خطاب بوتين... إستراتيجية لهجة القوة وعرض الشراكة

03.03.2018

من المسلّم به اليوم أن الدولة الروسية تملك من المقومات العسكرية والسياسية والاقتصادية ما يبوئها موقعاً عالمياً قطبياً منافساً بجدارة، دون الحاجةِ لإذنٍ من أحد.

ولكن الأمر ليس مختصراً فقط بالقوة، فهي شيء متوافر ومقدور عليه، وهذا ما أثبت كثيراً خلال عدةِ نقاط صدام مثل جورجيا وأوكرانيا وصولاً إلى الحربِ السورية الدائرة، والتي تكاد أن تكون نواةَ حربٍ عالميةٍ ثالثةٍ بالطريقةِ التقليدية، حيثُ تجاوزت درجةُ الحرارة فيها درجة الحرب الباردة في مواقعٍ كثيرة.

فالعقل الروسي "البارد"، ونهج دبلوماسية القوي الذي قدّم في خطاب بوتين الأخير ، راكم خلال العقودِ الثلاثةِ الماضية الكثير من الجمرِ تحت سطح الثلوج "السيبيرية"، وما الفيديو التوضيحي الذي رافق كلمة الرئيس "بوتين" خلال كشفه عن مجموعةٍ من الأسلحة الحديثة ذات القدراتِ الفائقة، والتي تنوعت ما بين أسلحة بحرية وصواريخ وأسلحة ليزر، من بينها صاروخٌ يمكنه أن يصل إلى أيّ مكانٍ في هذا العالم، وما إشارته إلى أنّ الدرعَ الصاروخية الأمريكية في أوروبا وآسيا لا يمكنها إيقاف هذا الصاروخ الجديد، إلا بعضُ وهجِ هذا الجمر، فهم وكما قال الرئيس "بوتين": "لم ينجحوا في كبح جماح روسيا."

وبالوقوف على خلفيةِ هذا الإعلان النووي قولاً وفعلاً، علينا العودة لما ورد في وثيقةِ العقيدة النووية الأمريكية الجديدة لهذا العام، والتي أعلن عنها بتاريخ الثاني من شباط الفائت.

حيث تضمنت السعي لتحديث "الثالوث النووي" للولايات المتحدة، والذي يتضمن الطيران الاستراتيجي والصواريخَ الباليسيتية العابرة للقارات والغواصات الحاملة للرؤوس النووية.

إضافةً لذلك خطةُ البنتاغون لتقليصِ قوة القنابل النووية مع زيادة مداها، من خلال تزويد الصواريخ الباليستية النووية العابرة للقارات من طراز "Trident" المثبتة على الغواصات النووية بالرؤوس النووية الجديدة، ما سيتيح تحويل تلك الصواريخ إلى سلاحٍ نوويٍ تكتيكي، في واقع الأمر.

بعضُ الخبراء وصف هذه العقيدة النووية الأمريكية الجديدة بإستراتيجية "حرب نووية محدودة"، تعتمد على توجيه ضربةٍ نووية على نطاقٍ ضيق، من دون إلحاق "ضررٍ مدمر" في الولاياتِ المتحدة الأمريكية بالذات. 

أما الرئيس"بوتين" وصف هذه العقيدة النووية الأميركية الجديدة بالمقلقة، وقال إنّ منظمةَ حلفِ شمالِ الأطلسي تبني دفاعاتٍ على الحدودِ الروسية ولكنّ "الصناعات الروسية ستجعل من تلك الدفاعات دفاعاتٍ غير فعالة".

الغريب في الأمر أنّ هذه العقيدة الأمريكية ادعت أنّ روسيا بشكلٍ خاص، ترفضُ جهود الولاياتِ المتحدة الراميةِ إلى تحقيق جولةٍ جديدة من تقليص حجم الترسانات النووية لكل من واشنطن وموسكو، عبر التفاوضِ وتخفيضِ القُدراتِ النووية غير الإستراتيجية ! 

هنا يتبادر للذهنِ مباشرةً سؤالٌ عن المغذى من هذهِ العقيدة النووية الأمريكية الجديدة إذاً !

وهل هي عقيدةٌ نووية ستعملُ على تثبيت قطعِ الحلوى على رؤوسِ الصواريخ الباليستية، وتعمل على إرسالها إلى أطفالِ كل من ليبيا و العراق واليمن وفلسطين وسورية وغيرهم!

إنّ بحثاً بسيطاً على موقع"غوغل" الشهير يمكن أيّ إنسان من معرفة من الذي أقدم على استخدامِ كافةِ الأسلحةِ المُحرمة دولياً، بدءاً من القنابل الذرية على كل من هيروشيما وناغازاكي والنابالم الحارق في فيتنام والفسفورِ الأبيض أثناء غزو العراق، وصولاً لمنح الجماعات الإرهابية المسلحة في سورية غاز الكلور السام، لفبركة هجمات كيميائية لاتهام الجيش السوري بها، كان آخرها فصولُ مسرحيةٍ لم تكتمل مشاهدها في الغوطةِ الشرقية.

