حمّامات الدم... من ريغان إلى ترامب والحرب بالوكالة من نيكاراغوا إلى اليمن

24.04.2017

المتتبع لخطوات فريق الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب بدءاً من وزير خارجيته المتشدّد ريكس تيلرسون في مجال السياسة الخارجية وصولاً إلى وزير الدفاع «المسعور» جيمس ماتيس المتعطش للحروب في مجال السياسة الدفاعية، يدرك بوضوح حجم التماثل والتشابه في العقيدة والنظرة التي يتبعانها مقارنة بعقيدة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ووزير خارجيته آنذاك الكسندر هيغ ووزير دفاعه كاسبر واينبرغر، والمتمثلة بمبدأ «الإجماع الاستراتيجي»، التي بلورها أركان الإدارة الريغانية السابقة، لمواجهة ما سمّي آنذاك بالتغلغل السوفياتي شرق المتوسط والانطلاق نحو شرق القارة الأفريقية، والمعروفة اختصاراً بـ»عقيدة ريغان» لكسر التوازن الاستراتيجي الذي أعلنه السوفيات مطلع السبعينيات من القرن الماضي.

الخطوات ذاتها تتبعها إدارة ترامب الحالية بطريقة تثير الدهشة في تسلسلها التصاعدي بدءاً من تجديد التحالفات مع تيار الاعتدال المتصهين في الشرق الأوسط ،ورأينا ذلك جلياً في تجديد الشراكة الأميركية الخليجية والمصرية، وبناء الحزام الأمني الإقليمي لمنع التمدّد الروسي باتجاه العراق، وظهر جلياً بتطويق سورية بعشرات القواعد ونقاط الإمداد اللوجستية للقوات الأميركية في تركيا والعراق والأردن، وصولاً الى إعادة التأكيد على دور حلف شمال الأطلسي في مواجهة روسيا، رغم أنّ ترامب قال عنها يوماً إنها منظمةٌ بالية عفى عنها الزمان، وما نشر القوات الأميركية على حدود روسيا سوى نموذجٍ يحاكي نشر أسلحة استراتيجية في أوروبا زمن الاتحاد السوفياتي سابقاً… وكما هو معلوم شكّلت حقبة ريغان إنهاء لمرحلة الوفاق في العلاقات الدولية التي كانت إدارة جيمي كارتر طرفاً فيها، وتدشيناً لبداية حقبةٍ جديدة كان عنوانها سباق التسلح بين القوتين الدوليتين آنذاك، والمعروفة بـ «استراتيجية حرب النجوم» وهي التسمية التي سادت للدلالة على «مبادرة الدفاع الاستراتيجي» الرامية إلى إقامة منظومات من الصواريخ الدفاعية بقصد تحصين الولايات المتحدة من هجمات صاروخية نووية سوفياتية مفترضة، واليوم نرى نسختها المتطورة بنشر منظومات «ثاد» الصاروخية في كوريا الجنوبية، ونشر منظومات الدفاع الصاروخية على مقربة من حدود روسيا في رومانيا وبولندا…

من زاويةٍ أخرى المتتبع لأحداث فنزويلا والتي اتهم بها الرئيس نيكولاس مادورو الولايات المتحدة بتدبير انقلاب عسكري عليه، والمدقق أيضاً في كلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول حزمه في التصدي لنظرية «الثورات الملوّنة» في إطار دول معاهدة الأمن الجماعي «حلف طشقند»، يدرك بوضوح أنّ إدارة الرئيس ترامب تسير بخطىً حثيثةً لتنفيذ عقيدة ريغان بحذافيرها، بمعنى إثارة القلائل والاضطرابات والثورات وتدبير الانقلابات في كلّ الدول التي تتواجد فيها مصالح حيوية روسية…

قد يقول البعض إنّ التشابه الحاصل في العقيديتين «الترامبية» و«الريغانية» هو نتيجة تشابه ظرفيّ في العلاقات الدولية أنتج ذات السلوكيات، وأنه لا يجوز التعميم والنمذجة وبالتالي بناء سيناريوات مستقبلية استناداً فقط إلى نماذج مشابهة في الماضي، وهذا الكلام دقيق، ومع أهميته لا يمكن إغفال دلالات تصريحات وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون حول تعطيل إيران لمصالح الولايات المتحدة الحيوية في سورية ودراسة خيارات إلغاء الصفقة النووية مع ايران 14/7/2015 ، خصوصاً أنّ هذا الكلام أتى مباشرة بعد غارةٍ أميركية عدوانية ضدّ حليفتها سورية مؤخراً، والاستفزازات الأميركية ضدّ كوريا ووصف الرئيس ترامب لأسطوله المتوجه الى سواحل الجزيرة الكورية بـ «ارامادا» دلالةً من ترامب على أنّ أسطوله البحري لن يُهزم، مما يعود بنا إلى المعركة التاريخية التي وقعت منذ مئات السنين بين الأسطولين الانجليزي والإسباني، والتي مُني فيها الأخير بهزيمة قاسية، يفهم من سياق هذا التشدّد والتوتير للعلاقات الدولية اعتماداً على المقارنة التاريخية السابقة بقرب تبني إدارة ترامب لعقيدة «الحرب بالوكالة» الريغانية الطابع الذي اعتمدها ريغان عبر حلفاء محليين او حلفاء إقليميين للولايات المتحدة وليس التدخل المباشر، وحالياً يسير ترامب في طريقها، هذه العقيدة ساهمت زمن ريغان في ارتكاب حمامات من الدم في أميركا الوسطى حيث قُتل حوالي 200 ألف شخص في السلفادور ونيكاراغوا وغواتيمالا في معارك ضدّ اليسار، أو عبر دعم أنظمة يمينية، ومع هذا علينا ألا نستخفّ بخطورة السلوكيات الترامبية العدوانية في سورية والمستفزة في كوريا، والمتشدّدة تجاه إيران، والمتآمرة في فنزويلا والتي بلغت حدّ التهديد بالتدخل ضدّ حكومتها تحت ذريعة حقوق الإنسان، فخيارات التدخل العسكري الأميركي تجاه إحدى هذا الدول ليست بعيدةً أو غير واردة رغم محاذيرها استنادا ًالى ما تقدّم.

