هنري كيسنجر ومخاوفه حول فترة ما بعد الحدث الإيراني

10.01.2020

   جرت العادة أن تؤخذ أقوال الثقاة في أي دولة وأن تحلل بغية استنتاج ما بين السطور، للخروج بها كخلاصات تعتمد للتنبّه والحذر، وها هو اليوم هنري كسنجر السياسي الأمريكي المشهور، يطلق ما لا يسع القلوب تقبّله، تحليلات شخصية تتراوح بين الواقع والخيال، وبين العقلاني واللاعقلاني المبالغ فيه، وكأن هذا الشخص ذو المصداقية خرج ليسهم بالحرب النفسية الأمريكية ضد إيران، يعرف جيداً أنّها ستأخذ على محمل الجد، وقابلة للتوظيف السياسي، لذا لا سبيل للاستدلال على مصداقية أقواله إلا الدلائل والإثباتات لكي نصل إلى مقاربة واقعية يمكن الركون إليها،

والقصة بدأت منذ يومين مع  كيسنجر في حوار أجرته معه جريدة “ديلي سكيب” الأمريكية، قال فيه: “إن الحرب العالمية الثالثة باتت على الأبواب وإيران ستكون هي ضربة البداية في تلك الحرب، التي سيكون على إسرائيل خلالها أن تقتل أكبر عدد ممكن من العرب وتحتل نصف الشرق الأوسط” ..

بالتحليل: القول بحرب ثالثة عالمية هو مشروع أمريكي على غرار مشروع الشرق الأوسط الجديد وأمثاله، مشروع تحاول فيه أمريكا تغيير وجه العالم بما يضمن لها التفوق الدولي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً، وبالنسبة لتحديد إيران كنقطة بداية، فهذا له مؤشراته بأن اغتيال الجنرال سليمان الذي قامت إيران ولم تقعد منذ استشهاده، كان لاستدراج إيران لفعل ما يريده الأمريكي من الدخول في سلسلة (الفعل ورد الفعل) الأمر الذي يمكن الطرف الأمريكي من زيادة اشتعال النار في الهشيم وتوسيع نطاقها، وهنا بالفعل العقلانية السياسية الإيرانية وامتصاص الصدمة هو الحل ، ولكن على ما يبدو أن الأمور تسير في اتجاه الدخول في سلسلة الفعل ورد الفعل كما أفصحنا.

وبالنسبة لكلامه عن قتل اسرائيل للعرب، واحتلالها نصف الشرق الأوسط، فالإشارة هنا إلى وجوب استغلال الظرف الراهن الذي يخال إليهم أنها فترة توتر وإرباك يمر فيها العدو، وهناك دعوة للتوسّع في ظل ما تمر فيه المنطقة سيما في المحيط، وكأن موت سليماني قد أنهى الوجود الإيراني في سورية، وهذا له دلالات أن الأمريكي يحاول اليوم اشغال الإيراني من باب التمهيد للإسرائيلي لينفذ مخططاته ، وهذا ما يكشف هوية القائمين وراء محاولات استفزاز وضرب إيران ألا وهو العدو الإسرائيلي، إي إن اسرائيل تسعى لتثبيت أقدامها أكثر من أي فترة سلفت، وإضعاف المهددات، وتسخير الموجود لخدمتها، منها جاءت وصيته بقتل العرب، هذا الأمر الذ له أشكال متعدّدة.

   وأضاف المتحدث ذاته في تصريحاته القوية قائلا: “لقد أبلغنا الجيش الأمريكي أننا مضطرون لاحتلال سبع دول في الشرق الأوسط نظرًا لأهميتها الاستراتيجية، لنا خصوصاً أنّها تحتوي على البترول وموارد اقتصادية أخرى ولم يبق إلا خطوة واحدة، وهي ضرب إيران”.