حيثُ حذّر الرئيس الروسي من مغبة مهاجمة حلفاء روسيا، مؤكداً أنّ بلاده ستعتبر أيّ هجومٍ بالسلاح النووي على أحدِ حلفائها هجوماً عليها، وأنها ستردُ فوراً على هذا الهجوم، مضيفاً أنّ "روسيا لا تنوي مهاجمة أيّ دولة أخرى".

- عرضُ الشراكة:

مع كل ما تضمنهُ الخطاب من عرضٍ وتوصيف لحالةِ القوة والجهوزية الدفاعية الردعية، إلا أن "بوتين" وجه دعوةً للشراكة مع الشركاء الغربيين في أمورٍ أهمها الثروات والطاقة، بقوله: 

"أنّه بالرغمِ من اختلاف مواقفنا مع الولايات المتحدة والأوروبيين نبقى شركاء على كل حال، لأنّ علينا أنّ نرد على التحديات الأصعب معاً، وتوفير الأمن العام وبناء عالم المستقبل الذي يزداد ترابطاً أكثر فأكثر."

وهذا دليل على أنّ نيةَ روسيا لم تكن يوماً عدائية أو مبيتة ضد أحد، ولكنها نيةٌ معقودةٌ على التصدي لكل من تسولُ له نفسه تجاوزَ الخطوط الحُمر النووية الجديدة.

- فهل يمكن للغرب أنّ يخرج من تحتِ عباءةِ التبعيةِ العمياء للأمريكي؟ 

ويُنجز علاقاتهِ القادمة مع روسيا على أساسِ الواقعِ الحاصل جراء فرضِ قواعد اشتباكٍ عالمية جديدة؟ 

أقلُّ ما يمكن أن يُقال فيها أنّها قواعد بلغت الذروة النووية في الرسائل المتبادلة بين أكبرِ ترسانتين نوويتين في العالم.

خاصةً وأنّ "بوتين" وجّه عدة رسائل في هذا الصدد، معرباً عن اهتمام موسكو بالتعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا، ومشيراً إلى ضرورةِ الشراكة معهم رغم اختلاف السياسات فيما بينهما، بقوله: 

"نحن مهتمون بالتعاون الطبيعي البناء مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ونعول على أن يتغلب العقل الراجح".

فهل يمكن للغرب فهم عرض الشراكة الذي قدّمه لهم "بوتين"، والتفاعل معه بمرونة وجدية أكثر؟

"الآن، يحتاجون أن يضعوا في حسبانهم واقعاً جديداً، ويدركون أن كل ما قلته اليوم ليس تهويلاً".

لعل المعنى المراد أيضاً في هذا القول الذي وجهه الرئيس "بوتين" للغرب ضمن كلمته هذه، كفيلٌ بإطفاء النار في رؤوسهمِ النووية الحامية، مما يدفعهم للتفكير بدعوة الشراكة التي  وجهها لهم.

فالإستراتيجيةُ الروسية الجديدة ليست استعراض "عضلاتٍ" كم يزعمُ البعض، والرئيس "فلاديمير بوتين" ليس بحاجةٍ لذلك، لأنّهُ رجلٌ نذر نفسهُ لإعادةِ روسيا الاتحادية لموقعها العالمي الطبيعي، ولما هي فيه الآن من الأوج على جميع المستويات، وفي طليعتها إعادةُ تفعيل روح العدالة الإنسانية في القراراتِ والمقراتِ الدولية كافةً – الحالة السورية واليمنية مثالاً - ولو بالقوة، وبغض النظر عن الاستحقاق الرئاسي القادم.

من هنا نفهم النبرةَ السياسيةَ العالية التي أصبحت تتعاطى بها موسكو نداً لند مع باقي أفراد المجتمع الدولي، الذي لا يفهم إلا بهذه اللغة ولا يتعاطى إلا بها.

في الختام، نحن نثق ونراهن على تأكيد الرئيس بوتين بأنّ: "تنامي القوة العسكرية لروسيا يعتبر ضماناً للحفاظ على السلام"، في هذا العالم الذي يعيش معطياتِ الحرب الساخنة بكاملِ حيثياتها.

فقد جسدت هذه الكلمة خطاباً استراتيجياً من رئيسٍ استراتيجي، يرسم ملامح روسيا الاتحادية السائرة بخطى واثقة نحو واقعٍ جديدٍ كلياً، فرضَ مفهوم وجوده بمنطقٍ ردعي متفوق على الحالة الأمريكية المتفردة بقراري السلم والحرب العالميين.