جيوسياسة كأس الأمم الأوروبية لكرة القدم

14.06.2016

يورو 2016 بدأت أخيرا. وتصادم الآلاف من المشجعين في معارك حقيقية، على الرغم من الإجراءات الأمنية غير المسبوقة. وهذا يدل على أن كرة القدم في أوروبا هي أكثر من مجرد لعبة. كرة القدم هي موضوع جماهير منفعلة وشركات تجارية كبرى. بالنسبة للبلدان الأوروبية، مع صراعاتهم ومواجهاتهم القديمة منذ قرون، يكون هنا ميدان المعركة حيث الطموحات والمخاوف الجيوسياسية الخفية. غالبا ما ينظر إلى كرة القدم كرمز للحرب، حيث تهاجم الدول بعضها البعض وبأنماط مختلفة في ساحة الملعب بدعم من الحشود المليئة بطاقات الكراهية والإيمان.
الأرض مقابل البحر في مرسيليا

تميزت بداية البطولة بأعمال الشغب التي قام بها مشجعو كرة القدم البريطانيين. بسبب الجمود الجيوسياسي، جاء مثيرو الشغب الإنجليز (الهوليكانز)  للصراع مع نظرائهم الروس. وتلا ذلك مشاجرات جماعية وفاز فيها الروس. اللعبة نفسها أصبحت كميدان ثان على خلفية معركة تاريخية بين المشجعين من دول هي نفسها تعارض بعضها البعض في اللعبة الكبرى. بريطانيا لم تعد قوة بحرية كبيرة، لكنها لا تزال تعارض الروس بحكم دمها الأنجلوسكسوني. وبالتالي فالأنماط الجيوسياسية القديمة تعبر عن نفسها في بيئة جديدة. ومن المثير للاهتمام، فإن السلوك الروسي والإنجليزي في القارة الأوروبية فيه الكثير من القواسم المشتركة، وخاصة في المواقف المشتركة تجاه فرنسا كما لو كانت أرضا محتلة. البريطانيون والروس يتصرفون في قارة أوروبا القارية وكأنهم في أرض أجنبية. جاء الروس كحاملين لعلم الجيش الأحمر من عام 1945. وهبط البريطانيون في مرسيليا، وهي مدينة ميناء، كقوة تدخل سريع.
 

التناقضات الجيوسياسية القديمة
ليس هناك شك في أننا سنشاهد شجارات مثيرة للاهتمام، ودامية، وقد تحمل روح الدعابة. المشجعون البولنديون والأوكرانيون لا يجتمعون مع بعضهم البعض. هذا الجمهور يميل عادة إلى وجهات نظر يمينية، والبولنديون والقوميون الأوكرانيون يكرهون بعضهم الآخر منذ الحرب العالمية الثانية عندما ذبح الأوكرانيون الآلاف من البولنديين في فولين.
وتعكس مواجهات كرة القدم التقليدية بين المجر ورومانيا، وبولندا وألمانيا، وألمانيا وإيطاليا، وإنجلترا وألمانيا، والنمسا والمجر، وجمهورية التشيك وسلوفاكيا، من جهة تاريخ هذه الرياضة، ومن ناحية أخرى تظهر حيوية الصراعات الجيوسياسية والدولية القديمة. في بعض الحالات، هذه المواجهات هي نتيجة واضحة للسياسات، كما في حالة التنافس بين إنجلترا والأرجنتين .
كتب مارادونا في إحدى كتاباته الذاتية المتعلقة حول المباراة الشهيرة بين الأرجنتين إنجلترا (في بطولة كأس العالم لكرة القدم 1986) أن "كان كما لو أنه صراع بين دول، وليس مجرد كرة القدم ...على الرغم من أننا قد قلنا قبل تلك في المباراة، إن كرة القدم، ليس لها علاقة بحرب "مالفيناس"( جزر الفوكلاند المحرر)، كنا نعرف أن بريطانيا قتلت الكثير من الأطفال الأرجنتين، قتلتهم مثل الطيور الصغيرة. وكان هذا انتقام". وبطبيعة الحال، هذا ليس أقل من التنافس الجيوسياسي مع الانجليز".
صراعات جديدة بين روسيا وأوكرانيا وروسيا وتركيا في مجال السياسة العالمية بالتأكيد ستجد طريقها إلى ملاعب كرة القدم وفي شوارع المدن الأوروبية.