وفي الطرف المقابل تبدو روسيا هادئة، ولكن هدوءها لا يعكس نواياها وخططها لمواجهة الترامبية/ الريغانية، فهي تدرك أنّها الهدف الكليّ لمجموع السياسات الأميركية حول العالم، وتتحرك بمقتضى الضرورة لردعها وأرسلت عدّة رسائل عسكرية تفيد بخياره المواجهة بالمثل بدءاً من تحليق قاذفات استراتيجية فوق ألاسكا حدود المجال الجوي للناتو والولايات المتحدة وإنتاج صواريخ فرط صوتية، وتعزيز ترسانتها العسكرية البرية والجوية وترسانة حلفائها الموثوقين، وتعزيز انتشارها العسكري بقواعد حول العالم بلغ عددها تسع قواعد حتى الآن… وما قرار موسكو الانسحاب من الاتفاق التاريخي بشأن التخلص من أطنان من البلوتونيوم المستخدم في صنع الأسلحة 2009، إلّا في هذا السياق، إلى جانب تقارير تفيد بأنّ روسيا نشرت صواريخ ذات قدرة نووية جديدة في كالينغراد على بحر البلطيق في تصعيد للصراع مع الولايات المتحدة، وتبدو هذه الإجراءات الروسية رسالة على الريغانية السياسية وخليفتها الترامبية ليفهمها أركان المجمع الصناعي الحربي الأميركي، فبوتين ليس غورباتشوف لينزع جيلاً كاملاً من الصواريخ في خضمّ معركة قاتلة مع الولايات المتحدة من شرق أوروبا، وبوتين ليس غورباتشوف ليغرق في مشكلات حلفائه الداخليين على عكس النموذج السوفياتي في وارسو، كما أنّ فكرة توازن المصالح والقوى مترسّخة في ذهنية إدارة الرئيس بوتين على عكس أسلافه السوفيات، ولا يبدو تصريح بوتين إبان أزمة القرم عن استعداده لوضع قواته النووية في حالة تأهّب خلال تلك الأزمة، غائباً عن إدراك معناه في أركان إدارة ترامب… وعن إمكانية وضعه حال تعرّض المصالح الروسية للخطر.

مجمل المشهد الدولي يوحي ببوادر أزمة عميقة في العلاقات الدولية واستقطابٍ حادّ، ينبئ بأننا مقبلون على سباق تسلح استراتيجي ونووي، ستدفع ثمنه شعوب مستضعفة، رأينا إرهاصاته من داخل منظمة الأمم المتحدة من خلال إصرار روسيّ على العالم المتعدّد الأقطاب، وإصرار أميركي على الترامبية /الريغانية لتثبيت الأحادية القطبية، وقد نرى نتيجةً لها انتكاساً للاتفاق النووي المكرّس بقرار أممي 2231 بخروج الولايات المتحدة منه في نموذج يحاكي عدم تصديق إدارة ريغان السابقة على اتفاقية سالت 2 .

من زاويةٍ أخرى فالترامبية السياسية وإنْ تشابهت مع الريغانية في هدف تقويض قوة روسيا الاتحاد السوفياتي سابقاً وكسر التوازن الاستراتيجي بين الطرفين، إلا أنّ النتائج حكماً غير متشابهة مع الريغانية، فالترامبية ستعاني كثيراً في مقابل عقيدة بوتين الواضحة والراسخة، الذي يعدّ الانخراط الروسي في الحرب على الإرهاب شرق المتوسط أحد تجلياتها، وما نماذج حرب الشيشان وجورجيا وأوسيتيا الجنوبية، ومؤخراً حسم عودة القرم إليها، إلّا تعبيراً عن استخدام القوة حين تتعرّض المصالح الروسية للخطر، فالريغانية انتصرت لأنّ البيروسترويكا كانت لغير زمانها ولغير موضوع في مواجهة الريغانية. أمّا الترامبية فتقابلها بوتينية عقلانية وبراغماتية ولكن في الوقت ذاته حاسمة عسكرياً في حماية مصالح روسيا.

ختاماً… إذا كان ترامب يسير على خطى ريغان، فإنّ السؤال المنطقي الذي يتبادر إلى الذهن، أين الحرب المقبلة لترامب الأساسية بالوكالة على شاكلة النموذج في نيكاراغوا؟ وحقيقةً فإنّ الجواب صعب، فترامب عمل على تسخين كلّ الساحات الأزموية بدءاً من سورية وصولاً الى كوريا، وهو يدرك وجود طرف حاسم في خياراته في الجانب الآخر اسمه بوتين، ويبدو خيار الحرب العالمية غير واردٍ الآن، فهل تكون جولة ماتيس إلى المنطقة إيذاناً بتصعيد الحرب على اليمن الشقيق، بقيادة ما سمّي «التحالف الإسلامي»… ربما!