هل سيكون العدوان الثلاثي على دمشق هو الهجوم الأخير حقاً؟

15.04.2018

بعيدا عن فبركات استخدام الكيماوي الهوليودية إنتاجا وإخراجا، التي استدعت – على حد زعمهم - تنفيذ ضربة عدوانية ثلاثية من قبل كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا فجر 14 ابريل / نيسان الجاري، عبر توجيه (110) صواريخ إلى عدة مواقع في دمشق وخارجها، وبعيدا عن كل التهديد والتغريد الذي سبق ذلك بأسبوع من الزمن.  

نجد أن المسألة ليست جديدة، وأن جذرها يمتد إلى المحاولات الأمريكية القديمة والمستمرة، للسيطرة على الرقعة السورية الحاكمة في مفاصل المنطقة، على اعتبارها عقدة العلاقات الأساسية في الشرق الأوسط.

وحول ماهية الدوافع لشن مثل هذا العدوان الثلاثي المبني على فبركات كيماوية جملة وتفصيلا، نرى أن السبب الرئيس هو يقين الرئيس الأمريكي وحلفاؤه أن اللعبة انتهت، وأن المشروع في سورية قد فشل، وأن إعلانه الانسحاب من شرق الفرات وأماكن تواجد القوات الأمريكية في سورية، هو الخيار الوحيد والصائب الذي بقي بيده، بعد سلسلة الإنجازات النوعية التي حققتها القيادة السورية وحلفاؤها، على كافة المستويات العسكرية والسياسية والتصالحية.

ويعلم أيضا، أن كامل الأوراق التي كانت تراهن عليها إدارته عبر محاولات خلق كيانات وظيفية - والتي لو نجحت كانت ستشكل لبلاده جسر بقاء على الأرض السورية - جميعها سقطت لغير رجعة، بدءا بهزيمة داعش وانتهاء بتحرير الغوطة الشرقية، التي شكلت نقطة مفصلية أسقطت أحلامهم في محيط دمشق نهائيا.

كما أسقط من يده حليفه التركي إمكانية استخدام الورقة الكردية (الانفصالية)، واضعا قدميه في مشروعين مختلفين، هما في حالة اشتباك على الأرض السورية، مما قلل فرص التعويل على إمكانية إعادة إنتاج استخدامه في الفلك الأمريكي بذات الصورة التي كان عليها بداية الحرب.

يدعم ذلك تصريح أردوغان الأخير الذي يظهره – كوسيط ومحايد - حول التطورات الأخيرة، في كلمة له الخميس الفائت في أنقرة، عن أن تركيا: "قلقة للغاية لرؤية بعض الدول الواثقة من قوتها العسكرية تحول سوريا إلى ميدان للمنازلة"..! بغض النظر عن التأييد الذي أعلنته خارجيته للعدوان الثلاثي عقب تنفيذه.

أما حليفه الإسرائيلي فهو اليوم أضعف قاعدة متقدمة لأمريكا والغرب الاستعماري في هذا الشرق، إذ حولها الصمود السوري مع الحلفاء إلى عبء وتركة ثقيلة على كاهلهم، فإسرائيل الأمس التي كانت تصول وتجول دونما رادع، هي اليوم مبتورة الأطراف منغلقة على ذاتها، خاصة بعد إسقاط طائرة "الإف 16" فبراير/ شباط الماضي، جناح جيشها القوي الذي لا يقهر... 

وتأتي الرعونة الإسرائيلية الأخيرة المتمثلة بالاعتداء على مطار "التيفور" في 9 ابريل/ نيسان من داخل الأراضي اللبنانية في هذا السياق، فهي أكثر الباحثين اليوم عمن يمنحها ضمانات أية ضمانات، لأنها تدرك أن زمن التسويات معها ولى لغير رجعة، واللافت أن مثل هذه الاعتداءات قد تشكل "فرصة" ما ينسف أية إمكانية لأية ضمانات قد تكون في الأفق البعيد، والبعيد جدا...

لذلك شجعت وعولت كثيرا على الضربة العدوانية الثلاثية لمواقع سورية، ولكنها على ما يبدو جاءت مخيبة لآمالها، على حد تعبير الخبير العسكري الإسرائيلي بصحيفة يديعوت أحرونوت رون بن بشاي، حيث قال: "إن حجم الضربة الأمريكية ضد أهداف سورية لها جملة دلالات أهمها: أن الأسد بإمكانه أن يستريح، ومعه حلفاؤه الروس والإيرانيون، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خشي فعلا من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، فالضربة كانت محدودة جدا"...