اللعبة العالمية الأولى
أصبحت كرة القدم عالمية في بداية القرن الـ 20. وغني عن القول، إن انتشار كرة القدم وشعبيتها ارتبط بالعامل الجيوسياسي لنفوذ الإمبراطورية البريطانية، حيث نشأت اللعبة في انجلترا. ومن الأماكن التي انتشرت فيها اللعبة في وقت لاحق (أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية، وأوروبا) حيث كانت تمارس بريطانيا النفوذ عن طريق التجارة، وليس الاحتلال. في البلدان التي عانت من شدة الاستعمار البريطاني (الهند وجنوب أفريقيا وأستراليا ونيوزيلندا)، احتقار بريطانيا مرتبط ارتباطا وثيقا بعدم محبة كرة القدم البريطانية. وفي هذه البلدان، لم تصبح كرة القدم أبدا رياضة شعبية، في حين أصبحت لعبة الكريكيت والرجبي (في الواقع أيضا هي ألعاب إنجليزية) رياضية وطنية. وهكذا، أصبحت كرة القدم شكلا من أشكال القوة الناعمة الإنجليزية وعلامة على الموجة الأولى من العولمة الأنجلوسكسونية كما يروج بشكل رئيسي من قبل الطبقات العليا والمغتربين البريطانيين.

كرة القدم والهوية

كرة القدم وثقافتها في كثير من الأحيان تعتبر بمثابة علامات الهوية الجيوسياسية والدينية والوطنية. ومن ثم لماذا "النادي الباسكي"، "اتلتيكو بلباو"، في أسبانيا يقبل فقط اللاعبين الباسكيين. المواجهة بين مدريد "ريال مدريد" و "برشلونة" تمثل المواجهة بين العاصمة الإسبانية والإقليم الانفصالي "كاتالونيا". ويدعم الرومان الكاثوليك نادي سلتيك في "غلاسكو"، في حين منافسه الرئيسي، "غلاسكو رينجرز"، مدعوم من قبل البروتستانت. الخلافات الطائفية تلعب دورا خطيرا في كرة القدم الايرلندية الشمالية أيضا. وتظهر العلاقات بين أجزاء مختلفة من بريطانيا العظمى من خلال التنافس بين فرق كرة القدم الاسكتلندية والإنجليزية، الإنجليزية والايرلندية الشمالية، الإنجليزية والويلزية.

انجازات كرة القدم في أوروبا كانت دائما عناصر تنافس بين القوى الأوروبية على الهيبة. ساعدت كرة القدم في رفع احترام الذات الوطنية والمشاعر الوطنية. في عام 1938، هدد بينيتو موسوليني بإطلاق النار على الفريق الايطالي اذا لم يفز بكأس العالم. ويمثل هذا الدافع الخطير، أخذ الفريق الايطالي كأس العالم.
في عام 1954، للمرة الأولى منذ عام 1945، شارك المنتخب الألماني الغربي في نهائيات كأس العالم في سويسرا. في الجولة الأخيرة، هزم الألمان فريق المجر. وكان هذا الانتصار رمزا مهما لنجاح القوة المهزومة في الحرب العالمية، وساعد الملايين من الناس لاستعادة الشعور بالفخر الوطني والثقة بالنفس.
خلال الحرب الباردة، أصبحت الرياضة ساحة للمواجهة بين النظامين السائدين في العالم. ولم تكن كرة القدم استثناء. في نهائيات كأس العالم في عام 1974، تقابلت فرق ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية، وكان الفوز لفريق ألمانيا الشرقية في معنى رمزي كبير لجميع دول الكتلة الاشتراكية.

هل يقول شخص ما "داعش"
بالنسبة للأوروبيين، كرة القدم هي أكثر من مجرد رياضة. يتطلب المشهد تدابير أمنية مشددة، وهو أمر مهم خاصة بالنسبة للفرنسيين المعنيين الآن بالأمر. البلاد في خطر بسبب خلايا نائمة او ذئاب ضالة وشهدت في الآونة الأخيرة هجمات إرهابية من قبل "داعش" . إذا تكرر شيء من هذا القبيل في فرنسا خلال البطولة الأوروبية، سوف  تنخفض هيبة قوات الأمن في فرنسا، وسوف يتزايد الخوف من المشاعر المتطرفة المتزايدة التي تنتشر عبر كل أوروبا.