هل تحاول واشنطن أن تربح في السياسية ما خسرته بالعسكرة؟

18.08.2018

منذ إنجاز معركة الغوطة الشرقية، بدأت تقل تدريجيا التصريحات الأمريكية، بما يخص الشأن السوري، وصولا لما قبل معركة الجنوب السوري، حيث كان التصريح الأمريكي الأشهر حينها، أن أمريكا غير معنية بأي دعم عسكري أمريكي محتمل للمسلحين هناك.

استمر وهج هذه التصريحات الذي رافق الأزمة السورية على مدار سبعة أعوام الماضية، بشكل شبه يومي وعلى مختلف المستويات، بالتقلص تدريجيا، وصولا لقمة هلسنكي في 16  يوليو/تموز الماضي، حيث خرج علينا كل من زعيمي القمة، الروسي بوتين والأمريكي ترامب، بخارطة طريق شبه نهائية للحرب الدائرة على الأرض السورية، متضمنة ملفات اللجوء، والخطف، ومآل الحدود السورية الإسرائيلية، عقب تحرير الجنوب السوري من العناصر المسلحة، كعناوين أساسية فيها، بالإضافة إلى ما أظهرته هذه القمة من إذعان أمريكي لروسيا شبه تام، فيما يخص تسوية هذا الملف.

فجأة نشطت مؤخرا على الساحة الدبلوماسية الأمريكية، عدة نشاطات على مستويات عدة، فيما يخص تطورات الشأن السوري، النشاط الأهم كما يبدو حتى الآن، كان اللقاء الخاص الذي عقد في واشنطن بدعوة من وزير الخارجية الأمريكية مايكل بومبيو، لمبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا ستيفان دي ميستورا، بحسب البيان الذي نشرته الخارجية الأمريكية بتاريخ 15 أغسطس/آب الجاري، حيث جاء في البيان حول نتائج هذا الاجتماع، أن كل من الجانبان ناقشا التقدم في عملية تشكيل "اللجنة الدستورية"، واتفقا على أنه يجب على جميع الأطراف المعنية إتباع "الطريق السياسي"، وأنه من السابق لأوانه أي حديث عن "إعادة الأعمار" في سوريا في ظل غياب "الحل السياسي هناك".

وبحسب البيان الصادر عن الخارجية الأمريكية أيضا، فإن بومبيو أوضح أنه في الوقت الذي تدعم فيه الولايات المتحدة عودة "اللاجئين" إلى سوريا، إلا أن ذلك يجب أن يتم فقط عندما تكون البيئة في سوريا "آمنة" بما فيه الكفاية، وبإشراك "وكالات الأمم المتحدة "ذات الصلة. 

والسؤال المطروح هنا بعد هذا اللقاء والبيان الذي تبعه، هل المناطق التي حررتها الدولة السورية سابقا، وصولا لتحرير الجنوب والجنوب الغربي مؤخرا، والتي شهدت عودة كثيفة للمدنين، سواء نازحين أو لاجئين أليها، على مرأى ومسمع العالم أجمع، هل كان ذلك إلا بسبب بسط الأمن واستقرارها، وتأمين كافة الخدمات اللازمة لعودة الحياة الطبيعية فيها، على سابق عهدها قبل دخول الإرهاب إليها؟ 

أم هو استثمار جديد في الملف السوري، ولكن هذه المرة بلبوس سياسي، بعد فقدان القدرة على التأثير العسكري، جراء هزيمة جميع أدواتهم على الأرض، وكلاء كانوا أم أصلاء، على مدار عمر الحرب الدائرة...!

وماذا يفسر إعلان الخارجية الأمريكية الجمعة 17 أغسطس/آب الجاري، أن واشنطن استحدثت منصب ممثل وزير الخارجية للشؤون السورية، الذي سيعمل على جميع مسائل النزاع في سوريا؟ حيث تم بحسب الخارجية الأمريكية تعيين سفير الولايات المتحدة السابق لدى العراق، جيم جيفري مستشارا خاصا لوزير الخارجية بومبيو، معنيا بالإشراف على المحادثات بخصوص انتقال سياسي في سوريا.

أليس إقرار بفشل مشروع إدارته على إسقاط الدولة السورية بالقوة، وهذا ما يعني ضرورة اللجوء إلى الأساليب السياسية البرغماتية الأمريكية المعهودة، من خلال محاولة الكسب السياسي فيما يتعلق بملف إعادة الأعمار، والتسليم لروسيا بقيادة ملف النازحين واللاجئين والحدود مع إسرائيل ...!

"نحن لسنا بحاجة لتلك الدول، ولن نسمح لها أن تكون جزءاً من إعادة الأعمار على الإطلاق"، هكذا أغلق الرئيس الأسد مسبقا، كافة الأبواب في وجه جميع المحاولات الرامية للاستثمار في ملف الأعمار، من قبل الدول التي كان لها دور، أو ساهمت في الحرب وفي تدمير سوريا، وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية، جاء كلام الأسد جوابا على سؤال بهذا الخصوص، خلال لقاء أجرته معه فضائية العالم الإيرانية بث بتاريخ 13 يونيو/حزيران الماضي، ليكون الكلام الفصل من رأس الهرم في الدولة السورية حول ذلك.

بالمحصلة إن كان هناك من نتائج يمكن أن نخلص إليها من خلال كل ما تقدم، فإن أهمها يمكن أن يكون هو تسليم واشنطن - الغير معلن - بسقوط أهداف عدوانها على سوريا، بكامل مسرحياته وفصوله الطويلة، والتي كان جنيف1 أولها، مرورا بالمزاعم الكيمائية وأبطالها ذوو الخوذ البيضاء، وصولا لسقوط التعويل على إمكانية تأسيس حالة كردية انفصالية، وسقوط إمكانية التأسيس عليها، لشرعنة استمرار وجودها الإحتلالي، من خلال قواعدها المنتشرة في الشرق السوري. 

ولابد أيضا هنا من الإشارة، وفي ذات السياق، أنه لم يسبق لأحد أن ربح في السياسة ما خسره في أرض الميدان، كيف إذا كان هذا الميدان سوريا...!