الحليف السعودي الغارق في اليمن حتى أذنيه، والذي أغرق معه حتى "الباتريوت" فخر السلاح الأمريكي، تلقى في هزيمة جيشه الوهابي في دوما بطاقة حمراء أخيرة، ليخرج بذلك صفر اليدين من الساحة السورية. 

وما كل محاولاته في شراء حرب جديدة على سورية إلا محاولات خائبة، حتى ولو نجح في إطالة عمرها حينا آخر، ولن تحقق له إلا مزيدا من دفع الإتاوات لسيده الجشع في البيت الأبيض، كدفعه فاتورة الضربة العدوانية الثلاثية الأخيرة كاملة غير منقوصة دولار واحدا، وقبل الشروع فيها. 

فلا هو طال بلح الشام ولا هو رام عنب اليمن ...!

ترامب – المأزوم داخليا مع إدارته - والذي يرى في شعار أمريكا أولا جلّ طموحاته، والتاجر البارع بسياسة "الشنطة" و"حلب" الأموال الخليجية، خرجت أزمته هذه إلى العلن بصورة جملة من التناقضات في التصريحات بينه وبين كل من وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكية، جراء موجة السخرية العارمة التي رافقت سلسلة التغريدات التي أطلقها خلال الأيام الماضية، والتي سبقت تنفيذ هذا العدوان الثلاثي بعدة أيام. 

ما رجح صحة الفرضية القائلة بأن قدرة المحور السوري - الإيراني – الروسي، على شل اليد الأمريكية في سورية، وإخراجها من التأثير في المعادلة تماما، كانت سببا أساسيا في كل هذا التخبط والجنون.

فالأمريكي بات يعلم جيدا أن سورية انتصرت مع حلفائها في حربها على الإرهاب - الهادف لإسقاط الدولة وتقسيمها - ويعلم أيضا أنها لم تعد ساحة مفتوحة للصراع، وأن الصراع  تحول من على سورية إلى الصراع معها، ويعلم أكثر أن التسليم بانتصار سورية وحلفائها أصبح واقعا محققا، بكل ما يعنيه ذلك من خسارته لقطبيته الأحادية، وفقدانه المياه المتوسطية الدافئة إلى الأبد، جراء الصمود السوري الذي غلب كل التوقعات، مترافقا مع تعاظم النفوذ الروسي- الإيراني ذو العمق الصيني على الساحة السورية.

لذلك سعى وحلفاؤه المتضررين من هزيمة مشروعهم الإرهابي في سورية، عبر إعادة التجييش والتحشيد والتغريد، لتحويل هذه الساحة مجددا إلى ساحة حرب جديدة، بتوجيه مثل هذه الضربة المحدودة، هربا من الاعتراف بالهزيمة التي لحقت بهم، عبر القضاء على أدواتهم ومحاصرتهم وحرق أوراق وجودهم في الساحة السورية.

حيث جهدوا أن تنحو بهم هذه الضربة الثلاثية، لتكون أقل من حرب عالمية بصاروخ أو بغارة، وافترضوا أنها تحقق لهم شيئا مما خسروه، والمعلوم استراتيجيا أنه يختلف التعاطي والرد مع هكذا نوع من الضربات الصاروخية، عنه في حال لو كانت هذه الضربات تمثل إعلان بداية حرب. 

يفسر ذلك ربما تفرد الجيش السوري بالتصدي وحيدا - عبر منظومة دفاعاته الجوية - لهذا العدوان وإفراغه من مضامينه، ليتحقق بذلك أمرين لمحور دمشق - طهران – موسكو، أولهما: تظهير قدرة الجيش السوري الفعلية على مواجهة مثل هذه الاعتداءات وحيدا، دونما الحاجة لتدخل حلفائه في كل من موسكو وطهران وحزب الله، وثانيهما: هو دحض مزاعم الأمريكي وحلفاؤه بأن الدولة في سورية كانت سقطت لولا الدعم الروسي – الإيراني المطلق لها.

الرد الرافض والمستنكر لمثل هكذا اعتداءات على دمشق من قبل طرفي المحور الإيراني – الروسي، والدفع نحو التعقل و الدعوة لانتهاج السلم حلا للتوتر القائم، والرغبة الجادة بعدم الدخول في حرب، إن فرضت لن تكون محمودة النتائج على مرتكبيها، حيث سيكون الحلف في حل من أي قواعد اشتباك في حال تكرار مثل الاعتداءات. 

