيا - حليف الأسد - في استئناف محادثات السلام والحفاظ على وقف إطلاق النار.
وقال المسؤول التركي "إن تركيا، بالتعاون مع روسيا، توسطت من أجل إجلاء شرق حلب ووقف إطلاق النار في سوريا".
وقال المسؤول إن محادثات السلام المزمع عقدها فى العاصمة أستانا  "تهدف الى تحقيق تقدم نحو حل سياسي فى البلاد". وأضاف "إن تركيا ستحضر المحادثات كضامن".
لكن نائب رئيس الوزراء نعمان كورتولموس قال في تصريح صحافي إن "تركيا يجب أن تصحح أخطاءها في سوريا".
وقال كورتولموس فى مقابلة هذا الشهر "إنني أحد الذين يعتقدون أن سياستنا تجاه سوريا ارتكبت أخطاء كبيرة".
وبينما تعهدت تركيا بالتراجع عن بعض سياساتها الأكثر صرامة، فإن علاقاتها مع الولايات المتحدة ما زالت محفوفة بالتوتر حول سوريا.
وقد عارضت تركيا علنا ​​التعاون الأمريكي مع الميليشيات السورية الكردية في الحرب ضد داعش. وقد قامت وحدات حماية الشعب الكردية السورية، أو وحدات حماية الشعب، بعزل الأراضي في شمال سوريا لتصبح دولة كردية مستقبلية، مما أثار قلق تركيا، التي تشعر بالقلق إزاء تطلعات سكانها الأكراد.
ويقول المسؤولون الأتراك إن وحدات حماية الشعب لا يمكن تمييزها عن الجماعات الكردية التي تشن هجمات داخل تركيا، والتي ردت عليها قوات الأمن بحملة مدمرة. وتقول الولايات المتحدة إن وحدات حماية الشعب هي القوة القتالية الأكثر فعالية ضد المسلحين الإسلاميين.
وقال اردوغان فى كلمة القاها فى كانون الأول الفائت "اننا حلف الناتو". "كيف يمكن أن ندعم على الأرض المنظمات الإرهابية ولا ندعم بعضنا؟"

 المساعدات العسكرية الأمريكية تغذي الطموحات الكبيرة للميليشيات الكردية اليسارية في سوريا
وقال المسؤول التركي إن تركيا والولايات المتحدة حليفتان للناتو وشركاء استراتيجيون، بيد أن هناك نقطتين شائكتين. اولا، لا يتفق الجانبان على تسليم رجل الدين فتح الله غولن الى تركيا حيث يشتبه في أنه مدبر محاولة الانقلاب الفاشلة في الصيف الماضي.
وقال المسؤول إن "القضية الثانية هي دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب، الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني". تجدر الإشارة إلى أن حزب العمال الكردستاني قد دخل في صراع استمر منذ عقود مع تركيا، وعزز مؤخرا هجماته.
وقال سليم كورو، المحلل في مؤسسة أبحاث السياسات الاقتصادية في تركيا، وهي مؤسسة بحثية مقرها أنقرة، أن العلاقات الهشة مع الولايات المتحدة ربما تجبر تركيا على "الانتقال إلى نموذج جديد للأمن". وأضاف "إن مثل هذا الانتقال لا يمكن ان يكون سلسا".
لقد ركز أمن تركيا منذ عقود على التحالف مع الناتو. وقال كاغابتاي "اليوم إن الجيش التركي الذي ساعد البلاد على مواجهة الازمات الوطنية السابقة "يضعف".
وقال أيضا إن "فصيلا في الجيش" حاول الانقلاب الفاشل في الصيف الماضي للاطاحة باردوغان مشيرا الى أنه حتى الجيش لا يمكن الوثوق به كمؤسسة وطنية موحدة في الأزمة الحالية ".