حصار قطر والتوجس من التدخل العسكري "قراءة في التداعيات الأمنية والجيوبوليتيكة"

25.09.2017

من القواعد الأكاديمية المعروفة في الأدبيات الجيوسياسية والجيواستراتيجية أن أي قوة إقليمية تصل لمستوى التأثير داخل الدول المجاورة والأخرى البعيدة يجب أن تكون منطلقة من مرجعية عقدية وأسس قوة مادية قد تُستمد من القوة الاقتصادية والعسكرية ،والأهم توفرها على العمق والموقع الجغرافي المؤثر والحساس والهام، وهو ما نراه يتجلى في قوى إقليمية مهمة تُعتبر كأقطاب امتياز في العالم العربي والإسلامي على شاكلة إيران وتركيا والسعودية ،والتي تتوفر فيها هذه الشروط الفنية والتقنية التي تمكنها من لعب أدوار رائدة على المستوى الإقليمي على الأقل .

ولكننا كمتابعين لاحظنا خلال بداية أحداث ما يسمى ب"الربيع العربي"، تصاعد الدور القطري أو بالأحرى تريُّدها للأحداث في العديد من الدول، حيث احتضنت حركات الإسلام السياسي التي تولت السلطة في العديد من الدول ومن أبرزها مصر، كما كان لقطر دور في الأزمة السورية، وكانت الحركات المسلحة التي تنضوي تحت دعمها متصدرة للمشهد هناك قبل أن تتدخل السعودية وغيرها، لتتريد قطر قائمة الدول الفاعلة إقليميا بالرغم من انعدام عمق جيواستراتيجي خاص بها ومحدودية قدرتها العسكرية والأمنية لإدارة مثل هكذا ملفات استراتيجية، وهو ما يجعلنا نطرح تساؤلا كبيرا حول القاعدة التي استندت عليها قطر للمخاطرة بإدارة هكذا ملفات، ولا يمكننا غض النظر عن الهبة التي سجلتها هذه الدولة في المجال الإعلامي عن طريق سلسلة القنوات الإعلامية وعلى رأسها قناة الجزيرة وكذا العديد من مراكز الدراسات الإعلامية والسياسية والأمنية التي استقطبت جملة من النخب العربية التي تولت رسم السياسات والاستراتيجيات الموجهة للسياسة الخارجية القطرية ، ولكن كل هذا لا يكفي بدون الإيعاز الأمريكي والإسرائيلي الذي يعتبر كضوء أخضر لقطر لممارسة أي تحرك في الشرق الأوسط.
وهذا ما أثار حفيظة الغريمين التقليديين لقطر في منطقة الخليج وأقصد هنا المملكة السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ، الذين بقي دورهما "شبه مجهري" أمام تعاظم الدور القطري إلى أن وصل الاصطدام العنيف بين الإرادة القطرية من جهة والسعودية الإماراتية من جهة أخرى في مصر عقب الانقلاب العسكري الذي أسقط حكم الإخوان المسلمين بقيادة محمد مرسي، لتظهر للعيان أولى بوادر الصدام بين الجانبين مرورا بعدد من الخلافات حول إدارة النزاع في سوريا ثم في العراق واليمن لتصل الأمور في نهاية الأمر إلى قطع العلاقات الذي أصدرته كل من السعودية والإمارات والبحرين، لتلتحق مصر في النهاية ليسمى بالحلف الرباعي المقاطع "المحاصر" لقطر.

وبعد العديد من المبادرات الدبلوماسية لحل هذه الأزمة والتي كان آخرها المبادرة الكويتية، والتي انتهت بعد تشهير قطر بقائمة 13 مطلب التي قدمتها دول الحلف الرباعي لقطر كشروط لإعادة العلاقات وإنهاء الحصار . وبعد قراءتها سيتضح الأمر للمتابع بأن هدف هذه الدول المحاصِرة إخضاع قطر للهيمنة السعودية باعتبار هذه المطالب "مذلة" ومهينة لدولة ذات سيادة ،والأمر الغريب والذي يوضح ذلك أن من ضمن تلك المطالب ، مطالبة قطر بالتوقف عن دعم الحركات الإرهابية ، وكأن طالبان والقاعدة وداعش والآلاف من قادة الحركات الإرهابية من حاملي الجنسية السعودية وعلى رأسهم أسامة بن لادن خرجوا من قطر!؟.
ونحن هنا لسنا بصدد الدفاع عن قطر ، فهي الأخرى غارقة في مستنقع دعم الإرهاب في سوريا والعراق واليمن ودول أخرى . ولكننا نريد الوصول إلى نتيجة معينة مفادها أن السعودية وحلفاؤها لا يريدون منافسا آخرا لهم في المنطقة ، وقد وصلت الأمور إلى التهديد بالتدخل العسكري في قطر وهو ما من شأنه أن يشعل المنطقة في ظل المصالح التركية الإيرانية المشتركة في -ومع قطر وكذا جملة المؤثرات الأخرى التي تُعدُّ كفتيل سريع الالتهاب من ضمنها الخلافات الإيرانية السعودية ، وكذا الحراك البحريني والحرب على اليمن ، وكذا الحراك الشيعي في المنطقة الشرقية في المملكة وتحديدا في القطيف والعوامية.
-كل هذه المؤثرات لا يمكن فصلها عما يمكن أن يحدث في ظل التدخل العسكري للحلف الرباعي في قطر ، وكذا سنشهد انعكاسا لهذا الصراع في العديد من الدول الإقليمية التي تعيش أزمات تعد فيها أقطاب الصراع فاعلة فيها كالأزمة السورية واليمنية وحتى في ليبيا ، كما لا يمكننا أن نهمل دور الحليف الأول لقطر ألا وهي تركيا التي لن تغض النظر عن هذا التدخل إن حدث بوجود قاعدة عسكرية تركية في الدوحة وكذا الطرف الأمريكي الذي بقي لحد الآن -محايدا- عن هذا الصراع ويسجل موقفا رماديا تجاه هذه الأزمة الدبلوماسية وهو ما يذكرنا في الموقف الأمريكي المشابه قبل التدخل العسكري الذي سجله العراق في الكويت مطلع تسعينيات القرن الماضي بعد أن عقد صدام حسين النية على غزو الكويت ليأتي الرد العسكري الأمريكي "بعد صمت مطبق" بقوة ليتم حصار العراق بعد ذلك ...

كل هذه التجارب التاريخية وغيرها تزرع التوجس في أنفس صناع القرار في الدول الممارسة للحصار تجاه قطر والتي لن تسجل أي تحرك عسكري تجاه هذه الدولة من دون ضوء أخضر أمريكي وهذا الأمر حسب اعتقادنا مستبعد على الأقل خلال هذه السنة.