أهمية سوريا "قلب العالم" الجيوسياسية والاقتصادية في المعادلة الدولية

12.10.2017

للمرة الأولى في تاريخ الصراعات والحروب أصبحنا نرى مدينة صغيرة في سوريا أو قرية أو شارع (حتى بعض السوريين في مدن أخرى لم يسمعوا به من قبل) تجتمع من أجله العديد من الجيوش المدججة، باشتراك طيران أقوى دولتين في العالم، ودعم لوجستي إقليمي لآلاف المسلحين من مختلف دول العالم المدعومين من حلف شمال الأطلسي، واستنفار دبلوماسي دولي وتصريحات في أروقة الأمم المتحدة وجلسات المحادثات الدولية وحرب إعلامية معلوماتية على المستوى الدولي، ما هو سر هذه الأهمية الإستراتيجية الكبيرة التي تتجسد في كل نقطة صغيرة على أرض سوريا؟.
تعتبر سوريا من أهم المراكز الجيوسياسية والاقتصادية بالنسبة لأطراف المعادلة الدولية الرئيسية، فموقع سوريا على ضفة البحر المتوسط الشرقية تجعلها بوابة ساحلية للقارة الآسيوية، فبالنسبة للمحور الأطلسي الممثل لقوى البحر التجارية (التالاسوكراتيا) يحتاج إلى موقع سوريا لمحاصرة  المحور المقابل له وهو المحور الأوراسي القاري (قوى اليابسة أو التيلوروكراتيا) وذلك حسب مبدأ "الأناكوندا" الذي نقله المفكر والسياسي الأطلسي ألفريد ماهان الذي اعتمد على أفكاره الكثير من الأطلسيين ويتجسد هذا المبدأ في حصار الأراضي المعادية من البحر وعبر الخطوط الساحلية وهو ما يؤدي تدريجيا إلى الاستنزاف التدريجي للخصم، وهنا تكمن مهمة المحور الأوراسي بالحفاظ على الآماد الشاطئية المحيطة بأوراسيا القارية.
موقع سوريا يربط بين القارات الثلاث آسيا وأوروبا وأفريقيا، وهي بذلك تقع على تقاطع خطوط التبادل والتجارة بين هذه القارات، أمريكا وبعض الدول الغربية تريد السيطرة على سوريا من أجل مد خطوط الطاقة من الخليج العربي إلى أوروبا عبر سوريا لكسر حاجة أوروبا للغاز الروسي وإضعاف روسيا التي يخافون منها ولا تقف معهم في مخططاتهم الإمبريالية، وكذلك جعل الأراضي والمرافئ السورية ممرا لاستيراد وتصدير البضائع إلى دول الخليج العربي.
تموضع سوريا في شمال فلسطين، يجعل منها هدفا أساسيا لحركة الصهيونية العالمية، يجب السيطرة عليه من أجل تنفيذ مخططاتها في المنطقة، هذا العامل يعطي سوريا أهمية جيوسياسية كبيرة جدا، ولكن بنفس الوقت يعطي سوريا نقطة قوة رئيسية تفرضها الحسابات الدولية نظرا لحساسية هذا الملف المفرطة والمؤثرة وعدم إمكانية المغامرة فيه.
سوريا غنية جدا بالثروات الطبيعية والبشرية والحضارية، ويعتبر البترول والغاز الطبيعي من أهم الثروات الطبيعية، وتليها الفوسفات ثم الملح الصخري والجص والإسفلت كما توجد بعض الموارد الهامة التي تستخدم كمواد أولية في الصناعة كالمارن والغضار والرمال وكذلك في أعمال البناء كالصخور الكلسية والبازلتية والمنغنيز والرصاص والنحاس واليورانيوم والمعدنية كالكبريت والتالك والحرير الصخري (الاسبستوس).
حضارة سوريا تعود لعشرات آلاف السنين، إلى عصور ما قبل التاريخ، ودمشق أقدم عاصمة مسكونة في التاريخ، وتعاقبت على سوريا أعظم حضارات الشرق التي أغنت البشرية بالعطاءات في شتى المجالات أهمها أقدم أبجدية في التاريخ، ففي أوغاريت وماري وإبلا، تم اكتشاف آلاف الرُقم والمحفوظات الضخمة التي تضمنت الكثير من النصوص التجارية والسياسية والقانونية والميثولوجية، كذلك كانت الحضارة الفينيقية والآرامية مرورا بأفاميا وتدمر وبصرى، وهذه المواقع والآثار تفوق في قيمتها النفط والغاز.
جغرافيًا تتمتع سوريا بتنوع تضاريسها، حيث توجد الجبال والسهول والصحراء والبحر والأنهار، مناخها متوسطي معتدل جميل وشمسها دافئة، وهذا يساعد على التنوع الكبير في الإنتاج الزراعي والحيواني وكذلك صيد الأسماك، والأرقام الحقيقية لهذا الإنتاج الضخم قد تدهش الكثيرين وتفوق بكثير الإحصائيات الرسمية.
ولذلك كانت الهجمة الشريرة على سوريا في عام 2011 من قبل المحور الأطلسي الذي دعم الإرهاب القادم من خارج حدود سوريا سياسيا ولوجستيا وماليا وإعلاميا سراً وعلانية من أجل السيطرة على سوريا ووضعها في طرفه ضمن المعادلة الدولية، ولكنه اصطدم بوحدة الشعب السوري العريق بكل أطيافه الذي قدم مئات الآلاف من أبناءه لتبقى سوريا، والذي دعمه المحور الأوراسي المقاوم للهيمنة الأميريكة بقيادة روسيا الاتحادية، وهنا تترسخ المعادلة الدولية في المعنى الجيوسياسي فالمحور الذي ستكون سوريا طرفا فيه سيكون قادر على التأثير في الكثير من المعطيات الدولية الهامة.