أدخل المحور الأمريكي وحلفاؤه بحالة هستيرية غير مسبوقة من الإحراج والتناقض بالتصريحات، دفعتهم للإعلان بأن: "المهمة قد أنجزت" حسبما غرد ترامب مساء يوم العدوان، وكما صرحت  وزارة الدفاع الأمريكية أيضا: "بأنّه لم يعد لدى دمشق مخازن للسلاح الكيميائي، إضافة إلى عدم قدرة النظام على إنتاج سلاح كيميائي، نتيجة الهجوم الأخير"...!

فهل نفهم بأن هذا العدوان الثلاثي سيكون الهجوم الأخير على سورية من قبل أمريكا وحلفائها؟ لسبب أن ذريعة التدخل بحجة امتلاك واستخدام دمشق الأسلحة الكيمائية - التي لا تمتلكها أصلا - قد سقطت للأبد، بسبب تدمير مخازنها وإمكانية إنتاجها عقب هذا الهجوم!

وهل نفهم أيضا أن كل هذه الأساطيل واللحمة الأطلسية فوق مياه المتوسط، ما هي إلا تمظهرات المأزوم عبر تهديدات المهزوم أصلا؟

وماذا نقرأ في إحباط مشروع القرار الروسي المقدم مساء يوم العدوان الثلاثي على سورية، لإدانة العدوان خارج الشرعية الدولية، من قبل أطراف العدوان أنفسهم؟ والذي جاء رد الحكومة السورية عليه مباشرة بلسان مندوبها الدائم بشار الجعفري بقوله إن: "كل من صوت ضد مشروع القرار الروسي، لم يعد شريكا  للحكومة السورية في أي عملية سياسية"، فهل أسقطت سورية بذلك مؤتمراتهم ومعارضاتهم المعتدلة في جنيف أيضا، كما أسقطت لهم نخبة صواريخهم المجنحة، فجر ذات اليوم؟

في المحصلة نجد أن نظرية الرئيس بشار الأسد القائمة على التشبيك والربط بين ما يعرف "بالبحار الخمس" قد انتصرت حتما، لما كان لها من أهمية في تظهير هذه المنطقة كمنطقة إستراتيجية حاكمة في التوازنات العالمية، وهذا ما أدركه الأميركي وحلفاؤه تماما، فاستنفروا لذلك كل طاقاتهم وأدواتهم، لإحباط ليس فقط فكرة هذه النظرية، بل حتى التفكير فيها، لينتج عن ذلك كل ما نراه اليوم من فعل ورد فعل. 

وهذا بالضبط ما قصده الرئيس الأسد خلال استقباله الخميس 12 ابريل/ نيسان الجاري السيد علي أكبر ولايتي، المستشار الأعلى لقائد الثورة الإسلامية الإيرانية للشؤون الدولية، بقوله: "مع كل انتصار يتحقق في الميدان تتعالى أصوات بعض الدول الغربية، وتتكثف التحركات، في محاولة منهم لتغيير مجرى الأحداث، وهذه الأصوات، وأي تحركات محتملة، لن تساهم إلا في المزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة، وهو ما يهدد السلم والأمن الدوليين". 

نعم قد تكون شارة البداية في أي حرب مقبلة بيدهم، كما كل الحروب السابقة، فتاريخهم يشهد بأنهم كانوا دوما بلا عهد أو ذمة، ولكن لن يكون بعد ذلك أي شيء بيدهم وهذا مؤكد، فلا أحد يستطيع إعادة الزمن إلى الوراء، مهما كانت النتائج والتبعات.

وأما بالنسبة للرد على العدوان الثلاثي الذي طال دمشق، فمن الضروري التوضيح هنا على أن دمشق دافعت فقط ولم ترد، لا كسورية ولا كمحور، وأنه لا داعي لاستباق تطورات الأحداث، فهناك فرق بين هجوم المجنون، ورد العاقل الذي يعلم جيدا من أين تؤكل كتف عدوه. 

فالحرب اليوم في شرقنا وفي أوطاننا، وليست في ديارهم، وإدارتها ودفعها بالتروي هو المنطق، ونحن هنا لا نقول بعدم الرد، بالعكس تماما، ولكن طالما كان يحكم مثل هذا الرد العقل الاستراتيجي الذي يدير المعركة منذ بدايتها حتى الآن، فالعصر اليوم هو العصر الإستراتيجي السوري بلا منازع ، فزخروا أيها السوريون بنادقكم، إن يوم النصر واقع وقريب ...