التحليل: لفظة "مضطرون" اشارة أن الوجود الأمريكي والتفوّق الأحادي في ظل صعود أقطاب عالمية جديدة، مهدد وغير مضمون إلا بكفالات، منها احتلال سبع دول في الشرق الأوسط ومن غير المهم هنا الغرق في التفاصيل للكشف عن هوية هذه الدول التي أجزم أن الجزائر أحدها، ومن الجدر بالتركيز أنّ تأكيده على الأهمية الاستراتيجية للدول المراد احتلالها بفرض أخذنا الأمر على محمل الجد؛ أمرٌ له دلالاته، ومنه أوصى بضرب إيران التي تطال ذراعها العسكرية مضيق هرمز وباب المندب، المهمين في التجارة الدولية, وهذا أمر له جذور فكرية مرتبطة بعقدة التفوق الأمريكية التي لا تقبل بدولة إقليمية صاعدة أن تتحداها.

وزاد قائلا: “عندما تتحرك الصين وروسيا من غفوتهما سيكون (الانفجار الكبير) والحرب الكبرى قد قامت، ولن تنتصر فيها سوى قوة واحدة هي إسرائيل وأمريكا.. وسيكون على إسرائيل خلالها القتال بكل ما أوتيت من قوة وسلاح، لقتل أكبر عدد ممكن من العرب واحتلال نصف الشرق الأوسط”.

  والتحليل يبدئ بسؤال حول استخدام كسنجر لفظة " من غفوتها" فهذا يعني إنّ انشغال روسيا بتأمين مطرح لها في الشرق الأوسط، وكذلك الانشغال الصيني بالوضع الاقتصادي كأولوية، وابتعادها عن العسكرة والتوسّع خارج حدودها، أمران تعدهما أمريكا غفلة، وإلى أن ينتهيان يكون قد فات الأوان من المنظور الأمريكي، وأما قوله على إسرائيل أن تقتل أكبر عدد ممكن من العرب بعد الانفجار الكبير، فهو محض توصية أمريكية في سبيل استدامة الوجود وإزالة المهددات لا أكثر. ولا نعرف ما سر هذه (الطوباوية الكيسنجرية) التي تظهر روسيا والصين بمظهر المتغافلين عن الأمريكي، ولعل الأقرب للتصديق كان وصفهما بالعاجزين لا النائمين، ومن ثم لماذا هذه المبالغة بالأدوار المناطة للإسرائيلي، وكأنهم إمبراطورية، إن هذا الأمر مقصود ومسيس، وليس له خطر على أرض الواقع.

   وأضاف كيسنجر منذراً بأن “طبول الحرب تدق بالفعل في الشرق الأوسط، و الأصم فقط هو من لا يسمعها”، مبرزا أنّه إذا سارت الأمور كما ينبغي – من وجهة نظره – فسوف تسيطر إسرائيل على نصف منطقة الشرق الأوسط.

وهنا جديرٌ بنا الوقوف عند هذه الكلمة والتساؤل حول الكيفية التي تسيطر بها اسرائيل على نصف منطقة الشرق الأوسط؟ ليكون الجواب الوحيد حسب تصوّره قيام حرب تديرها أمريكا وحلفائها ضد دول محور المقاومة على إيران بالذات في حين لا تقوى العراق على تهديد اسرائيل، بينما نحن كسوريين نواجه حرباً منذ تسع سنوات أي منغمسين في الشأن الداخلي، وأما لحزب الله فهو اليوم يحاول إنقاذ من ظرفه الراهن، في ظل هذه الظروف فالساحة خالية أمام اسرائيل، ولكن ما هذا التصوّر لسياسي مرموق المكانة أمريكياً ، إذا أنه يشعرنا إمّا أنه عجوز يهذي أو ينسج مسرحية خيالية، وبالعودة لكلمته /طبول الحرب تقرع/ لنتساءل هنا ماهي المؤشرات التي اعتمد عليها: هل هي قيام حرب إيرانية – أمريكية؟ الإيراني نفذ عملية قصف عين اسد والأمريكي أمتص الصدمة! هل هي حرب بين روسيا وتركيا من أجل سورية؟ لا فاليوم حققوا نجاح استراتيجي بتدشين خط تورك ستورم نقل الغاز من روسيا لأروبا عبر تركيا! هل هي حرب بين حزب الله والكيان الصهيوني؟  كلا الطرفين يقيم وزنا للاشتباك بالأخر أي إن هناك ردع يمنع الاحتكاك حتى، هل هي بين دولتي الحبية سورية الأسد وأطراف أخرى؟ نحن في سورية لم نكن يوماً من الأيام نخطط للحروب، ولا للتوسع وندين الاعتداء، وشغلنا الشاغل تحرير أرضنا من رجس الإرهاب، وبالنسبة للهجوم على سورية من قبل أعدائنا ، فهذا الأمر قائم منذ بدية الحرب المبطّنة بثوب الأزمة على سورية، هل هنالك احتمال لقيام حرب بين روسيا والصين وكوريا الشمالية من جهة وأمريكا والأوربيين من جهة أخرى، لا ، فهناك ردع ومخاوف كل طرف من الأخر وتشابه في عوامل القوة لكل طرف، والتنافس لكسر الأحادية خفي لمّا يطفو على السطح بعد، ومازلنا في عصر الأحادية رغم القوى الصاعدة. بالنتيجة نقول:" يا سيد كسنجر سلم لنا على طبول حربك ، وقل لها إنّنا لسنا صم ولا بكم ، وكلامك عبارة عن هواجس مستقبلية بعيدة المدى لا حاضرة آنية".

