حزب الله محاولة لتفكيك الأزمة أو لحمها !

13.12.2019

لنتفق في البداية أنّ لبنان تغيّرت أوضاعه لجهة السياسات التي كانت تحكمه،  واستعداداته لتقبل التسويات التي كانت تتفق وطبيعة نظامه السابق وتوازنات طوائفه.  نحن في لحظة هشة ليس مطلوباً فيها الحل التام، ولا الفوضى الشاملة، وإنما الإنهاك والإضعاف.

مًن استدعى الأزمة وأجّجها يرى أنّ الشارع مطلوب، وشلّ المؤسسات وتعطيل المصالح الحيوية مطلوبة، كممرات ضرورية لتنفيذ استراتيجيات كبرى.

وفي السؤال عن التسويات التي تحضر عند أي أزمة ، يمكن أن يقال: إنّ التسويات حقيقة تاريخية، عند استحالة الحرب كبديل معالج لمشكلة وجود العدو وقوته، لكن كيف الوصول إليها، في ظل تناقض الأهداف ومحاولة القوى المحلية والخارجية بناءها على كثيب من الرمال المتحركة، وأمام سيولة الأحداث التي لا تجد من يتحكّم باتجاهاتها ونتائجها.

هذه المعضلة تستوي على مجرى التحولات السريعة منذ السابع عشر من أكتوبر الماضي، في وقت لا تستطيع أمريكا التي تملك التأثير الأبرز على الأزمة  أن تحل مشكلة تراجعها التاريخي في المنطقة والعالم ، ولا قوى محور المقاومة المناهضة لها قادرة أن تحسم الأمر لصالح صعودها التاريخي. 

من جهة ثانية، هل فكرة أنّ "معظم الصراعات في العالم ليس لها حلول نهائية وحلول سياسية حاسمة" تنطبق على الحالة اللبنانية ، أم أنّ طبيعة لبنان تختلف عن طبيعة بلدان أخرى وأنّ إمكانية الحل متاحة باستمرار نظراً لعظيم المصالح الغربية في هذا البلد. خصوصاً والمنطقة محفوفة باحتمالات قد تنجم عنها أخطار صراعات أعمق لا سيما في العراق الذي يرزح تحت ضغوط وظروف مشابهة

ولأن الأزمة ساخنة ، فالأمر لا يرتبط بقوى محلية فحسب . هناك عودة بشكل أو بآخر إلى صراع الدولتين العظميين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا . لبنان كان وما زال ميداناً لصراع قوى خارجية إقليمية ودولية . وأمريكا ستعتبر أنّ دخول الروسي إلى مناطق نفوذها دخولاً غير مشروع، له مضاعفاته وعواقبه الوخيمة. وهذا ما أشار إليه صراحة السفير الأمريكي الأسبق في لبنان جيفري فلتيمان عندما اعتبر أنّ لبنان :" مكان للمنافسة الاستراتيجية العالمية، وإذا تنازلنا عن الأرض سيملأ الآخرون الفراغ بسعادة" ويقصد بذلك روسيا والصين على وجه الخصوص. لبنان اليوم  وبسبب الثروات الغازية يقع ضمن خطوط المنافسة والسباق وطلب النفوذ الاقتصادي والسياسي .

من هنا فالمشهد مركب، تتداخل فيه العوامل المحلية مع الحسابات والمشاريع الخارجية. وبناء عليه يجب النظر إليه من زوايا عديدة:

ـ من زاوية الصراع مع إيران ومفاصل محور المقاومة.

ـ من زواية صفقة القرن وتوطين الفلسطينيين .

ـ من زاوية اللاجئين السوريين وربط قضيتهم بمسار الحل في سوريا .

ـ من زواية المصالح الأمريكية ونفوذها الاستراتيجي. 

ـ من زواية الأطماع الأمريكية بالثروات اللبنانية الغازية .

ـ من زواية المصالح الأوروبية وتحديداً الفرنسية .

ـ من زواية الحالة الصراعية بين لبنان والكيان الإسرائيلي حول  

وجود المقاومة من جانب، وترسيم الحدود البحرية والبرية من جانب آخر.

ـ من زواية موازين الصراعات الداخلية ومعادلاتها.

ومن الواضح أنّ المعركة السياسة القائمة في هذا الوقت تدور حول تشكيل الحكومة تكليفاً وتأليفاً وهوية وبكل ما يتصل بتحرير الرئيس سعد الحريري من التفاوض على شروط تشكيل حكومته ضمن عنوان رئيسي (إنهاء نفوذ إيران) على ما صرح به وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو.

المعركة تخاض إذاً على حافة الهاوية، في حين أنّ الوضع الاقتصادي والنقدي يشكل شبكة تحاصر جميع الفاعلين المحليين.

ما نتصوره في القريب القادم هو التالي:

١.فشل جهود تشكيل حكومة جديدة بالصيغ المطروحة تكنوقراط أو تكنوسياسية.

٢.استغلال الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية السيئة لنشر الفوضى وتعميق الأزمة بما يصعّد الضغط على القوى الرافضة تشكيل الحكومة وفق التصور الأمريكي إلى الحدود القصوى.

٣. زيادة الشلل في مؤسسات الدولة .

٤.مواصلة أمريكا وحلفائها ضغوطهم السياسية والاقتصادية على لبنان وعهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والمقاومة

( يراجع في هذا الصدد بيان مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان الذي انعقد في باريس منذ أيام إذ شدد على: "تشكيل سريع لحكومة تملك القدرات والمصداقية لتنفيذ حزمة من الاصلاحات الاقتصادية، والتي تلتزم بنأي البلاد عن التوترات والأزمات الإقليمية). كما ويراجع تصريح 

وزير الخارجية الأميركي ​مايك بومبيو​، حول موقف بلاده  من "تشكيل الحكومة اللبنانية قبل الاستجابة لطلبات الدولة".

أما بالنسبة إلى ما يطرحه حلفاء المقاومة من ضرورة المسارعة إلى تأليف حكومة مواجهة خصوصاً أنهم يملكون الأغلبية البرلمانية، فلا نعتقد أنّ لها حظاً قبل الفوضى وانهيار الدولة وعجزها عن القيام بوظائفها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية نظراً لمحاذيرها وسلبياتها خصوصاً لجهة استدعائها ردود فعل عنفية داخلية وخارجية. وسيكون هذا الخيار محكوماً بطبيعة التطورات القادمة ومدى ملامستها الخطوط الحمر للمقاومة .

ما يمكن توقعه من إجراءات تقوم بها المقاومة خصوصاً أنها مكون غير دولتي ولا تملك البدائل التي تملكها الدول عادة :

.1 الصبر ومراقبة الأحداث وعدم استعجال الخيارات المواجِهة لقوى الداخل والخارج.

.2 تحصين بيئة المقاومة اجتماعياً بما يحفظ مصالح المقاومة وحضورها الداخلي والاستراتيجي.

.3 الضغط على تحالف الاشتراكي- القوات- المستقبل وافشال مخططاته في الشارع وفي السياسة .

.4 تحضير البدائل الاقتصادية مع دول (روسيا- إيران- الصين) فيما لو اتجهت الأمور إلى تشكيل حكومة مواجهة .

.5 تعديل متدرج للأزمة بما يمنع الانفجار الداخلي ويعيد التوازن إلى اللعبة الداخلية سواء عبر الإقناع أو الحسم إذ تطلب الأمر .