   وأشار كيسنجر إلى أن الشباب الأمريكي و الأوروبي قد تلقوا تدريبات جيدة حلال القتال في السنوات العشر الماضية، و عندما ستصدر لهم الأوامر بالخروج إلى الشوارع لمحاربة تلك (الذقون المجنونة) – حسب تعبيره – فسوف يطيعون الأوامر ويحولونهم إلى رماد، وهنا إشارة منه إلى حربهم الحضارية التي بدأت بنظريات فكرية ونفسية وتجسدت بالواقع لقتل حي تطوّر أكثر إلى توظيف لـ"مسلمين" ضد مسلمين، والتخلص منهم بعد تشبعهم بالقتل والفكر المتطرف الذي يهدد الأمن والاستقرار في حال دخولهم الدول التي وظفتهم كأدوات قذرة، وأنا أتفق معهم هنا.

  بالنتيجة إن ما سلف جزء من حوار كسنجر مع جريدة “ديلي سكيب” الأمريكية يكشف عن العديد من المخاوف الأمريكية التي تجد نفسها مجبرة للتحرّك لإيجاد حل لها منها التوسّع لأغراض استراتيجية من منطلق تهديد استمرار الوجود والهيمنة الأمريكية العالمية في المدى المنظور، إضافة إلى التخوّف من القوى "الغافلة"، والرعب من نهضتها لكونها ستحدث "الانفجار الكبير" حسب تعبيرهم، والتلميح إلى احتمالات حرب عالمية ثالثة يكون انطلاقها من منطقة الشرق الأوسط الذي تدور الأحداث فيه حالياَ حول (إيران –  بعض دول مجلس التعاون الخليجي- سورية ولبنان والعراق – وليبيا واليمن الساخن – واستهداف حديث العهد للجزائر- و"اسرائيل")، الأمر الذي يعني أنّ هؤلاء محور الحدث.

  إنّ مشروع ضرب الدول السبع منطلقه إيران إن كان هذا الكلام صحيح، فالخطط الأمريكية ضد إيران ستستمر حتى ينتهي الأمر بحرب عسكرية، ومن منطلق الارتباط الدولي لأطراف الحرب، سيتطور الأمر إلى حرب شرق أوسطية، وهذا حدّها ونطاقها  فقط لا غير حرب شرق أوسطية إقليمية لا عالمية، لأنّ الدول الكبرى تستهدف إقامة تنافس وتوازي مع الدول الكبرى لا إزالتها عن الخريطة، فهي ليست من قوتها ولا بحجمها إلا إذا دخلت بها كوارث فوق البشرية؛ إذاً الأطراف الإقليمية تعاني من احتمالات إلغاء واحتلال، أمّا القوى الدولية فهي تواجه حالات ردع وتحدّي وتنافس لا إزاله، إذاً فالأطراف الإقليمية هي المعنية من حرب أمريكا الراهنة والمستقبلية.